وهكذا دفع العراقيون ويدفعون ثمن هذا الصراع ومضاعفاته على جميع الأصعدة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والعسكرية وغيرها. لا تعافي للعراق من وضعه السلبي الا بتعافيه من الأسباب، اي خلاصه من هوة هذا الصراع، وهذا لا يتم إلا برجوع حالة السلم والتصافي بين الأطراف المتنازعة...

شاءت الأقدار أن تجعل العراق منذ ما ينيف عن أربعة عقود مسرحا لصراع القوى وساحة نزال بين خصمين لم يخفف الزمن حدة الصراع بينهما. فمنذ أن برزت الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحتى يومنا هذا، دار ويدور صراع شامل المعالم بينها وبين أمريكا تعددت ألوانه وأشكاله ووسائله.

تباينت الرؤى والافعال في العراق إزاء هذا الصراع المضني والطويل كتباين ألوان وأشكال الطيف العراقي وكتباين نسيجه ومكونات تركيبته. هناك من ينظر من العراقيين لأمريكا بهواجس من الخوف والتحسب، حيث لا يرضى أن تقع بلاده فريسة استعمار جديد ووسيلة لضرب جار له يقاسمه أواصر العقيدة والتاريخ والتعاون والجوار.

بينما هناك من يرى العكس حيث يستجير بأمريكا ويجعلها صمام أمان تتصدى لعدو متربص له أطماع ومنافع، هؤلاء قد تدفعهم ثقافات طائفية أو عنصرية تتبلور وتتقوى بانساغ داخلية وخارجية. هذا الصراع التكويني الداخلي في العراق جعله متقبلا لإنشاء مراكز لقوى الصراعات الخارجية وأرضية خصبة استغلتها الأطراف الخارجية المتنازعة وخلقت من هذا البلد محوراً لصراع المصالح والاجندات والنوايا.

وهكذا دفع العراقيون ويدفعون ثمن هذا الصراع ومضاعفاته على جميع الأصعدة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والعسكرية وغيرها. لا تعافي للعراق من وضعه السلبي الا بتعافيه من الأسباب، اي خلاصه من هوة هذا الصراع، وهذا لا يتم إلا برجوع حالة السلم والتصافي بين الأطراف المتنازعة.

هذا السلم المنتظر قد لا يرى النور في ظروف تتعقد بها المواقف والمواقع والارادات. أمريكا المبتلية بمرض "جنون العظمة" وشبق التسلط والهيمنة ماضية برفع شعاراتها" من ليس معي فهو ضدي ومن هم ضدي فلي معهم صراع وجود..."!

إيران في الطرف الآخر تدرك النبض الأمريكي وهي أمام خيارين كلاهما مر كالحنظل! أما الثبات والتحدي والمضي قدما في صراع من أجل المبدأ والوجود، وهذا يعني سبيل الغموض والمصاعب والخطر، وأما الخنوع من أجل البقاء وهذا يعني الفشل. لا يزال الإيرانيون يتمسكون في خيارهم الأول حتى هذه الساعة وهذا يعني استمرار النزاع وغياب نور السلام.

في ظل هذا الموقف المتأزم والمعقد والخطير لابد للعراق ان ينتهج سياسة حيادية بين طرفي المعادلة حيث يستقر في موقع مركز الثقل، فيمسك العصا من وسطها لا يحابي أحد على حساب أحد ولا يجافي طرف من أجل طرف آخر، كي لا يكون ضحية لا يخسر فيها إلا نفسه.

هذا الموقف الوسطي في التصرف والتفكير والذي يجب أن يجري بحذر كبير وبحنكة واثقة ووعي كامل وفكر منفتح كي لا تمس الأوتار الحساسة عند الأطراف المتنازعة ويحصل الخلل. هذه الوسطية تجعل العراق يقف في موقع عدم الانحياز بين الأطراف المتنازعة، لكنها تبقى مهمة دقيقة وصعبة وتبقى السلوك الوحيد الذي يجعل العراق راسيا على ضفاف السلامة وبعيداً عن أمواج الصراع ولو لحدود نسبية غير مطلقة.

بهذه الستراتيجية يتجنب العراق خلق الغضب عند الأطراف المتنازعة في الخارج والداخل، فيكون الرضا عند الأطراف الخارجية المتنازعة وفي الداخل العراقي هدف ستراتيجي في سياسة العراق والتي من الممكن أن تجنبه المطبات والانجرار في صراعات لا رابح أحد فيها!.

سياسة الوسطية هذه لا تعني السكوت على الأخطاء والتغاضي عن الخلل، ولا تعني المجاملة على حساب الحق والمبدأ والأصول، بل يجب أن تبقى ملتمسة لرضاء الله والأخلاق والضمير.

* مداخلة مقدمة في الجلسة الحوارية لملتقى النبأ الأسبوعي التي عقدها مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية، تحت عنوان (الصراع الاميركي الايراني وتأثيراته السياسية-الامنية، والاقتصادية في العراق سنة ٢٠٢٣)

اضف تعليق


التعليقات

ابو فرح الابيض
العراق
وقد اشتد الصراع بين الطرفين نتيجة الاطماع من قبل الطرفين بالعراق والاسلحة النوويه التي تريد امريكا صناعتها والممنوعه عليهم من امريكا وإسرائيل والغرب2023-02-16