في خطوة جريئة وربما تعد تغييراً في نهج السياسة الخارجية العُمانية، أقدم السلطان هيثم على تغيير مهندس سياسة عُمان الخارجية يوسف بن علوي بآخر من العائلة الحاكمة، هل ستشهد المرحلة المقبلة تغير في نهج السلطنة تجاه الأزمات في المنطقة وهل ستحتفظ السلطنة بمبادئها التي جعلت منها وسيطاً مقبولاً...

في خطوة جريئة وربما تعد تغييراً في نهج السياسة الخارجية العُمانية، أقدم السلطان هيثم بن طارق على تغيير مهندس سياسة عُمان الخارجية يوسف بن علوي بآخر من العائلة الحاكمة وهو بدر بن حمد البوسعيدي الذي تدرج في المناصب الدبلوماسية ليشغل منصب وزير الخارجية المرتبط في مرحلة السلطان الراحل قابوس بن سعيد بشخص السلطان نفسه، لتكون تلك الخطوة إيذاناً ببداية مرحلة جديدة في سلطنة عُمان، وتثير تلك الخطوة العديد من التساؤلات بشأن عملية التبديل الوزاري الذي عرف ثباتاً لعقود مضت، وهل ستشهد المرحلة المقبلة تغير في نهج السلطنة تجاه الأزمات في المنطقة؟، وهل ستحتفظ السلطنة بمبادئها التي جعلت منها وسيطاً مقبولاً؟.

فمنذ عام ١٩٧٠ وهو العام الذي تولى فيه السلطان الراحل قابوس مقاليد الحكم في السلطنة، عمل على إحداث ثورة إصلاحية في البلاد وانتشالها من حالة التخلف الذي كانت تعيشه بعد محاولات منه لإقناع والده قابوس بضرورة التغيير في نمط الحكم، وهذا ما ساعد قابوس في التهيئة للإنقلاب على والده واستلام الحكم وذلك عن طريق البرنامج الإصلاحي الذي انتهجه قابوس ليشمل كل مؤسسات الحكم في السلطنة ومنها السياسة الخارجية التي تأثرت هي الأخرى بشخصية السلطان، وحسب المدرسة السلوكية التي تعد السياسة الخارجية إمتداداً للسياسة الداخلية، ولذا فإن شخصية القائد حسب منظورها تعد عاملاً حاسماً في صنع قراراتها الخارجية، فيعد السلطان هو صاحب القرار النهائي في صنع السياسة الخارجية على الرغم من وجود مؤسسات من الممكن أن تؤدي هذا الدور.

وهذا ما جعل قابوس أن يعتمد سياسة الإنفتاح على دول العالم دون التأثر بالأزمات والاضطرابات التي حدثت وما تزال تحدث في المحيط الإقليمي، فدخلت سياسة عُمان الخارجية مرحلة جديدة قائمة على فهم المحددات والمكونات والعوامل المؤثرة في السياسة الخارجية، وعليه استندت سياسة عُمان الخارجية على مبدأين أساسيين وهما: عدم التدخل في الشؤون الداخلية، والحياد في ظل تأزم الأوضاع في المنطقة التي شهدت الحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج الثانية بعد أحداث الكويت ١٩٩٠ وصولا إلى الحروب الداخلية في عدد من البلدان سواء في اليمن وسوريا وغيرها.

الأمر الذي ساعد على تميزها بدور الوساطة الذي نجحت فيه وبكل جدارة، وبدأ السلطان قابوس في إقامة علاقات دولية وبما ينسجم مع مبادئ الأمم المتحدة القائمة على أساس الاحترام لسيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعليه فقد نجح في تكوين علاقات متوازنة مع الدول الكبرى طوال مدة حكمه، مما أكسب عُمان القبول في سياستها وأداء دور الوساطة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران والتوصل إلى نتيجة مرضية لكل منهما أفضى لاتفاق تأريخي بخصوص برنامج إيران النووي، وغيرها من الوساطات التي قامت بها.

فهي مهيأة لاستثمار العمق في علاقاتها مع إيران والدول الغربية بسبب تقدير تلك الدول لدورها، وقراءتها للأوضاع في المنطقة وتطوراتها وتصرفها بعقلانية أيهم في التوصل لاتفاق مقبول من قبل الأطراف.

واستطاعت سلطنة عُمان بحكمة سلطانها أن تحافظ على ثباتها وإقامة علاقاتها مع مختلف الدول، لتنتهج أسلوباً فريداً في سياستها الخارجية لتكون مقبولة من الجميع، فهي بحكم موقعها الجغرافي قريبة من إيران ولهذا حرصت على إقامة أفضل العلاقات معها على الرغم من إجماع الدول الخليجية الأخرى المنضوية تحت لواء مجلس التعاون الخليجي على عكس ذلك التوجه العُماني، بل أسهمت في التوسط للخروج من أزمة برنامجها النووي، وهذا ما جعلها تغرد خارج السرب الخليجي الذي يرى فيها خروجاً على أهداف المجلس، فمن مواقفها المغايرة لمجلس التعاون الخليجي بخصوص التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية في اليمن، فلم تنضم عُمان للتحالف، بل أصبحت الدولة التي تحتضن المفاوضات بين طرفي النزاع في اليمن.

