قبل أكثر من قرن من الزمان كانت بريطانيا هي الامبراطورية الاكثر نفوذا في العالم، الى الدرجة التي وصفها البعض بالإمبراطورية التي لا تغيب عن مستعمراتها الشمس.

وكان المشروع البريطاني في المنطقة العربية يقوم على اساس دعم الفكر العربي القومي، على حساب الفكر الاسلامي، والغرض من ذلك هو تشتيت قوة الدولة العثمانية واضعافها، من خلال كسر شوكتها التي كانت تعتمد كثيرا على الاسلام في ضمان ولاء الاقوام الخاضعة لسيطرتها، ومنهم العرب.

وفعلا نجحت بريطانيا في ان تحرض العرب للوقوف بوجه الدولة العثمانية والثورة عليها، اذ اصبحت العروبة لدى الانسان العربي اولا، والاسلام ثانيا، ومن اجل تدعيم هذا المشروع وضمان عدم الارتداد عنه دعمت تشكيل دول عربية على اساس قومي، كما هو الحال في العراق ومصر وغيرها.

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، كان النفوذ البريطاني العالمي قد قل تأثيره وتراجع شيئا فشيئا لصالح الاقطاب الجديدة الولايات المتحدة الامريكية من طرف والاتحاد السوفيتي من طرف اخر والذي كان اكثر نفوذا في المنطقة العربية من الولايات المتحدة الامريكية، وبما انه يمقت الفكر الديني لذلك استمر بدعم الدول العربية التي تجعل من الفكر القومي أيديولوجية سياسية للحكم.

هذا الأمر لم يعد يروق للولايات المتحدة الامريكية بعد ان انفردت بالقطبية الاحادية بعد عام 1990 عشية انتهاء الحرب الباردة، فقررت ان تعيد صياغة العالم العربي الذي لم يكن لها دور محوري في تشكيله في بدايات القرن العشرين، وتعتبر القومية العربية والفكر العربي القومي الذي كان مدعوما بقوة من قبل بريطانيا خاصة بعد الحرب العالمية الاولى، ومن قبل الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية، من اول الاشياء التي عملت الولايات المتحدة الامريكية على مسخها وتغييرها بصيغ جديدة حسب رؤيتها للعالم وكيفية ادارتها لمصالحها الدولية.

اما عن البديل الذي ترغب الولايات المتحدة الامريكية ان تزرعه في المنطقة العربية كبديل عن الفكر العربي القومي؟، فالإجابة على مثل هذا السؤال لا تحتاج الى الكثير من التفكير، اذ ان الاحداث التي مرت بها بعض الدول العربية بعد عام 2011 تثبت بما لا يقبل الشك بأن الفكر الاسلامي هو الوريث الشرعي للفكر العربي القومي، طبعا المقصود بالفكر الاسلامي هنا الاسلام السياسي الذي ترضى عنه الولايات المتحدة الامريكية والمسيطر على ايقاعاته من قبلها.

وهكذا، فاذا كانت بريطانيا قد دعمت الفكر العربي القومي في بدايات القرن العشرين، فأن الولايات المتحدة قد دعمت الفكر الاسلامي في بدايات القرن الواحد والعشرين.

ولكن اذا كان الهدف البريطاني من دعم الفكر العربي القومي هو اضعاف الدولة العثمانية وانهائها، فما هو هدف الولايات المتحدة الأمريكية من دعم الفكر الاسلامي ؟

في الحقيقة ليس لدينا اجابة واحدة على هذا السؤال، بل إجابات عدة، لعل أبرزها: اضعاف الرابطة العربية القومية التي كان العرب يشعرون بوجودها دون ان يتمكنوا من ترجمتها على ارض الواقع بدولة عربية كبرى. واظهار الاسلام عاجزا عن حل المشاكل التي تواجهه، كما فشلت العروبة في ان تحلها، ومن ثم ستتخلى الشعوب العربية عن الاسلام السياسي كما تخلت عن الفكر العروبي سابقاً، وهكذا ستتأمن مصالح الولايات المتحدة الامريكية في المنطقة وحلفائها وعلى رأسهم اسرائيل، لأن الفكر العربي القومي، والفكر الاسلامي، يتفقان من حيث المبدأ على معاداة الغرب واسرائيل، ومن ثم فان الولايات المتحدة تجد ان من حقها التخلص من الاثنين معا، عن طريق ضرب بعضهما بالبعض الأخر. وهو ما يحدث الآن في المنطقة العربية.

* باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية/قسم ادارة الازمات–جامعة كربلاء

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق