في البحث عن "قوى على الأرض" تحسم الحرب البرية على "داعش"، بوجود إجماع على استحالة حسمها من السماء، تتوزع القوى الإقليمية والدولية إلى ثلاثة مواقف/محاور:

الأول؛ وتمثله روسيا التي وضعت رهانها الرئيس على الجيش السوري، من دون أن تسقط من حسابها وحدات الحماية الكردية وبعض "المعارضات والمجموعات والفصائل المسلحة الموالية للنظام...

الثاني؛ وتمثله الولايات المتحدة أساساً، ويضع رهانه الرئيس على أكراد سوريا، مع كل من يمكن أن يتحالف معهم من مجموعات عشائرية وفصائل عربية (سنيّة) مسلحة يندرج بعضها من ضمن الإطار الفضفاض المعروف باسم الجيش الحر....

الثالث؛ ويمثله المحور الثلاثي التركي – القطري – السعودي، الذي يلقي بكامل ثقله خلف جماعات إسلامية من سلفية وإخوانية، فضلاً عمّا يمكن أن يشاطرها الرؤية والأهداف والمصالح، من فصائل مسلحة، تنضوي تحت لواء الجيش الحر المذكور.

حتى تفجيرات باريس في الثالث عشر من نوفمبر الجاري، ظلّت فرنسا في مواقفها، تراوح ما بين المحورين الثاني والثالث، فهي شاطرت الولايات المتحدة تقربها من الكرد وفصائل المعارضة المسلحة "المعتدلة"، وهي تواطأت مع الثلاثي الإقليمي في دعم الفصائل الجهادية الأخرى، أقله من خلال صرف الأنظار عنها، ورفض استهداف روسيا والنظام وحلفائه لها، وتفضيلها "مشاغلة" داعش، لا أكثر ولا أقل.

بعد التفجيرات، وجدت باريس نفسها على سكة أخرى، فهي شرعت في مداعبة المحور الروسي، ويتولى وزير خارجيتها الأكثر "تشدداً" من بين نظرائه الغربيين حيال سوريا، أمر التمهيد لـ "النقلة" الفرنسية المحتملة، والمتمثلة في التعاون مع الجيش السوري، واعتباره شريكاً "بريّاً" في الحرب على الإرهاب... فرنسا تبتعد عن حلفاء تركيا وقطر والسعودية، وما زالت تشاطر واشنطن تحالفاتها، لكنها تقترب أكثر فأكثر من حلفاء موسكو وحلفاء حلفائها.

إن قُدّرَ لهذه "النقلة" في المواقف الفرنسية أن ترى النور، وألا تُجهض وهي في مهدها، في حال فقدت تفجيرات باريس زخمها المقرر في تشكيل السياسة الخارجية الفرنسية وترتيب أولوياتها، فإن من المتوقع أن تلعب فرنسا دور "القاطرة" التي ستجر أوروبا إلى ضفاف جديدة، سيما وأن القارة العجوز، المكتوية بنار الإرهاب واللاجئين، أبدت في أكثر من مرة، ومن غير عاصمة، ميلاً جارفاً لاتباع مقاربة جديدة حيال سوريا، لكنها في كل مرة، كانت تصطدم بعقبة "التعنت" الفرنسي، وتلكم مفارقة يعود الفضل في تشكلها إلى "داعش" أساساً، وقد نرى قريباً كيف ستنتقل باريس من دور "الكابح" لعجلة التحولات الأوروبية إلى دور "المسرّع" لهذه التحولات.

لكن ذلك لا يعني للحظة واحدة، أن مهمة فرنسا في تشكل "تحالف دولي واحد" ضد داعش بدل "التحالفين" القائمين"، ستكون يسيرة بحال من الأحوال... فقد زادت هذه المهمة تعقيداً بعد واقعة إسقاط الطائرة الروسية من قبل سلاح الجو التركي... ثم أن واشنطن لا تريد "مزج التحالفين" وكذلك موسكو، ولكل من العاصمتين أولويات وتحالفات، لا يريد التفريط بها أو التخلي عنها، وبينهما خلافات تتخطى سوريا إلى الساحة الدولية، وهيهات أن تقبل أي منهما العمل تحت راية الأخرى أو بقيادتها، كما أن الاحتكام للأمم المتحدة وشرعيتها وراياتها، لا يبدو خياراً مطروحاً على مائدة البيت الأبيض.

تواضع فرص إقامة "التحالف الواحد" لا يعني أن المواجهة والتنافس، هما البديل الوحيد المحتمل... هناك درجات من التنسيق المباشر وغير المباشر، التي يمكن اعتمادها، كفيلة برفع سوية ومستوى الأداء في الحرب على الإرهاب، وبصورة لا تستبعد خيار "تقاسم العمل والوظائف والجبهات" في هذه الحرب بين المحورين، هنا بمقدور فرنسا أن تقوم بدور أساسي، كضابط إيقاع لهذا التنسيق.

وستصبح مهمة باريس هذه، أكثر سهولة، إن أمكن استئناف مسار فيينا، وهو أمر ما زال ممكناً، سيما وأن الأطراف أظهرت رغبة في احتواء تداعيات حادثة الطائرة الروسية، وإبقائها في حدود العلاقات الثنائية بين البلدين، وتفادي انعكاساتها المدمرة على مسار الحل السياسي للأزمة السورية... فأي تقدم على هذا المسار، سيساعد في تطوير وتفعيل الحرب على داعش، وسيخلق فرصاً أعلى لتنسيق المواقف الإقليمية والدولية، وتشكيل قوة برية وازنة على الأرض، من مختلف المكونات المنخرطة في العملية السياسية، تكون أكثر فاعلية ونجاعة في محاربة داعش، وتلكم "بارقة الأمل" الوحيدة التي تلوح في الأفق المسدود والسماء الملبّدة بالغيوم التي تخيم فوق شرق المتوسط.

حتى الآن، لا يبدو أن ثمة رهانات كبيرة على مسار فيينا السياسي، لكن أحداً من اللاعبين المهمين، لم يعلن انسحابه من هذا المسار، ولم يتقدم بلائحة شروط جديدة أو اجندة أولويات بديلة... مع أن هناك من يرجح ميل الأطراف لترك "الميدان" يفعل فعله، أقله لبعض الوقت، قبل أن تعود الوفود للتقاطر إلى فيينا من جديد.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق