نسبية العلم لأنه مادي متغير


15- العلم مادي متغير

المعنى الخامس عشر من معاني النسبية: إن العلم والفكر مادي، وكل مادي متغير، فالعلم متغير، فهو إذن نسبي لا مطلق) مستدلين بان الفكر والإدراك من خواص الدماغ، والدماغ مادي مركب، فكما يقع الدماغ تحت سيطرة قوانين التحول والتغير والتكامل أو الانحطاط، كذلك العلم أو الادراك أو الفكر، فلا يوجد علم ثابت، بل كل علم فهو نسبي أي متغير ومتحول.

الجواب:

أولاً: شبهة في مقابل البديهة

هذه الدعوى، شبهة في مقابل البديهة، فلا يؤخذ بها، ويكفي لإبطالها بداهة أن المعادلات الرياضية (من حساب وهندسة) لا تتغير أبداً، فإن حاصل ضرب 5 في 5 هو 25 وحاصل جمع 5 و5 هو عشرة، ومساحة المربع هي نتاج ضرب أحد أضلاعه في الآخر، وتبقى هذه النتائج هي هي، مهما تغيرت خلايا أمخاخنا أو عصبوناتها أو غيرها.

وكذلك كافة القضايا الانتزاعية مثل إمكان الممكن وزوجية الأربعة وغيرها، من أنواع المعقولات الثانية الفلسفية مما كان الإتصاف فيها في الخارج والعروض في الذهن، وكذلك كافة الأحكام العقلية ككون الكل أعظم من الجزء واستحالة اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما... وهكذا.

ومن البديهي والمعترف به لدى العقلاء كافة أن هذه المعادلات والألوف من أشباهها لا تتغير أبداً، بل إننا نكتشف بالبرهان الإني، من عدم تغيرها، الجواب الثاني وهو:

ثانياً: العلم ليس مادياً

إن (العلم) ليس مادياً، وإلا لتغير كما ذكرتم بمرور الزمن وبالتغيرات التي تطرأ على المخ، وحيث إن العلم(1) ـ أو بعض مفرداته الأساسية كالبديهيات وكعلوم الحساب والهندسة ـ لا تتغير أبداً، نكتشف من ذلك بالبرهان الإني أن العلم ليس مادياً.

والقياس استثنائي هكذا: لو كان العلم مادياً لتغير دائماً، لكنه لا يتغير دائماً(2)، فليس بمادي.

وبعبارة أخرى: إن اختلاف (أمخاخ الناس) مع اتحاد العديد من المعلومات (كالمستقلات العقلية، والرياضيات) لدليل على أن (العلم) أمر فوق المادة؛ إذ لو كان المخ معروضاً للمعلومات ومحلاً لها، أو كان خالقاً للمعلومة (أو صائغاً لها كما يقول كانط) لتغيرت المعلومات، كلما تغيرت الأمخاخ، إذ المعلول يتغير بتغير علته، ولو قلتم كلا لا تتغير المعلومات بتغير الأمخاخ، قلنا إن ذلك هو المطلوب وإذن فلا نسبية.

ثالثاً: المطابق للواقع علم، وإلا فجهل

إن (العلم علم) إن طابق الواقع، وإلا فجهل بسيط أو مركب، وعلى هذا فلو (تغير المخ) أو تغيرت تفاعلاته الكيماوية أو نواقله العصبية، فإن تغيرت المعلومات بحيث لم تطابق الواقع، كانت خطأ، فلا معنى لنسبية العلم والمعرفة أيضاً، أي يبقى الصحيح صحيحاً أبداً؛ والخطأ خطأ أبداً فلا تصح النسبية بمعنى أن الشيء صحيح في فترة أو ما دام المخ هكذا، وعكسه الصحيح في فترة أخرى أو مادام المخ بنحو آخر.

بل الذي يصح ـ حسب مقالتكم ـ أن علومنا تتحول فتنتقل من (الصحة) إلى (الخطأ)، لو كانت صحيحة في المبدأ، أو من الخطأ للصحة، لو تحولت من اللا مطابقة إلى المطابقة، أو من الخطأ للخطأ، لو كان كل من المتحول عنه والمتحول إليه لا مطابقاً، فلا يعقل الشق الرابع، وهو: من الصحة للصحة إلا لو كانا فردي كلِّي واحد وكان الحكم للجامع، كما أشار إليه السيد الوالد قدس سره في (الفقه).

التفريق بين (العلم) و(علومنا) وأجوبة عديدة

نعم قد يقال: صحيح أن (العلم) لا يتغير، إلا أن الكلام في (علومنا) أي (العلم المضاف) فلأن علومنا هي صفة قائمة بدماغنا والدماغ متغير فعلومنا متغيرة، فلا يصح لنا الاعتماد عليها أو تمييز الخطأ من الصواب فيها؟

والجواب: تطرقنا له بالتفصيل وبوجوه عديدة عند الحديث حول نظرية ثنائية (الشيء كما يبدو لنا، والشيء في حد ذاته) كما أن الأجوبة الثلاثة السابقة كلها جارية ههنا، مع بعض التغيير في التعبير(3) ونضيف:

إن بعض علومنا لا تتغير أبداً، وإن كانت مضافة إلينا، كما سبقت الإشارة إليه أيضاً، ولكن لو فرض تغير بعض علومنا ـ أو كلها فرضاً ـ فإن الله تعالى قد أوجد له(4) (مرجعية) لتحديد نوع التغيير ودرجته، وأين مكمن الخطأ بالضبط.

ونضيف للجواب أيضاً: من أين له أن (العلم) صفة قائمة بأدمغتنا أولاً؟ ومن أين له أنه لو كان قائماً بأدمغتنا فإنه يتغير بتغيرها ثانياً؟

وتوضيح ذلك بإيجاز:

1: إن الاحتمالات والأقوال في حقيقة العلم كثيرة، ومنها: أنه نور يقذفه الله تعالى في قلب من يشاء ـ وهذا هو الحق(5)ـ.

ومنها أنه: (إضافة مقولية) و:

من تلك انْ في جنسه أقوال......كيفٌ، إضافةُ، أو انفعال؟

ومنها أنه (إضافة إشراقية).

ومنها:

فأنكر الذهني قومٌ مطلقــــــاً......بعضٌ قياماً من حلول فرّقا

وقيل بالأشباح الأشيا انطبعت......وقيل بالأنفس وهي انقلبت

والحاصل: إنه على القول بالإضافة الإشراقية، فإنه لا تغير(6) وأظهر منه على القول بالحلول لا القيام, أو القول:

للشيء غير الكون في الأعيانِ......كون بنفسه لدى الأذهانِ

وأظهر منه بناء على إنكار الوجود الذهني، وأظهر منه بناء على أنه نور يقذفه الله تعالى في قلب من يشاء فحيث إن النور يقذف من المبدأ المحيط بكل شيء، فإنه لا يتغير، فحتى لو فرض تغير الدماغ، فحيث أن إفاضة النور متواصلة، فإنه سيفيض النور الكاشف عن الواقع باستمرار متجاوزاً تغيرات الدماغ، بإيجاد التغيرات الضرورية لضمان الصحة والمطابقة وتفصيل ذلك يطلب من علم الكلام والفلسفة.(7)

2: ومن أين أن القائم بشيء بالمعنى الأعم، يتغير بتغيره؟ إذ من الواضح اختلاف (القيام الاتحادي)(8)، عن (القيام الحلولي) عن (القيام بالعروض)، ومن الواضح أن القائم بالحلول يمتلك شخصية استقلالية، ولا تسري إليه تغيرات مكانه ومحله بالضرورة.

وعلى أية حال فإن العلم رغم تطوره فإنه لم يستطيع إثبات أن الصور العقلية المدركة هي صور مادية وليست ميتافيزيقية، وأن المدرِك الحقيقي الأصيل هو الجانب المادي من الإنسان، لا الجانب الروحي(9)، غاية الأمر انه يثبت وجود (تزامن) في عملية الإدراك، أو على أقصى الفروض: (إعداد)(10) بين التفاعلات الكيماوية في النواقل العصبية في المخ، وبين إدراك الحقائق والفهم والتفكير، وسيظهر لنا لاحقاً الدليل على أن الإدراك حقاً بالروح الإنسانية وليس بالجسد وأعضائه، فالعلم إذن قائم بالروح لا بالجسد والدماغ، فلا تتغير علومنا رغم تغير أدمغتنا.

رابعاً: شهادة القضايا التاريخية

إن معلوماتنا عن الكثير من القضايا التاريخية، تشهد بكذب هذه الدعوى، فإن علمي بتاريخ ولادة ابني أو تاريخ تخرجه أو بتاريخ الحرب العالمية الأولى أو الثانية، أو غير ذلك، لا يتغير مهما قيل عن تغير المخ أو الزمن، والسر أن هذه العلوم ما هي إلا انعكاس عن الخارج، والماضي لا يتغير عما وقع عليه، فإن الحادثة إذا حدثت، فقد ارتسمت كلوحة ثابتة في نهر الزمن، ولا تتغير مع تغير المخ وطاقاته وقواه.

ثم إن المخ في كل الصور يقوم بعملية تصحيح ذاتي، وبدور المرآة والعاكس، ولا دخل لتغيراته الداخلية في دوره المرآتي.

على أنه لو فرض أن الصورة الذهنية تغيرت، فمع تغيرها: إن طابقت الواقع فصواب وإلا فخطأ، ولا يعقل كون كليهما صواباً كما سبق.

ولكون ذلك حقيقة مسلَّمة، نجد العلماء يبحثون عن (الطرق) والضوابط، للوصول إلى الأحداث التاريخية، كما حدثت، ولولا الإيمان بوجود حقيقة موضوعية ثابتة، وبإمكان نيلنا لها، لكان هذا البحث عبثاً ولغواً لا طائل تحته.

خامساً: تغير المخ لا يستلزم قلب المعلومة

إن تغير المخ والجهاز العصبي، لا يعني بالضرورة تغير المعلومة، بل قد يؤثر على درجة الوضوح، أو النسيان، وهذا مما لاينفع النسبيين بشيء.

نعم، لو أثر إلى درجة قلب المعلومة إلى النقيض أو العكس كانت المشكلة عندئذٍ فيه وكان ما يحتضنه من الصور الجديدة جهلاً مركباً، أما الصور القديمة ـ إذا كانت مطابقة للواقع ـ فهي العلم دائماً وأبداً وستبقى كذلك دوماً.

سادساً: العلم من صفات الروح

إن الظاهر أن (العلم) من صفات (الروح) والروح مجردة(11) غير خاضعة لقوانين عالم المادة، فكذلك العلم، وأما الدماغ فمهمته (الإعداد) فقط أي أنه علة معدة، أو نقول: الدماغ حلقة وصل الروح بالبدن فيما يتعلق بتدبير البدن فقط، فلا حاجة للروح، في علمها، إليه أبداً.

وبعبارة أخرى: (المخ) مثل (العين والأذن) لا يعدو أن يكون (آلة وجهازاً) من أجهزة الروح، فالروح هي التي تدرك وتفهم وتبصر وتسمع، لا الأجهزة.

ومن الأدلة: أن الروح لو غادرت الجسد فإن العين لا تبصر عندئذٍ ولا الدماغ يعمل أو يدرك، ولا.. ولا..

كما أن من الأدلة: إننا نجد العكس أيضاً؛ فإن الروح قد تتجاوز (الأجهزة) و(الآلات البدنية) كلها، لتشرف على الحقيقة المباشرة، ومن مصاديق ذلك ما يسمى بـ(القوة السادسة) و(التبصر) و(الإلهام) وغير ذلك، حيث تكتشف الروح الحقائق وجهاً لوجه على خلاف معطيات كافة الأجهزة الحسيّة.

ومن الأدلة أيضاً: أن (الروح) تصحح لأجهزتها، أخطاءها، ولذا نجد أن الأجهزة البدنية (من عين، ونواقل عصبية، وخلايا مخية) تنطبع فيها صورة الخطين المتوازيين، بشكل تراهما يلتقيان في امتداد البصر، أو تتصور الجسم البعيد صغيراً، فتتدخل الروح (أو العقل) لتصحيح هذه المعلومات الخاطئة، وكذلك قد لا يستطيع المخ (والقوة المتخيلة) أن تتصور الشيء إلا في زمان ومكان، أو الله تعالى إلا في جهة وحيز، لكن الروح ـ الحاكمة على الجسد ـ تكشف للدماغ زيف ذلك بالبراهين العقلية المجردة.

لكن ما هي حقيقة العلاقة بين الروح والجسد؟ بل بين العقل والروح والجسد والنفس؟ (12).

إن الإجابة على هذا السؤال شكلت معضلة حقيقية للعلماء على مر التاريخ، وقد اختلفوا في ذلك على آراء، منها (التعلق) ومنها (الحلول) ومنها (الروح صورة والجسد مادته) ومنها (الحركة الجوهرية) أو غير ذلك(13)، وقد أشرنا إلى جانب من ذلك في كتاب (الضوابط الكلية لضمان الإصابة في الأحكام العقلية)، إلا أن تحقيق هذا البحث غير جوهري في ما نحن بصدده في هذا الكتاب، فلنكتف بهذا القدر وتفصيل القول في ذلك يطلب من مباحث الروح في علم العقائد والكلام والفلسفة الإسلامية.

سابعاً: أنواع (التغير) تحت المجهر

إن برهان السبر والتقسيم التالي يدلنا على أن تغير الدماغ، لا يستلزم بالضرورة تغير واقع العلم ومعادلة الصواب والخطأ وأنه إذا (غيّر) فإنه (تحت السيطرة) أو قابل للإنكشاف.

توضيح ذلك: إن العلوم والمعلومات، المحفورة على الأحجار أو المسجلة على أوراق البردى، أو المطبوعة في كتاب، أو المسجلة على قرص ليزري، أو غير ذلك، تتعرض لواحد من أنواع التغير الآتية: فإما أن تبهت الكتابة، وهذا لا يضر بمطابقة المعلومة للواقع وأين ذلك من النسبية؟

وإما أن تمحى بعض الأحرف بحيث لا يعلم المراد، فلا تعود دالّة، وأين هذا من النسبية؟

وإما أن تتحول إلى أحرف أو كلمات أخرى مبهمة، فهي كالقسم السابق.

وإما أن تتحول إلى أحرف وكلمات تحمل معاني مختلفة لا مخالفة، وهذا أيضاً ليس من النسبية في شيء.

وإما أن تتحول إلى أحرف وكلمات تحمل معاني مخالفة ومعاكسة، فإنها عندئذٍ، ستكون خاطئة إن كان الأصل صحيحاً، على أن أكثر هذه الموارد هي مما يقبل الإنكشاف بالقرائن أو هي تحت السيطرة بالمرجعيات، فلا مجال للنسبية ههنا أيضاً أبداً.

وعلى أي تقدير فإن تغيّر (الكاشف) وإظلامه، لا يستوجب التغير الثبوتي للمنكشف في حد ذاته واضطرابه.

ومما يوضح ذلك (المرآة)، فإن (المرآة) كاشف عن الواقع الخارجي، وحيث أنها أمر مادي، فإنها عُرضة للتغير والتلوث والتكسر، وحينئذٍ تنطبع فيها صور الأشياء إما بشكل باهت أو بشكل ناقص أو بنحو مغاير للحقيقة، لكن جوهر الكلام، أن كل صورة مرتسمة في المرآة، إذا كانت مطابقة للواقع 100% فهي صواب 100% وإلا فخطأ بنفس الدرجة، وتبقى هذه الحقيقة (أن كل صورة مرتسمة...) دائمية وأبدية.

وبعبارة أخرى: تغير المادي يستلزم الحكم عليه بالنقص أو الخطأ، لا على الحقائق بالتغير، ولا على (الجهل) بتحوله إلى (علم) أو (العلم) أي المطابق للواقع، بتحوله بلحاظ ظرف المطابقة إلى جهل، أي غير مطابق للواقع.(14)

ثامناً: تمرير المعلومات للخلايا الجديدة

إن (التغييرات الحاصلة في المخ البشري)(15) تتصور على أنحاء:

1- فإما أن تتبدل الخلايا العصبية أو العصبونات (عصبونات الترابط) والنواقل العصبية، إلى خلايا ونواقل أخرى، لكن مع قيام الخلايا القديمة بعملية نقل المعلومات المسجلة فيها إلى الخلايا الجديدة، أو مع احتفاظ الخلايا المجاورة(16) ـ أو خلايا رئيسية أخرى ـ بالأرشيف بأكمله ثم نقله إلى الخلايا الجديدة.

2: وإما أن تموت الخلايا من غير وجود أي جهاز للتعويض أو أية عملية تعويضية، مما يعني محو بعض المعلومات أو جميعها.

3: وإما أن تضعف الخلايا وتهرم وتشيخ، بحيث لا تعود قادرة على بث صورة واضحة عن الأشياء.

4: وإما أن تتشوه الخلايا بحيث تقوم ببثّ صورة معاكسة عن الواقع.

وفي الصورة الأولى نجد: أن (المعلومات) لا تتغير أبداً رغم تغير حواضنها؛ نظراً لوجود آلية أو آليات متطورة للاستنساخ والتصوير والتخزين.(17)

وذلك هو ما أثبته العلم الحديث، وتدل عليه العديد من الأبحاث العلمية، ومنها تلك النتائج التي توصل إليها العلماء حول الـ: (د ن أ) (الحمض النووي الريبي منقوص الأوكسيجين) وهو مادة كيماوية في الصبغيات، تحمل المادة الوراثية للخلية والبرنامج الوراثي.

(ويتحكم د ن أ في حياة الخلية وحياة الكائنات الحية التي تتكون من خلايا بطريقتين... ثانياً: يمرر المعلومات الوراثية من جيل من الخلايا إلى الجيل التالي، وعليه فإن د ن أ هو الخطة الرئيسية للحياة كلها).

و("الشفرة الوراثية": تكمن في ترتيب القواعد في جزئ د ن أ، يمرر هذا الترتيب من جيل من الخلايا إلى الجيل التالي، ومن جيل من الكائن الحي إلى الجيل التالي، وهو الذي يجعل الفيل يلد فيلاً وليس حماراً وحشياً، وهو الذي يحدد لون عينيك وشكل أذنيك والآف الصفات الأخرى).(18)

وفي الصورة الثانية نجد: فقدان بعض المعلومات، لا أكثر، وأين ذاك من النسبية التي يقصد بها صحة معلومة في زمن أو ظرف أو حالة، وصحة عكسها في زمن آخر أو ظرف أو حالة أخرى (مع كون المتعلَّق ـ أي ذات المعلوم ـ هو هو بنفسه)، ثم وأين ذاك من النسبية التي يقصد بها صحة المعلومتين المتناقضتين.

وفي الصورة الثالثة نجد: أن (العلم) قد تنزل من (حق اليقين) و(عين اليقين) مثلاً إلى العلم العادي، أو تنزل العلم العادي إلى الظن، وأين ذاك من النسبية بالمعنى السابق؟ نعم لو أريد من (النسبية) (ظنية العلوم) فقد أجبنا عنها في ضمن إحدى معاني النسبية تفصيلاً، إضافة إلى أن ذلك لا شمولية له, إذ كم من الناس يبقى محتفظاً بصفاء ذهنه حتى لحظه وفاته؟!

بل إننا نجد أن الكثير من الناس تزداد قناعاته رسوخاً، وإيمانه عمقاً، ومعلوماته ـ أو بعضها ـ قوة وتجذراً، كلما تقدم به الزمن أكثر فأكثر. وذلك يعني دائماً وجود ما يقهر عامل الزمن ويعارض فكرة ارتهان وضوح الصورة الإدراكية بشيخوخة الإنسان وضعف أجهزته الجسدية، كما يظهر من ذلك إن (الإيمان) و(القناعات) أيضاً كالمعلومات قائمة بالروح أو النفس، لا بالجسد وأجهزته أو المخ وخلاياه ونواقله العصبية.

وفي الصورة الرابعة(19) نجد: أن تشوه الخلايا ولّد مشكلة في (الإدراك) لا في (المدرَك) وفي (الكاشف) لا (المنكشف) وبعبارة أخرى (المرآة العاكسة) تلوثت، أما الحقيقة فتظل هي هي غير متغيرة بتغير الانطباعات الإدراكية عنها.

وبعبارة أخرى:

(العلم) المطابق للواقع، زالَ، وحل محله جهل بسيط أو مركب بنفس المتعلق، وليس: أن (العلم) بنفسه تحول إلى (جهل بسيط أو مركب)!(20), كما ليس (أن معلوماتي ورأيي وتفكيري صحيح(21)، ورأيك المعاكس لرأيي، صحيح أيضاً)!(22) كما ليس (لا يوجد معيار موضوعي لتمييز الصواب من الخطأ)!(23) كما ليس (لا وجود لحقيقة مطلقة)!(24)

لكن قد يتساءل: وكيف نميز أن هذا (الإدراك) سليم أو سقيم؟ وإن هذا علم أو جهل مركب؟

أجبنا عن ذلك بالتفصيل، عند التطرق لنظرية كانط (الشيء في نفسه، والشيء كما يبدو لنا) وذكرنا حلولاً وأجوبة عديدة، وكان منها وجود (المرجعيات الفكرية). كما تطرقنا لذلك بتفصيل أكثر في كتاب (الضوابط الكلية لضمان الإصابة في الأحكام العقلية). وقد أشرنا في بداية هذا المبحث إلى بعض الأجوبة أيضاً.

تاسعاً: الجوهر الفرد أو الخلايا الجذعية

وقد يقال: إن بعض الخلايا الرئيسة لا تتغير، وهي المسماة قديماً بـ(الجوهر الفرد) أو الجزء الذي لا يتجزأ(25) والمسماة حديثاً بـ(الخلايا الجذعية) أو بعضها على الأقل لا يتغير أبداً، ويعد هذا واحداً من الأجوبة على الشبهة المعروفة بـ(شبهة الآكل والمأكول) في المعاد، وهذه

النقطة تستدعي توقفاً طويلاً ولعلنا نعود إليها في المجلد الثالث[26] إذا شاء الله تعالى.

* من الفصل الثالث لـ كتاب (نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة)
http://m-alshirazi.com
http://annabaa.org/arabic/author/10

..............................
(1) أي من حيث هو علم، لا يتغيّر.
(2) دقّق في أن (دائماً) قيد للمنفي (وهو يتغير) لا للنفي (وهو لا).
(3) إذ نقول: 1: هذه شبهة في قبال البديهة، ويبطلها بوضوح أنه ورغم أن علومنا الرياضية قائمة بأدمغتنا، إلا أنها تبقى ثابتة غير متغيرة، 2: العلم ليس مادياً، فليس بمتغير حتى لو فرض ارتباطه بنحوٍ ما بأدمغتنا، 3: العلم المطابق صحيح وغير المطابق خطأ.
(4) أو إن شئت (لنا).
(5) كما فصلناه في كتاب (مباحث الأصول ـ القطع) وأشرنا له في كتاب (الحجة معانيها ومصاديقها).
(6) فتأمل.
(7) وقد أشرنا له في (مباحث الأصول ـ القطع) وفي (الحجة، معانيها ومصاديقها).
(8) على فرض تحققه حقاً.
(9) وهذا هو الجواب السابع الآتي.
(10) أي التفاعلات تلك علل معدة للإدراك.
(11) بناء على تجرد الروح على مذهب البعض، وأما لو قلنا بعدم تجردها، فإنه يكفي دعوى عدم معلومية خضوعها لقوانين عالم المادة، إذ هي أسمى منها، وإن لم تكن مجردة بالمعنى الفلسفي، ويقرب ذلك للذهن: إن الطاقة أسمى من المادة، بل يوضحه أن قوانين الفيزياء لا تتحكم في مثل (الحفر السوداء في الفضاء) فتأمل.
(12) فإنها أربعة أمور، على ما أوضحناه في كتاب (الضوابط الكلية لضمان الإصابة في الأحكام العقلية).
(13) مثل عدم إمكان إدراك حقيقة العلاقة بين الروح والجسد لكونهما من عالمين لا يمكننا الإحاطة بأحدهما أو كليهما قال تعالى: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) سورة الإسراء: 85، وحسب كانط: (فإنه لا يمكن معرفة الشيء المادي في حد ذاته وجوهره) فكيف بالميتافيزيقي؟.
(14) والتحول لا بلحاظ ظرف المطابقة، غير ضار بل هو مؤكد لمحورية (المطابقة) في العلوم.
(15) الفرق بين هذا وسابقه أن الحديث ههنا عن التغيرات الطارئة على (المخ) وأنواعها وفي الجواب السابق كان الحديث عن التغيرات الطارئة على (المعلومة) وأنواعها.
(16) وهكذا في عملية تبادلية مستمرة.
(17) كما يقوم الكمبيوتر بعملية (نسخ ثم لصق).
(18) الموسوعة العربية العالمية: ج10، ص149 ـ 151 مادة (الخلية).
(19) وقد أجبنا عنها قبل صفحات تحت عنوان (التفريق بين "العلم" و"علومنا" وأجوبة عديدة). يفضل ذكر الصفحة، أو الإشارة "في هذا المبحث", بدلا عن "قبل صفحات".
(20) وهو المعنى الثالث من معاني النسبية، حسب ما ذكرناه فيصدر هذا الفصل خاص.
(21) أي مع ثبات كل أطراف القضية، كاشفاَ ومنكشفاً، ومع فرض ثبات لحاظ (حالة التلبس) كما أوضحناه في مكان آخر.
(22) وهو المعنى الرابع.
(23) وهو المعنى الخامس.
(24) وهو المعنى التاسع.
(25) أطلق العلماء خلال هذه السنوات الأخيرة لفظ الذرة على أجزاء فيزيائية محدودة ومنفصلة لا تقبل الانقسام كالذرات الكهربائية أي الإلكترونات، أو الذرات الكمية أو الكموم (الكوانتا). راجع المعجم الفلسفي: الذرة، ج1، ص588.
[26] المجلد الاول من الكتاب هو (نسبية النصوص والمعرفة.. الممكن والممتنع)، وهذا الكتاب فهو المجلد الثاني.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (عقائد)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك