فنفس ما يقوله الماركسيون أي «الدين افيون الشعوب، وانه عامل الركود» هو من نتائج الأوضاع الاقتصادية التي كانت تسود البيئة التي أطلق فيها ماركس كلمته هذه. فحيث تطور الوضع الاقتصادي، وتغير الى وضع آخر تغيرت النظرية إلى نظرية اخرى فربما يمكن أن تكون النتيجة هي أن الدين محفز للعمل...
بقلم: الشيخ جعفر الهادي-مقتبس من كتاب الله خالق الكون

٣ ـ الدين ونظرية استغلاله

عندما تجاهل الماديون العلة الواقعية الروحية لنشوء العقيدة في حياة البشر، والسبب المنطقي المتمثل في الرابطة العقلية بين مشاهدة النظام، والاعتقاد بقوة خالقة مدبرة، عمدوا إلى اختلاق ونحت فرضيات خيالية لتعليل هذه الظاهرة الخالدة، ليخدعوا بها أنفسهم، ويضللوا بها السذج والبسطاء.

فتارة عللوا نشوء العقيدة الدينية بعامل الجهل بالأسباب الطبيعية للحوادث.

وتارة عللوه بعامل الخوف من الحوادث الطبيعية المرعبة.

وثالثة عللوه بعامل اقتصادي، وهذا التحليل لا يختص بتفسير نشأة الافكار الدينية بل هم يحللون كل ما في المجتمع من علم وفلسفة وفن وثقافة، وآداب وتقاليد وسنن دينية وأفكار ميتافيزيقية بعامل اقتصادي على النحو الذي سيأتي تفصيله وبيانه.

فالأفكار الدينية والفلسفة الميتافيزيقية ـ حسب تحليلهم ـ ليست الا ردة فعل للأوضاع الاقتصادية السائدة في المجتمع، تماماً مثل بقية الظواهر الاجتماعية المذكورة من غير فرق بين ظاهرة وأخرى.

وقد اتفق جميعهم على هذا التفسير، الا انهم قالوا مرة أن الدين والمفاهيم الدينيّة كانت آلة طيعة بيد المستغلين لإخماد ثورة المستغلين، من الفلّاحين والعمال.

وقالوا مرة اخرى بان الدين بلسم مسكن كان يلجأ اليه المحرومون والمضطهدون أنفسهم للتخفيف من آلامهم، وتبرير اوضاعهم، وعجزهم عن اصلاحها.

هذا هو اجمال ما يقوله الماركسيون في هذا الصدد واليك تفصيل الكلام في ذلك.

يذهب الماركسيون إلى أن كل ما في المجتمع البشري ينقسم الى بنية تحتية، وبنية فوقية.

والبنية التحتية عبارة عن الوضع الاقتصادي وتطور وسائل الانتاج وتكاملها، وما ينشأ ـ بتبعها ـ من العلاقات الاقتصادية.

والبنية الفوقية عبارة عن الافكار الاجتماعية والسياسية والثقافية والأدب والفن والدين والفلسفة، فكل هذه الامور تتبع في شكلها ونوعيتها الوضع الاقتصادي ونوعية العلاقات الاقتصادية الناجمة بدورها عن تطور وسائل الانتاج وتكاملها.

قال «كونستانیتوف»: «ينبغي البحث عن منبع الافكار الاجتماعية والسياسية والحقوقية والدينية في الاقتصاد قبل كل شيء» (1).

هذا هو الأصل الذي اخترعه الماركسيون لتعليل جميع الظواهر الاجتماعية وبذلك أرادوا تقسيم الاشياء الي نوعين: أصيل، وغير أصيل، والاول متبوع والثاني تابع، يتغير بتغير الأول، ويتكامل بتكامله وتطوره.

وهكذا فسروا ظاهرة العقيدة الدينية فزعموا أنها تابعة للظروف والعلاقات الاقتصادية، وان المفاهيم الدينية ليست سوى ردة فعل الاوضاع الاقتصادية المتدهورة.

ولأجل ذلك فان أصحاب الرق والاقطاعيين والرأسماليين في عهود (الرق والاقطاع والرأسمالية) كلما خشوا ثورة العبيد والفلاحين والعمال في وجه المستغلين لهم بسبب ما يلاقونه من الضغوط عمدوا إلى التوسل بالمفاهيم الدينية والروحية وروجوها بين المحرومين والكادحين الناقمين بهدف تخديرهم والتخفيف من غضبهم، وصرفهم عن الانتفاضة والثورة، وبهدف تكريس خضوعهم واستسلامهم لإرادة الاسياد والاقطاعيين والرأسماليين واستغلالهم، وكان من ذلك الدعوة الى الصبر، وبأن التذرع به يستعقب أجراً عظيماً في اليوم الآخر، ووعدهم بالجنة ونعيمها المقيم.

وهذا التحليل المفتعل هو الذي قصده ماركس وانجلز بقولهما: «وما القوانين والقواعد الأخلاقية، والأديان بالنسبة الى العامل الّا أوهام برجوازية تستتر خلفها مصالح برجوازية» (2).

وهو الذي قصده لينين اذ قال (عام 1۹۰5): الدين افيون الشعوب، والدين ورجال الدين يخدران أعصاب المظلومين والفقراء ويجعلانهم يخضعون للظلم» (3).

كما قصده ستالين اذ قال (عام 1۹27): «اننا نرى في الأديان خطراً على الحضارة الانسانية، فالأديان افيون مخدر» (4).

وقال عام (1۹44): «لا نريد أن نجعل الدين مسيطراً علينا لأننا لا نريد أن نكون سكاری» (5).

وربما قالوا: إن المحرومين والفقراء ومن أسموهم بالطبقة المستغلة هم أنفسهم لجأوا إلى هذه المفاهيم الدينية ولاذوا بها ليسلوا أنفسهم، ويخففوا عن آلامهم ويبرروا عجزهم، وواقعهم الفاسد، أو يخدروا بها عقولهم ومشاعرهم عندما يفشلون في استعادة حقوقهم من أرباب العمل والأرض والاسياد المستغلين لهم السارقين لجهودهم.

قال ماركس: «ان الدين زفرة الكائن المثقل بالألم وروح عالم لم تبق فيه روح، وفكر عالم لم يبق فيه فكر، انه افيون الشعوب، اذن فنقد الدين هو الخطوة الأولى لنقد هذا الوادي الغارق في الدموع» (6).

وقال لينين (عام 1۹13): ليس صحيحاً ان الله هو الذي ينظم الاكوان، وانما الصحيح هو أن الله فكرة خرافية اختلقها الانسان ليبرر عجزه، ولهذا فان كل شخص يدافع عن فكرة الله انما هو شخص جاهل عاجز (7).

وبالجملة فالدين بما فيه من وعد للمظلومين والمحرومين كان يقلل من حرارة الثورة في نفوس المحرومين، ويمتص نقمتهم على الأسياد والاقطاعيين وأصحاب الثروة المستغلين.

ويستشهد الماركسيّون على كون الدين ردّة فعل للأوضاع والعلاقات الاقتصادية بأنه كلما تحسنت الأوضاع الاقتصادية لدى الطبقات الكادحة وظهرت في قلوب المحرومين بوارق الامل والرجاء اختفت الأفكار والمعتقدات الدينية وحلت محلها الأفكار المادية.

بينما ينعكس الأمر عندما تنعكس المعادلة، فكلما ساءت أوضاع الكادحين والمحرومين ظهرت العقيدة الدينية وراج سوقها، ونشط دور رجال الدين، ولجأ الناس الى مفاهيم الدين.

وهذا يعني أن بين الوضع الاقتصادي والاقبال على المفاهيم الدينية علاقة متعاكسة فكلما تحسن ذاك تدهور هذا، وكلما تدهور ذاك تحسن هذا.

ولهذا يقول لينين: «الدين مرتبط بالظلم دائماً فحيثما يوجد الظلم يوجد الايمان بالدين، واذا ما تخلصنا من الظلم وجب أن نتخلص من الدين، بل ان تخلصنا من نفوذ الدين يساعدنا على التخلص من الظلم» (8).

مؤاخذات على هذه النظرية

هناك مؤاخذات عديدة على هذه النظرية وما قيل في تبريرها، بحيث يجعلها فكرة خاطئة لا يمكن عدها من الفروض القابلة للدراسة بل يجعلها في عداد النظريات التي اخترعت لهدف خاص هو اشاعة الالحاد والاباحية. ونحن نكتفي هنا بذكر جملة منها هي:

أولا) ان معلومات هذا الفريق من الماديين عن الدين ومفاهيمه، وجذوره وأفكاره، يرجع الى انطباعاتهم عن سلوك آبائهم، أو ما وجدوه في المجتمع من غث وسمین منسوب الى الدين، ولاشك أن الكثير من هذه التصرفات والمواقف والتصورات لا تمثل حقيقة الدين الناصعة، وجوهره الصافي، فقد طرأ على الأمور الدينية من التشويه والمسخ والاعوجاج ما غيّب تلك النصاعة والصفاء خلف غيوم من الأيام والانحراف.

ولو أن هؤلاء الماديين اعتمدوا المنابع الدينية الأصيلة لدراسة الدين، وجعلوا سيرة قادته المخلصين وسلوكهم النقي من الشوائب والانحرافات ملاكاً لحكمهم على العقيدة والافكار الدينية لقضوا بغير ما قضوا، هذا إن كانوا غير متأثرين بأفكار مسبقة وغير مندفعين بنيات مبيّتة.

لقد اتخذ هؤلاء ذلك الموقف المعادي والسلبي من الدين وهم يعيشون في البيئات الغربية التي يسود فيها دين الكنائس الذي تنسب نفسها وعقائدها وممارساتها المشينة إلى المسيح زوراً، وغير خفي على المطلع أن دين الكنائس في تلك البلاد كان قد انتهى الى مجموعة من الخرافات والتحريفات والاباطیل والمهازل وهي التي بررت للماركسيين ان يطلقوا مثل هذا الحكم القاسي والسلبي على الدين على وجه الاطلاق. ولمعرفة هذه التحريفات، وهذه الخرافات تكفي مراجعة عابرة لكتب العهدين (التوراة والانجيل) وعظات القساوسة المنشورة.

ثانياً) أن هؤلاء تغافلوا عن ما للدين والعقيدة الدينية من الاثار الايجابية البنّاءة في حياة الانسان، وكيف أنها من أهم عوامل التحرك والتقدم والرقي والصعود لا الجمود والركود.

وقد عقدنا لبيان هذه الآثار فصلا موسّعاً ستقف عليه قريباً، الا اننا نستعرض هذه الأثار هنا بسرعة خاطفة وعلى سبيل الأجيال استكمالا لهذا البحث فنقول:

ان للعقيدة الدينية آثاراً عديدة في حياة الانسان وأهمها ما يلي:

أ ـ التقدم العلمي في ظل الدين: فان التدين يسند وجود العالم إلى فعل قوة عليا عالمة قادرة، والمادي بسنده إلى التصادف الأعمى، ومن الطبيعي أن تكون العقيدة الأولى هي الباعثة على اكتشاف السنن والانظمة دون الثانية فان اقبال العالم على اكتشاف الروابط والنواميس الكونية فرجع علمه بوجود سنن قطعية على سبيل الاجمال وهو لا يحصل الّا مع العلم بأن الكون من صنع الخالق العالم القادر المدبّر الحكيم، وهذا مما لا يتوفر عند من يقول بوجود الكون عن طريق الصدفة اذ الصدفة تعني الفوضى واللانظام.

ب ـ الدين دعامة الأخلاق: ان اعتقاد الإنسان بالله سبحانه، وأنه خلقه لغاية وهدف، وان الموت ليس نهاية الحياة يولّد في الانسان رادعاً قوياً، يردعه عن الانسياق وراء شهواته الرخيصة واهوائه ونزواته، كما أنه يولّد فيه مثلا أخلاقية، وتوجب نموّ السجايا الخيّرة في كيانه فلا يرتكب كل ما تمليه عليه مصالحه الشخصية كما هو دأب المادي أمير المؤمن بالله.

فان العالم الكيمياوي اذا اقترح عليه بان يصنع سلاحاً مدمّراً، أو قنبلة سامة فتاكة لقاء عرض مادي مغر، لا ينفذ هذا الطلب اذا كان مؤمناً بالله بخلاف العالم المادي الذي لا يعتقد برقابة الهية ولا بجنة ولا نار، وهذا غير ما سيوافيك من أثر العقيدة الدينية في مجال القانون.

ج ـ الدين عامل التحرك والاستمرارية: فان الانسان الذي يعتقد بأن وراء هذا الكون قوة عليا قادرة على دفع الشدائد ودرء المصائب عنه، إذا توجه اليه واستعان به فان اعتقاده هذا يساعده على الاستمرارية والاستقامة بل والتحرك والتقدم لأنه يرى نفسه معتمداً على تلك القوة وآملا بنصرها وتأييدها بخلاف المادي الذي لا يركن الى ركن وثيق، وهذا يعني أن الدين أكبر محفز، وأشد ما يحتاج اليه الانسان هي الحوافز.

د ـ الدين والتقيد بالقانون: فالإنسان الذي يرى نفسه في محضر الله سبحانه، ويعتقد بانه يحصي عليه حركاته وسكناته، بل ويضبط خطرات قلبه وأوهام فكره، ونوايا ضميره، لن يرتكب أيّة مخالفة قانونية، خاصة اذا عرف بان تطبيقه للقانون يستتبع الثواب الأخروي الجزيل والاجر الالهي الجميل وتمرده عليه يستتبع العقاب الأليم بخلاف المادي الذي يتحايل على القانون بألف حيلة وحيلة، ولا يرتدع عن مخالفته والتملص منه كلما سنحت له الفرصة لأنه لا يؤمن بأية نظارة ورقابة، ولا يخشى عقاباً، ولا يرجو ثواباً.

إلى غير ذلك من الأثار الفردية والاجتماعية البناءة التي لا غنى للفرد والمجتمع عنها، وقد شرحناها على وجه التفصيل في الفصل اللاحق، فكيف يصف الماركسيون الدين بانه مخدر وانه افيون وانه يوجب الركود والجمود؟!

ثالثاً) أن البحث في علة نشوء العقيدة انما هو في نشأتها في العصور الأولى من حياة الانسان على الأرض، في حين ان ما يذكره الماركسيون يرتبط بالأدوار المتأخرة جداً عن تلك العصور، أي قبل أن توجد ظاهرة الرق والاقطاع والرأسمالية، فان ما يذكرونه يرجع الى عصور الاغارقة أو ما جرى في اروبا في القرون الوسطى فتعليل العقيدة الدينية بهذه الظواهر المتأخرة عن الحياة البشرية الأولى جداً، خطأ فضيع، أو تعمّد مفضوح، اذ ما الذي يفسر نشوء العقيدة الدينية ووجودها في العهود الأولى من حياة الانسان على الأرض، وقبل وجود هذه الظواهر (أي الرق والاقطاع والرأسمالية).

رابعاً) أن تقسيم الظواهر الاجتماعية إلى بنية تحتية واخرى فوقية، وتصور أن الثقافة والفن والعلم والدين كلها من البنية الفوقية التابعة للبنية التحية (أي الاقتصاد) من شأنه ابطال كل نظريات الماركسيين في مجال الفلسفة والتاريخ والاقتصاد، وكل تحليلاتهم وآرائهم فان هذه القاعدة التي اخترعها ماركس تستلزم أن يكون مجموع مناهجها في المجالات المختلفة نابعة من الحالة الاقتصادية وما كانت عليه وسائل الانتاج يوم أطلق ماركس وانجاز نظريتهما، وعلى ذلك فلو تغيرت وسائل الانتاج، وتغير الوضع الاقتصادي انتهى دور المناهج الماركسية في المجالات المختلفة، فلابد أن تتخذ مناهج اخرى تضادد تلك المناهج، تبعاً لمتغيرات الاقتصاد، وتطوّر وسائل الانتاج، والعلاقات الاقتصادية.

وعلى ذلك فنفس ما يقوله الماركسيون أي «الدين افيون الشعوب، وانه عامل الركود» هو من نتائج الأوضاع الاقتصادية التي كانت تسود البيئة التي أطلق فيها ماركس كلمته هذه.

فحيث تطور الوضع الاقتصادي، وتغير الى وضع آخر تغيرت النظرية إلى نظرية اخرى فربما يمكن أن تكون النتيجة هي أن الدين محفز للعمل، ومحرك للامة، وعامل من عوامل المقاومة والتقدم.

وهذا يعني ان ماركس قضى على جميع افكاره بنفسه، وخاصة هذه النظرية حول الدين.

خامساً) أن تعليل هذه الظواهر الاجتماعية على سعتها وتنوعها وتشعب اطرافها (كالعلم والفلسفة، والدين والثقافة والفن والاداب) بعامل اقتصادي اشبه ما يكون بتعليل زلزال هائل دمر مدينة عظمی، بانهيار سقف خشبي في احدى ضواحي تلك المدينة.

صحيح أن الاقتصاد يلعب دوراً هاماً في مجالات الفكر والظواهر الاجتماعية إلا أن الاقتصاد ليس هو العامل الوحيد الذي له مثل هذا الدور والتأثير، فليس الاقتصاد هو القوة الوحيدة المحركة للتاريخ وليست وسائل الانتاج هي القوة الكبرى التي تصنع تاريخ الناس، وتطورهم وتنظمهم بل هناك عوامل محركة اخرى للتاريخ نذكر بعضها:

أ ـ الغرائز التي جبل عليها الانسان، فان لها دوراً مؤثراً لا يمكن انكاره في نشوء الحوادث الاجتماعية فقد اثبت الروحيون ان الانسان ينطوي على غرائز خاصة تفعل كل واحدة منها اثرها الخاص في الحياة والمجتمع مثل غريزة طلب العلم، والجاه، والجمال. وغيرها، وما يتولد عنها من تطورات اجتماعية.

ب ـ الشخصيات البارزة فان لها أثراً كبيراً في خلق الظواهر الاجتماعية فان هذه الشخصيات لا تكتفي بالتفرج على الأوضاع، بل تلعب أدواراً، وتصنع أحداثاً، وتوجد تغییرات، وتاریخ الامم بما فيها من صفحات مشرقة خير شاهد على ان هذه الشخصيات قد اشعلت شرارة الكثير من الثورات الاجتماعية، وأوجدت الكثير من التحولات، وانه لولاهم لما حدث مثل تلك التحولات، ولما تفجرت تلك الثورات.

ج ـ فكرة القومية فقد كان لها أثرها الخاص في التطورات الاجتماعية لدى الأمم المختلفة فهذا هو هتلر الالماني أشعل الحرب العالمية الثانية بفكرة القومية النازية.

ولهذا عمد بعض المفكرين في بعض البلاد الى التوسل بالقومية، واحياء روحها، والهاب مشاعر الناس بها، للوقوف في وجه الأعداء أو تحقيق النهضة فيها (9).

ومع ملاحظة هذا العوامل وغيرها من العوامل المحركة للتاريخ المبحوثة في محلها. وتأثيرها البالغ في الظواهر الاجتماعية كيف يصح للماركسیین ان يسندوا كل ما في المجتمع من مظاهر علمية وفلسفية وفنية وثقافية وأدبية ودينية إلى عامل اقتصادي فقط.

سادساً) لو لم تكن للعقيدة الدينية جذور فطرية أولم تكن هناك رابطة بين مشاهدة النظام والاعتقاد بوجود المنظم، فلماذا يتفق المستغلّون جميعاً على قبول هذه الظاهرة، مع انهم يرون بأم اعينهم أن هذا العامل وسيلة لإخماد ثورتهم، وامتصاص نقمتهم ومنعهم من استنقاذ حقوقهم.

اليس يعني هذا أن المستغلين للطبقات المحرومة كانوا يستخدمون الدين في سبيل مصالحهم وهم يعتمدون على واقعية مقبولة لدى المستغلّين ذاتياً، فلو لم يكن الدين والتدين أمراً فطرياً عند المحرومین، او لم يكن امراً منطقياً لديهم فلماذا لم يرفضوا هذه الآلة التي تستخدم ضدهم؟

الم يكن بين جماهير الطبقات الفلاحية والعمالية طوال القرون المتمادية من يميز بين ما هو في مصلحتهم وما هو ضد مصلحتهم؟.

أن هذا الأمر يجعلنا لا نثق بهذه النظرية، بل يدفعنا الى ان نذعن بان للعقيدة الدينية جذوراً وخلفيات أعمق في كيان الانسان وحياته، وغير ما ذكره الماركسيون.

سابعاً) أن ما ذكروه يستلزم أن لا يوجد بين الطبقات المرفهة، وأصحاب الثروة والمسكنة أي متدين، لعلمهم بان الدين ليس سوى وسيلة تستخدم لإخماد الثورات وجلب المنافع، والحال أننا نجد طول التاريخ أصحاب ثروة وقفوا اعمارهم وثرواتهم في سبيل تحقيق الأهداف الدينية المقدسة بحيث صار الغني والفقير والظالم والمظلوم!!، والمضطهِد والمضطهَد!! في هذه الظاهرة سواء أي اننا نجد متدینین لیس بین الفقراء والمحرومين فقط بين الأغنياء واصحاب الثورة أيضاً، وهذا يعني أن قضية الايمان بالله ليست ناشئة من عوامل اقتصادية كما ذكروا، بل هي قضية روحية فطرية، ومسألة عقلية يقود اليها الفكر السليم.

ثامناً) ان ما استشهدوا به لتبرير نظريتهم (وهو انه كلما انتعش حال الطبقات المحرومة اقتصادياً انحسرت العقيدة عن حياتهم، وكلما تردت، راجت العقيدة الدينية) جهل من هؤلاء المحللين بمجريات التاريخ.

فإننا نجد في الحضارة اليونانية والاسلامية كيف قد ازدهرت الحالة الاقتصادية العامة وتحسنت جنباً إلى جنب مع ازدهار العقيدة الدينية ورواج المفاهيم الميتافيريقية، وكان لمعرفة أبيه والايمان به دور بارز ومكانة كبرى في هذه المدنيات والحضارات.

وهذه حقيقة يقف عليها كل من راجع تاريخ هذه الحضارات الكبرى، بل هي من الثبوت والجلاء ما لا نحتاج معه الى ذكر الشواهد والنماذج.

تاسعاً) أن تدهور أمر العقيدة الدينية وانحسارها في بعض المجالات والفترات التي نشط فيها الاقتصاد العام وانتشر الرفاه لا يعود الى ما ذكروه من النسبة التعاكسية بين «انتعاش الحالة الاقتصادية العامة» و«انحسار العقيدة الدينية» بحيث يكون انتعاش الحالة الاقتصادية العامة للكادحين سبباً في الأعراض عن العقيدة والمفاهيم الدينية، وترديها سبباً لرواج العقيدة الدينية، بل يعود الى ان طغيان غريزة من الغرائز من شأنه أن يغطي على الجوانب الاخرى في الحياة الانسانية، وهذا لا يختص بغريزة حب المال والثروة، بل يعم غريزة وحب الجاه والجنس وغير ذلك من الغرائز، فاذا زادت الاستفادة من غريزة معينة كما لو تمادى المرء في غريزة حب المال وجمعه أو الجنس نسي سائر ما عنده من الغرائز بل وحتى ما اعتقده من افكار ثبتت لديه بالأدلة القاطعة كالدين وما شاكل ذلك.

وبعبارة أخرى: ان العقيدة المقدسة كالاعتقاد بالله التي لا تنفك عن تحمل المسؤوليات لا تزدهر ولا تتجلى بقوة في كل ما اتفق من بيئة ومحيط، بل تزدهر وتنمو في بيئة سليمة من هيمنة الغرائز الطافحة وسيطرة الشهوات الطاغية التي تغطي على كل شيء سواها.

ومن هنا يكون من الطبيعي أن يتضاءل دور ونفوذ العقيدة الدينيّة، وتكاد تختفي معالمها في البيئات التي تغطي عليها المادية، ويكون الانسان فيها غارقاً في الشهوات من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، ففي هذه الحالة لا تترك التوجهات المادية الطاغية الحادة مجالا لظهور الافكار الدينية وتجلي التوجهات الميتافيزيقية.

وليس هذا الانحسار تجاه طغيان شيء من الغرائز خاصاً بالدين بل يشمل بقية الجوانب الانسانية والغرائز البشرية. فكلما طغى شيء اختفى في شعاعه شيء آخر من الأفكار أم من الغرائز.

عاشراً) ان استخدام المستغلين للعقيدة الدينية في سبيل مصالحهم شيء، والدوافع الموجدة للعقيدة الدينية شيء آخر والبحث انما هو في الثاني دون الأول وما قاله الماركسيون يرجع الى الاول دون الثاني، فالعقيدة حقيقة موجودة في طبيعة الانسان ومختمرة بفطرته، وقد استغلها بعض الاشخاص لمصلحته، وهذا واقع في أشياء أخرى أيضاً، كما في الطب وأشباهه، فلا يصح أن يقال: ان الطب قضيّة مخترعة لا واقع لها ولا ضرورة لان بعض الأشخاص أو بعض الاطباء استخدم الطب لاستدرار الارباح، واستجرار المنافع من ورائها.

قال ويل ديورانت: «ان الكاهن لم يخلق الدين خلقاً لكن استخدمه لأغراضه فقط كما يستخدم السياسي ما للإنسان من دوافع فطرية وعادات، فلم تنشأ العقيدة الدينية من تلفيقات والاعيب كهنوتية انما نشأت عن فطرة الانسان بما فيها من تساؤل لا ينقطع» (10).

حادي عشر) لو سلّم بما ذكره الماركسيون من أن الدين كان يستخدم كوسيلة لمصلحة الاثرياء وإضعاف الفقراء فان ذلك ـ لو صح ـ فإنما يصح بالنسبة للمذاهب التي طالتها أيدي التحريف، أو التي أوجدها الاستعمار، ولا يصلح ذلك دليلا لتعميم هذا الحكم على كافة الشرائع.

كيف ونحن نجد القرآن الكريم الذي صدع به نبيّ الاسلام محمّد صلی الله عليه وآله يزخر بتصريحات هامة وواضحة للأنبياء السابقين ضد المستغلين وتجد أيضاً كيف ان دعواتهم كانت ملجأ للمحرومين والمظلومين وسبيلا إلى كسر شوكة الظالمين ودحر المستغلين، واعادة الحقوق إلى أصحابها.

ففي سورة القصص يقول سبحانه:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص 4 ـ 6).

وفي سورة الشعراء يحكى سبحانه عن النبي موسى عليه السلام احتجاجه على فرعون استعباده لبني اسرائيل اذ يقول:

﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الاية ـ 22)

وفي سورة الشعراء يقول سبحانه وهو ينقل موقف بعض الأعيان والاثرياء من الرسالة الاسلامية التي ناصرها المحرومون والضعفاء:

﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ (الاية ـ 111).

وغيرها من الآيات التي تفيد أن الدعوات الإلهية كانت موجهة ضد الطغاة والمستكبرين والظالمين، وكذا ضد المعتدين والمستغلين.

ولهذا كان المحرومون يبادرون إلى تأييدها قبل أي جماعة أخرى.

بل نجد القرآن يحث اتباعه على الأعداد العسكري لمواجهة أعدائهم من الذين لا ترضيهم تعاليم الاسلام العادلة اذ يقول سبحانه:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (الانفال ـ 60)

كما وهاجم المرابين الذين يستغلون حاجة الناس ويمتصون جهودهم بقوله:

﴿يَمْحَقُ اللَّـهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (البقرة ـ 276)

وبقوله:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة ـ 278 ـ 27۹)

وندد بكانزي الثروة اذ قال:

﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (التوبة 34 ـ 35)

وغيرها من الآيات الناهية عن الاستغلال والاستعباد والتي تدل على ان دعوات الانبياء وجهودهم ركزت اهتماماً كبيراً على استنقاذ حقوق المحرومین وتخليصهم من الحرمان وحتى باستعمال القوة في بعض الحالات.

ثاني عشر ـ ان الماركسيين الذين ذهبوا إلى تعليل العقيدة الدينية بأنها كانت آلة طيعة لإخماد ثورة المستضعفين والكادحين لعلهم قصدوا بعض المفاهيم الخلقية في الدين التي ربما تقع وسيلة بأيدي أصحاب الثروة لإخماد نائرة العمال والفلاحين المحرومين المضطهدين مثل:

أ ـ القضاء والقدر بمعنى الاستسلام والخنوع.

ب ـ الصبر بمعنى السكوت والخضوع للعدو.

ج ـ الزهد بمعنى الرغبة عن الدنيا وترك الفعاليات.

د ـ التوكل بمعنى ترك الأخذ بالأسباب الطبيعية غير ان تفسير هذه المفاهيم بما ذكروه ينم عن جهلهم بمعانيها الحقيقية أو تعاميهم عنها، فان لها من المعاني ما يجعلها خير وسيلة للتحرك والانطلاق، والثورة والانعتاق، لا الخمود والركود، والخضوع والعبودية كما زعموا.

وسوف تأتي على ذكر هذه المفاهيم، ونعرض لتحليلها في الأجزاء اللاحقة من هذه المجموعة بإذن الله تعالى.

على هامش النظرية الاقتصادية

وتعود مرة أخرى لدراسة النظرية الاقتصادية في تفسير ظاهرة العقيدة الدينية في الحياة البشرية لنرى ما اذا كانت ترتكز على قاعدة صحيحة أم لا؟

فنقول: لقد استدل أصحاب النظرية الاقتصادية في تفسير ظاهرة العقيدة الدينية، لإثبات نظريتهم بأن الطبقة المستغلة من الأسياد والاقطاع والرأسماليين عمدت الى ترويج العقيدة والمفاهيم الدينية لهدفين:

أولا: تمكين حاكميتهم على من استغلوهم، وذلك بایهامهم بأنهم نواب الله ووكلاؤه، وان ما يجري في حياة الناس انما يجري بمشيئته، وان التمرد على هذا الوضع مخالفة لأوامره وتقديراته، وان احترام الأسياد والحكام لیس الا تكريماً لله، واحتراماً لأوامره.

ثانياً: أن ما كانوا يطيقونه على المستغلين من أحكام جائرة وظالمة كان ينذر بانتفاضة اولئك المحرومین وثورتهم لاستنقاذ حقوقهم وتخليص أنفسهم من الأذى والاضطهاد، فكان يلزم أن يكون هناك ما يخفف هذه النقمة ويجنب المستقلين هذه الثورة والانتفاضة، ولهذا روجوا بينهم المفاهيم الدينية التي تدعو الى الرضا بالقدر والصبر لقاء ما يحصلون عليه من عوض أخروي، وعدم الحزن على ما فات، وما شاكل ذلك من المفاهيم المهدئة للخواطر (11).

ونجيب على ذلك بأننا قد نوافقهم على ما ذكروه في الأمر الأول بعض الموافقة، فقد كانت السلطات الأموية تروج فكرة الخلافة الالهية بمفهومها المحرف المخدر كلما كانت الشعوب المضطهدة في ظل حكمهم تعمد الى الاعتراض على أحكامهم التعسفية، وممارساتهم الظالمة، فيوهمون الناس بتلك الفكرة، ويدعون بأنهم يمثلونها وانهم ينفذون ارادة الله ومشيئته فعلى الناس أن يرضخوا لحاكميتهم، واحكامهم.

فقد سأل معبد الجهني ـ وكان تابعياً صدوقاً ـ استاذه الحسن البصري عن مدى صحة ما يعني به الأمويون من مسألة القضاء والقدر وتبريرهم لأعمالهم الجائرة والفاسدة بأنه من القدر الإلهي الذي لا مجال لمعارضته ومناقشته فأجابه: كذب اعداء الله هؤلاء» (12).

الا انه يرد على مجموع هذه النظرية اشكالات عديدة هي:

أولا: إن معنى هذه النظرية هو أن العقيدة الدينية انبثقت أول ما انبثقت في ذهن الطبقة المستغِلة، ثم نقلتها هذه الطبقة الى المستغّلين، مع أن التاريخ لا يدل على مثل هذا التقدم والتأخر، بل يثبت عكس ذلك، حيث انه يدل على ان الناس ـ مع انقسامهم الى طبقة مستغلة ومستغلة ـ كانوا سواء في الاعتقاد والعبادة، فليس هناك أي دليل على ان العقيدة الدينية ظهرت أولا بين الأسياد والحاكمین والمستغلين ثم انتقلت بفعلهم ـ الى المحرومين والمضطهدين.

وثانياً: أن ما ذكره أصحاب هذه النظرية لا ينفع في المقام لان البحث ـ هنا ـ انما هو في بيان سبب نشوء العقيدة الدينية، ومنشأ ظهورها في الحياة البشرية والحال أن ما ذكروه لا يتناول هذه الجهة ولا يوضح حقيقة هذا الأمر، فان أقصى ما يدعيه أو يثبته هو استغلال جماعة معينة للعقيدة الدينية في سبيل أغراضهم ومصالحهم ضد طبقة أخرى، وهو خارج عن محط البحث الراهن.

وثالثاً: أن التاريخ يدل على ان الانسان كان يحمل العقيدة الدينية في نفسه وعقله، ويمارسها في حياته العملية منذ أن كان يقطن في المغارات والكهوف.

فان جميع تلك الجماعات البدائية كانت تخضع لمعبودات حقة أو باطلة.

بل يذهب بعض مؤرخي الديانات إلى أبعد من ذلك حيث يعتقدون أن الناس في أدوار التاريخ الأولى كانوا يتفقون على «اله واحد» وان التعددية وظاهرة الشرك طرأت على عقائدهم فيما بعد، وهذا يعني أن التاريخ الحقيقي للعقيدة يسبق التاريخ الذي تقصده وتحدده هذه النظرية التي تقول بأن الاعتقاد بالله وبالمفاهيم الدينية جاء نتيجة علاقة الظالم والمظلوم والسيد والمسود، وانه نتيجة الصراع الطبقي، وحاكمية المستغلين على المستغلين، اذ التاريخ يثبت ـ كما أسلفنا ـ أن العقيدة كانت رائجة بين الناس، يوم كانوا أمة واحدة، لا طبقات ولا أصناف.

رابعاً: أن النظرية المذكورة انما تكون صحيحة اذا كانت صادقة بالنسبة الى جميع الأدوار، وكان موضوعها شاملا لجميع الموارد، في حين نجد أن هناك دعاة إلى العقيدة الدينية لم يكن هدفهم ترسيخ حكومة الظالمين ولا تكريس حرمان المحرومين بل على العكس من ذلك كان هدفهم هو مقارعة

الظالمين وكسر شوكتهم، ودفع الناس إلى استعادة حرياتهم المصادرة واستنقاذ حقوقهم المغتصبة، وأفضل شاهد على ذلك حركة النبي ابراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ ضد نمرود، وحركة النبي موسى ـ عليه السلام ـ ضد فرعون، والدعوة المحمدية، وثورة الامام الشهيد الحسين بن علي عليه السلام ضد السلطات الأموية الجائرة المستغلة، وغيرها وغيرها. (13)

وأما إدعاء أصحاب هذه النظرية باستغلال العقيدة الدينية من قبل بعض الطبقات فانه لا يثبت أكثر من ان المستغِلين استخدموا الدين كذريعة لتحقيق مطامعهم وحفظ مواقعهم، والابقاء على مصالحهم، وهذا ليس مما ينكر فان من طبيعة المستغل أن يستخدم كل ما يخدم مصالحه، ويحقق أطماعه، ويضمن أرباحه، ولذلك فهو يستخدم العقيدة الدينية في هذا السبيل كما يستخدم الالحاد أيضاً، ويروجه ويشجعه اذا وجده يحقق له مآربه، ويخدم مقاصده.

غير أن السؤال المحير هنا هو: كيف استطاع هؤلاء المستغلين أن يتوسلوا بالعقيدة الدينية لخدمة مصالحهم اذا لم تكن العقيدة شيئاً واقعاً في الأذهان، مقبولا لدى النفوس، أي أنها لم تكن مما تقتضيه الفطرة وتطلبه، ولم تكن العقول تقضي به لوجود رابطة عقلية بين مشاهدة النظام الكوني والاعتقاد بالخالق المنظم؟

ألا يدل ذلك على أن العقيدة الدينية كانت تجد هوى في النفوس، وقبولا في العقول، وان ذلك كان بمثابة الفرصة التي استغلها المستغلون، وكانت بمثابة الأرضية المناسبة التي ساعدتهم على استخدامها في سبيل مصالحهم، والا فكيف يمكن أن يتقبل الناس ما لا يلقى هوى في نفوسهم، وقبولا في عقولهم بالمرة بل يستوحشون منه كما يستوحشون من الأشباح والغيلان.

أجل ان شأن العقيدة الدينية شأن البضائع التي يقبل عليها الناس ويطلبونها بدافع من حاجتهم الفطرية ورغبتهم الطبيعية، وميلهم الذاتي.

فهذا الاقبال هو الفرصة المناسبة التي تساعد الذين يبحثون عن الأرباح الطائلة بأن يسلكوا سبيل الغش فيها ويسهل لهم أن يخدعوا الناس بالبضائع المنمقة ظاهراً.

وخلاصة القول: أن الشيء ما لم يكن مقبولا ذاتياً عند الناس لم يمكن لأحد أن يستغله ويتوسل به لتحقيق مطامعه فيهم.

فالاسكافي والخياط لا يمكنهما خداع الناس بما يعرضانه من ألبسة وأحذية زاهية في الظاهر، مغشوشة في الباطن لو لم يكن هناك رغبة ذاتية، وأولية، وطلب طبيعي لدى الناس لهذه الاشياء، يستغلها أمثال هؤلاء الأشخاص.

القرآن ونظرية الاستغلال

ان افتراء الماديين على رجال الوحي لا ينحصر في باب دون باب، فانهم كما افتروا عليهم في النظرية السابقة فقد افتروا عليهم في هذه النظرية أيضاً اذ ادعوا أن رجال الوحي كانوا يمالئون المستغلين والظالمين، والحال ان صحائف تاريخهم الساطعة تشهد بخلاف هذا الزعم.

فقد كان النبي يدعو الناس ـ قبل أي شيء ـ الى كلمة الاخلاص والتوحيد وهي «لا اله الا الله» (راجع سورة الأعراف والانبياء).

ولنتدارس هذه الكلمة التي يرددها ملايين البشر على وجه الأرض، لنقف على دلالالتها.

أو ليست هذه الكلمة دعوة صريحة الى نبذ كل معبود سوى الله، وكل حاكم دونه، وكل ولاية عدا ولايته؟

أو ليست حركة لمحو ورفض حاكمية المسرفين والظالمين والطواغيت يحمل لواءها رجال الوحي والدعاة إلى الله؟

أجل أن كلمة لا اله الا الله نفي لكل معبود وردع للإنسان عن عبادة أي شيء سوى الله والتذلل لأية قدرة دون قدرته، والخضوع لحاكمية دون حاكميته.

ومع ذلك كيف يصح لأصحاب النظرية المذكورة أن يفسروا دعوة الأنبياء بأنها كانت في مصلحة المستغِلين وانهم كانوا يمالئون الظالمين والمستكبرين.

أوليس القرآن الكريم يدعو بصراحة إلى عدم الركون إلى الظالمين اذ يقول:

﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (هود ـ 113)

أم كيف يسمح الماديون لأنفسهم بأن ينسبوا هذا الوصف المشين الى الأنبياء مع أن القرآن يعلن بصراحة بأن الهدف الأساسي من بعثة الأنبياء والرسل هو اقامة العدل والقسط في المجتمع البشري الذي لا يمكن الا بإزالة كل مظاهر الاستغلال والاستعمار والاستعباد اذ يقول:

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّـهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحدید ـ 25)

لا نظن أن من ألمّ بالقرآن ونداءاته وتعاليمه يسمح لنفسه بان ينسب مثل هذه الوصمة الى انبياء الله ورسله ويدعي بانهم كانوا یمالئون المستغلين ويوافقونهم على ممارساتهم مع ان القرآن الكريم وهو كتاب نبي الاسلام يصرّح بان ألدّ خصوم الأنبياء هم المترفون المسرفون وهم الظالمون الذين يتخذون مال الله دولا، وعباد الله خولا. هم الذين يحملون أنفسهم على أكتاف الناس ويفرضون حاكمیتهم عليهم بالقهر والقوة، والذين كان الأنبياء من أقوى المحرضين على الثورة عليهم وتحطيم حاكميتهم، وازالة سيطرتهم. قال سبحانه:

﴿مَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (سبأ 34 ـ 35)

ان القرآن الكريم يصرّح بأن أول من استجاب للأنبياء وانضوى تحت لوائهم هم المستضعفون والمحرومون.

فها هم المستكبرون ينددون بالأنبياء لانهم آووا الأراذل والضعفاء من الناس اذ يقولون كما یحكى سبحانه عنهم ـ:

﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ (هود ـ 27)

وهكذا كان الدعاة إلى الله ـ وفي طليعتهم الانبياء ـ على النقيض من المستكبرين والظالمين أبداً، وكانت دعواتهم حرباً شعواء على الظلم والاستغلال.

لقد كانوا يؤكدون ـ دائماً ـ على أن سيطرة الظالمين على المحرومين لم تكن الّا بسبب سكوتهم وعدم ثورتهم ضدهم، وانهم ما لم يغيروا أوضاعهم الفاسدة بأنفسهم، لم يغيّر الله من أمرهم شيئاً.

وهذه سنة تاريخية ثابتة في مجال الاجتماع لا مندوحة منها ولا مناص، فكل امة تريد أن يعود اليها مجدها، وسيادتها لا تحصل على ذلك الا اذا غيّرت وضعها بنفسها أولا.

قال سبحانه:

﴿إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد ـ 11)

اذن فسيطرة الظالمين باقية مستمرة ما دام الناس لم يثوروا في وجه الظالمين ولم يتمردوا على أوامرهم وتحكماتهم.

.......................................
(1) دور الأفكار التقدمية في تطوير المجتمع ص 4.
(2) النظام الشيوعي ص 52.
(3 و 4 و 5): النظام الشيوعي 92 و 52 و 53.
(6) كارل ماركس ص 16 ـ 17.
(7) النظام الشيوعي ص 53.
(8) النظام الشيوعي ص 53.
(9) فكرة القومية مع ما لها من أثر في تحريك الجماهير فكرة خاطئة ومرفوضة من وجهة نظر الاسلام لأنها تستند إلى رفع بعض الشعوب على بعض، وحصر جميع الخدمات بشعب خاص على حساب شعوب أخرى، والحال أن الواجب هو صرف الخدمات لصالح الانسانية جمعاء دون تمييز ولا استثناء، وهذا هو ما أكد عليه القرآن الكريم والسنة النبوية وأحاديث العترة.
(10) قصة الحضارة ج 1 ص 177.
(11) نعم ان التقدير ـ بهذا المعنى ـ وهو أن مصير الإنسان مرسوم دون ارادته، وانه لا حيلة له في تغييره باطل ومرفوض، كما ستعرف في الأبحاث القادمة.
(12) تاریخ علم الكلام لشبلي النعماني نقلا عن تاريخ مصر المقریزی.
(13) بل وكل الحركات الدينية وخاصة الاسلامية التي سارت على خطى الرسول الاكرم والامام الحسين وغيرهما من قادة الاسلام، لمكافحة الاستبداد أو الاستعمار أو الاستغلال.

اضف تعليق