ومن أبرز ما ارتكزت عليه السياسة الخارجية العُمانية في مرحلة السلطان قابوس بن سعيد والتي من دون أدنى شك أسهمت في تكوين مواقفها إزاء الأزمات وأثرت في سياستها الخارجية:

1- الموقع الجغرافي المميز، إذ ساعد موقع عُمان الجغرافي على تعزيز أهميتها الإستراتيجية، فهي تطل على بحر العرب وخليج عُمان، فضلاً عن تحكمها بطرق التجارة العالمية عن طريق مضيق هرمز، هذا الأمر أعطى لعُمان ميزة مهمة في تكوين علاقات مع الدول التي تطل على مياه الخليج ومياه المحيط الهندي وبحر العرب، هذا الواقع الجغرافي ساعد في رسم سياستها الخارجية وعلاقاتها مع الدول القريبة منها والبعيدة على حد سواء.

2- الواقعية في إدراك التطورات في المنطقة، فسياسة السلطنة تقوم على أساس من عدم الانفعال والمبالغة في تقدير الأمور، بل تعتمد على تقييم الأوضاع بشكلها الحقيقي، وبالتالي التصرف بحكمة واتزان وبُعد النظر وحُسن التصرف إزاء ما يستجد من تطورات الأوضاع في المنطقة والثبات على الموقف الذي تتخذه وإنطلاقاً من سياستها القائمة على حيادها.

3- العمل على مناصرة الحق أينما كان، وهذا ما جعلها تعتمد سياسة مناصرة قضايا العدل والحق والإنصاف في المحيط الدولي والإقليمي.

4- إعتماد سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وهذا ما ينسجم مع مبادئ الأمم المتحدة.

هذه المرتكزات أصبحت تشكل جوهر السياسة الخارجية العُمانية، وبعد وفاة السلطان قابوس بن سعيد في شهر كانون الثاني ٢٠٢٠، تم إختيار السلطان الجديد هيثم بن طارق ابن عم السلطان الراحل قابوس لعدم وجود وريث يخلفه في العرش، فلم يكن له ولد أو أخ، ويعد السلطان هيثم التاسع الذي يتولى العرش العُماني من أسرة البوسعيد التي ترجع إلى مؤسسها الإمام احمد بن سعيد في عام ١٧٤١، وقد تولى العديد من المناصب ومنها رئيس اللجنة الخاصة برؤية ٢٠٤٠ المستقبلية، وكذلك منصب وزير الثقافة والتراث، فضلاً عن الأمين العام لوزارة الخارجية ووكيلها للشؤون السياسية.

وقد أنهت التعديلات الوزارية التي أعلن عنها السلطان هيثم بن طارق مرحلة من مراحل السياسة الخارجية العُمانية التي رأسها يوسف بن علوي منذ عام ١٩٩٧، وتأتي تلك الخطوات التعديلية مع خطة إعادة هيكلة مؤسسات الدولة التي تتطابق مع رؤية السلطان لعُمان ٢٠٤٠، ومن أبرز التعديلات المعلنة، تغيير وزير الخارجية يوسف بن علوي بالوزير بدر بن حمد البوسعيدي أمين عام الوزارة لمدة ٢٠ عام مضت، إذ تعد السياسة الخارجية حكراً للسلطان على مستوى صنعها ووضعها موضع التطبيق فهي مرتبطة به شخصياً ولا يوجد تأثير للمؤسسات الأخرى كالمجلس الاستشاري أو مجلس الشورى في عملية صنع وتنفيذ السياسة الخارجية، وبالتالي فإن السياسة الخارجية بمبادئها ومرتكزاتها قائمة على ما يعتنقه السلطان من منظومة قيمية وأفكار يؤمن بها، وهذا ما جعلها تتحرك وفقاً لمدركاته.

إن حدود التغيير في السياسة الخارجية العُمانية في عهد السلطان هيثم بن طارق تلمح في فك الارتباط لوزارة الخارجية من شخص السلطان نفسه إلى وزير الخارجية الجديد، وهذا ما يعطي هامش لحرية الحركة له في رسم سياسة خارجية جديدة تأخذ بنظر الإعتبار التطورات في المنطقة، مع توجه نحو تعميق العلاقات مع المملكة العربية السعودية وبناء علاقة متوازنة مع إيران، إذ تنطوي تلك التعديلات الأخيرة في نهج السياسة الخارجية لسلطنة عُمان على التقرب أكثر من العمق الخليجي لاسيما بعد خروج بن علوي من الوزارة.

وعليه يمكن القول: إن سياسة عُمان الخارجية وحسب توجهات السلطان الجديد هيثم بن طارق تسير وفق الأسس التي اعتمدها السلطان قابوس مع إعطاء فسحة من هامش الحرية لصنع وتنفيذ السياسة الخارجية العليا لها عبر إحداث دور متزايد لوزيرها بدر بن حمد ورؤيته بهذا الصدد.

ومن المؤمل أن توظف السلطنة جميع إمكانياتها ومواردها وبما ينسجم مع توجهات السلطان هيثم بن طارق، وما التعديلات الأخيرة التي أجراها إلا دليلاً، فالأنموذج العُماني الواقعي في إدارة الأزمات القائم على الحكمة سيستمر مستقبلاً وذلك من خلال دبلوماسية الوساطة التي عُرفت بها السلطنة في مرحلة السلطان الراحل قابوس بن سعيد على مدى السنوات السابقة، وبشكل عام، فإن السياسة الخارجية العُمانية ستسير بذات النهج القائم على أسس الإعتدال والحياد في المنطقة.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2020Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق