هذا السؤال يحمل درجة عالية من الصدمة، ولاسيما عند تتبع مسار التحالف الوطني (الشيعي) خلال الدورة الانتخابية الثانية (السابقة) والدورة الانتخابية الحالية، وعند تلمس واقع هذا التحالف. فهو تحالف للأحزاب والقوى السياسية الشيعية المشتركة في البرلمان العراقي، ويضمّ في الدورة الحالية (183) نائباً، ووفق الدستور هو من يرشّح المكلّف من قبل رئيس الجمهورية بتشكيل الحكومة.

أما واقع هذا التحالف فعلياً، وفي ظل الأوضاع العصيبة الراهنة، فإنه مختلف على نفسه، ويحمل بين مكوناته تضادٌّ كبيرٌ انعكس على دورة السياسي سلباً، وبات الاختلاف بين مكوناته يؤشّر حتى على التوافق بخصوص مصالح تلك المكونات؛ لذا أصبح بلا قيادة متفق عليها، وبلا نظام داخلي.

ومن الواضح أن المرحلة الحالية تشهد برلمانا مشتّتا ومنقسما على نفسه، وكل طرف فيه يدّعي شرعيته وعدم شرعية الطرف الآخر، هذا إذا ما حصرنا التوصيف بالخلاف الأول بين جبهتين: الأولى (النواب المعتصمون)، وهم المعترضون على الطريقة التي جرى خلالها تقديم التغيير الحكومي، والذين صوتوا على رئاسة جديدة للبرلمان. أما الجبهة الثانية، فبالإمكان تسميتهم (الموافقين على طريقة التغيير الحكومي)، وهم متمسكون بالسيد سليم الجبوري رئيسا شرعيا للبرلمان.

ولكننا اليوم نجد أن الخلاف الأول قد انتقل إلى خلاف بين المكونات الرئيسة للتحالف الوطني (الشيعي)، وهذا يؤكد ويدلل على خطورة الوضع الراهن؛ كون أن التحالف الوطني يضمّ أكثر من نصف أعضاء البرلمان كما ذكرنا، وعليه فإن الخلاف بين مكوناته يجعل من الصعوبة لمّ شمل تلك المكونات وعودة التحالف -حتى ولو- إلى ما كان عليه قبل 14 نيسان (جلسة التصويت على الرئاسة المؤقتة للبرلمان)، ناهيك عن أن أعضاء الكتل في الغالب يتّبعون قادة الكتل في مسألة الحضور للبرلمان من عدمه.

والسؤال هنا: لو كان التحالف الوطني (الشيعي) متماسكا وقائما بفاعليه، هل تصبح عملية لملمة شتات البرلمان عملية صعبة؟، وهل سنتمكن من الخروج من الأزمة السياسية الراهنة؟، وهل يمتلك هذا التحالف مقومات الحل؟.

بداية نؤكد كلامنا بأن أعضاء التحالف في البرلمان يزيدون عن نصف العدد الكلي لأعضاء البرلمان، وعليه هم يمتلكون الأغلبية المطلقة في تمرير مشروعات القوانين، والأهم هو قدرتهم -بفعل عددهم- على تصحيح المسار والخروج من الأزمة الحالية. ولكن، من وجهة نظري أن التحالف الوطني (الشيعي) يعاني الضياع وعدم التثبت من هدف بناء الدولة التي انتظرها ناخبوه لسنوات عدة لتعوضهم الحرمان والضياع الذي عاشوه، ولا يمتلك رؤية واضحة لبناء الدولة، لذا لم تتبلور إرادة سياسية حقيقية لبناء الدولة ومؤسساتها وتجاوز الإشكاليات السياسية والدستورية التي رافقت مسار التغيير السياسي من 2003 ولغاية الوقت الحاضر، وهذا ما انعكس على أدائه بشكل مباشر، ومصداق ذلك هو عدم الاتفاق حتى على كيفية تقاسم المغانم السياسية وأصبح الشغل الشاغل هو المحافظة على المكتسبات السياسية وعدّوها المهمة الأساس.

فلولا الحال الذي يمرّ به التحالف الوطني -ولو كانت الأمور معكوسة- بمعنى أن يكون تحالفا متماسكا واضح الرؤية والهدف ويمتلك معالجات للإشكاليات المتنوعة المرافقة للمسار السياسي، لأصبح العماد الأساس في حلحلة تعقيد الأزمة الحالية، ولما كان السيد سليم الجبوري الآن في إقليم كردستان، لإقناعهم بالعودة إلى مجلس النواب للمشاركة في الجلسة المقبلة.

ولكن الكتل الأخرى -ونتيجة الخلافات داخل التحالف الوطني- سوّقت الأزمة الحالية على أنها خلاف شيعي-شيعي حول الحكم، وصراع بين الأحزاب الشيعية داخل التحالف الوطني حول الحكم، وأصبحت تتصرف على اساس ذلك، وهي مسلمة بتفكّك التحالف عملياً، ولذلك طرحت نفسها -اي الأطراف الأخرى- على أنها صاحبة المبادرة لحلحلة الأزمة الحالية.

لذا نجد لزاما على التحالف الوطني، وفي هذه المرحلة الحرجة، الاجتماع حول رؤية موحّدة وواضحة حول بناء الدولة العراقية ومؤسساتها وآلية الإصلاح السياسي فيها، وتصحيح مسارها المغلوط والمليء بالإشكاليات السياسية والدستورية، وأن يطرح نفسه على أنه صاحب الحلّ لكثير من أركان الأزمة الحالية من دون إلغاء لدور الأطراف الأخرى، ويتجاوز المصالح الحزبية والفئوية الضيقة والتفكير بمستقبل البلاد وحلّ مشاكلها وانتشالها مما هي عليه، وأن يأخذ زمام المبادرة لمعالجة شلل البرلمان والحكومة بوصفه صاحب الأغلبية في مجلس النواب، وأن يمضي سريعا باتجاه عقد جلسة لمجلس النواب. ولكن قبل ذلك لابد من التأكد أولا من:

شرعية جلسة مجلس النواب المنعقدة بتاريخ 14 نيسان 2016 والتي تمّ فيها إقالة هيئة رئاسة مجلس النواب وانتخاب رئاسة مؤقتة عبر تقديم طعن أمام المحكمة الاتحادية.

وفي حال تأكيد المحكمة على شرعية الجلسة، لابدّ للتحالف الوطني السير باتجاه تنصيب هيئة رئاسة جديدة للبرلمان بالتشارك مع الأطراف الأخرى. والأهم من ذلك، هو توظيف حركة الرفض داخل البرلمان من قبل النواب المعتصمين لتصحيح العمل البرلماني، وتكريس وظيفة الرقابة على الأداء الحكومي ليكونوا جبهة معارضة سياسية داخل البرمان بعد تقديم مرشح جديد لرئاسة الحكومة يعمل على تقديم تشكيلة وزارية من ذوي الاختصاص والكفاءة والنزاهة خلال مدة محددة ومعلنة للجمهور، ووضع برنامج للإصلاح السياسي والإداري والاقتصادي عبر تكامل الأطر التشريعية اللازمة. وهذا هو المهم حتى في حالة طعن المحكمة الاتحادية بجلسة إقالة هيئة رئاسة البرلمان والبتّ بعدم شرعية الجلسة المذكورة.

* مركز الدراسات الاستراتيجية – جامعة كربلاء
http://kerbalacss.uokerbala.edu.iq

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق