سؤالي للمسؤولين العراقيين بمختلف صفاتهم ومواقعهم، هل ستتركون هذا الحدث يمر دون أن تستثمروه؟ لا أقصد فقط أن تستثمروه مادياً فهذا طبيعي، لكن الأهم استثماره في كل مجالات الحياة. لقد نجح الجميع في تسويق منتَج رائع وناجح أسمه البصرة والعراق، فهل نترك ذلك يمر مرور الكرام كعادتنا في تضييع الفرص...

لم تتح لي الفرصة للذهاب لمحبوبتي البصرة في هذه المناسبة التي انتظرناها طويلاً، لكن ملاحظاتي هذه جاءت مما كتبه لي أهلي البصريين ومما لاحظته عبر وسائل الأعلام المختلفة خلال الأيام الماضية.

1- كان افتتاحاً رائعاً ومبهراً ذلك الذي شاهدناه جميعاً وينافس بحق أفضل الافتتاحات التي شاهدتُها عبر أكثر من نصف قرن عشته متابعاً للأحداث الرياضية في مختلف أنحاء العالم. وعلى الرغم من بعض الملاحظات البسيطة على الإخراج الفني بخاصة لأوبريت الافتتاح الا أن كل شيء كان رائعاً ومعبراً عن تاريخ وثقافة العراق أفضل تعبير.

وهنا لابد من أن أهمس في أذن بعض الشخصيات التي نصّبّت نفسها لحماية “الفضيلة والتاريخ” قائلاً: صحيح أن المعارضة والخطاب الشعبوي والمتطرف يجلب لكم مزيد من الشهرة، لكنه يجلب لأفكاركم التي تدافعون عنها مزيد من النفور من الشباب العراقي ويعزلكم في صوامعكم. أذا كنتم حريصين كما تدّعون على شباب العراق فأفهموا أن هؤلاء الشباب يريدون الحياة بحاضرها ومستقبلها ولن تستطيعوا بطريقتكم هذه ابقائهم حبيسي خلافات نشبت قبل قرون طويلة لا ناقة لهم فيها ولا جمل. افتتاح خليجي عرض لهؤلاء الشباب تاريخاً يفخرون به وفتح أمامهم باباً للأمل بأن العراقيين يمكن أن ينجحوا أذا صمموا على النجاح، ويمكن أن ينافسوا العالم أذا عملوا بجد لبلوغ ذلك.

2- كثر الحديث عن الأخطاء التنظيمية في دخول الجماهير الغفيرة وفي مزاحمة المسؤولين وحماياتهم للضيوف وتصرفاتهم الصبيانية. هنا لا أود التركيز كثيراً في المسؤولين وحماياتهم من باب “أن الضرب في الميت حرام”، لكني أود التذكير بنهائي أبطال أوربا لكرة القدم العام الماضي في باريس والذي فاز به ريال مدريد، وما حصل فيه من تدافع وفوضى وحتى أصابات بين الجماهير الحاضرة.

لقد فتح الاتحاد الأوربي تحقيقاً في ذلك وشاهدنا جميعاً كيف تعامل المنظمون ”الباريسيون” وشرطتهم مع الجماهير الحاضرة وقد كانوا أقل من العدد الذي حضر لملعب جذع النخلة (داخله وخارجه). هذا لا يعني أعقائي للمسؤولين عما حصل ولا رضاي عنه مطلقاً، لكني أقول أن مثل هذه الأخطاء تحصل في كل مكان. صحيح أن فرحتنا كانت ستكون أكبر لو تمتع المنظمون بحرفية ومهنية أكبر ومجاملة أقل “لعمك وخالك وتاج راسك وغيرهم من العناوين”، لكن النجاح الذي تحقق فاق كل توقعاتنا حقاً.

3- حصل كثير من اللغط والشد والجذب حول موقف أحد الوفود الخليجية. هنا أقول للمستفَزين والمضغوطين من الطرفين والذين لا زالوا يعيشون في عقد التسعينات وعقدته، لم نجني من سياسة التصعيد والتوتر الا الحروب والدمار. تذكروا أن معظم ما وصلنا له الآن من خراب قد بدأ من هناك، فهل تريدون منا العودة لذلك التاريخ. أضبطوا أقلامكم وألسنتكم فغضب ساعة أهون بكثير من آلام عقود. قد يقع الخطأ من واحد من الطرفين أو كليهما، لكن حقائق الجغرافيا أهم وأبقى من كل ما تعتقدونه، أو تشعرون به في لحظة انفعال. دعوا عملكم وضيافتكم وتسامحكم ،لا انفعالاتكم، هي التي تتحدث عنكم . من لا يستطيع طي صفحة الماضي لن يستطيع فتح أبواب المستقبل، فكل بداية تسبقها نهاية. أذا أردتم لهذا العصر أن يكون أفضل فلا تقعوا بأخطاء ذلك العصر. هنا لا أقصد العراقيين فقط بل كل أشقائنا .

4- كبصري، لم أفاجأ مطلقاً بمستوى الكرم والضيافة والأخلاق البصرية. فملح الفاو معجون بدماء البصريين. لذا كان ملح البصريين مميزاً ومدهشاً لكل الضيوف. لم تكن الرسالة الأهم في اعتقادي هي أثبات أن البصريين والعراقيين عموماً هم أهل كرم وضيافة فالكل يعلم هذه الحقيقة التي تمتد لقرون في التاريخ، بل هي أننا نكرمكم ونحتفي بكم لأننا نحبكم. نعم، العراقيون والبصريون أرسلوا رسالة لا لبس فيها هي أننا وعلى الرغم مما تعرضنا له من حملات ومحاولات خلال العقود الماضية لم نزل على حبنا لأشقائنا. فهذه البصرة التي تزورونها وتتعرفون عليها الآن هي ذاتها التي زارها آباؤكم وأجدادكم واستمتعوا بجمالها، وتعلموا في مدارسها ،ونهلوا من علمائها، وتجولوا في أسواقها، وانبهروا مثلكم بكرم وطيبة أهلها. لا يهم الآن لماذا أبتعدتم عنها، وهل كان ذلك لخطأ منا أو منكم. ما يهم هو أن تدركوا أننا مازلنا نحبكم وننتمي لكم مثلما تنتمون لنا. البصرة بصرتكم، والعراق عراقكم وهاكم برهانكم.

أختم موجهاً سؤالي للمسؤولين العراقيين بمختلف صفاتهم ومواقعهم، هل ستتركون هذا الحدث يمر دون أن تستثمروه؟ لا أقصد فقط أن تستثمروه مادياً فهذا طبيعي، لكن الأهم استثماره في كل مجالات الحياة. لقد نجح الجميع في تسويق منتَج رائع وناجح أسمه البصرة والعراق، فهل نترك ذلك يمر مرور الكرام كعادتنا في تضييع الفرص؟ مثلاً، هل تتحرك الخارجية العراقية لتحسين صورة العراقي وجوازه لدى أشقائنا في الخليج؟ هل تستثمر غرفنا التجارية ووزاراتنا المعنية (التجارة والصناعة والثقافة والشباب ..الخ) هذا النجاح ليكون تركيزنا في المرحلة المقبلة على الخليج العربي؟ بأختصار، هل نعرف كيف نستثمر دبلوماسية خليجي 25.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق