لم تعد لدى إيران أية حوافز لإبداء قدر من التعاون مع الولايات المتحدة، بعد إعلان الرئيس دونالد ترامب عن استراتيجيته الجديدة حيالها، ولا أدري إن كانت حوافز كهذه متوفرة أصلاً لدى طهران... لمؤكد اليوم، بنظر معظم المراقبين، أن كلا الطرفين، يتحضران لموجة جديدة من المواجهة لا نعرف على وجه الدقة، أين ستكون ساحاتها وأين ستصل مداياتها.

واشنطن غير الراغبة، وربما غير القادرة، على خوض حرب مباشرة مع إيران، باشرت في تفعيل سلاح العقوبات الاقتصادية والمالية ضد الحرس الثوري ومؤسسات ذات صلة ببرنامج طهران الصاروخي، لكن تجارب العقوبات السابقة، العديدة والمريرة أحياناً، أظهرت محدودية الأثر الذي يمكن للعقوبات أن تحدثه في تغيير سياسات الدول وتوجهاتها، وبالأخص في الحالة الراهنة، حيث تقف الولايات المتحدة وحدها تقريباً في مواجهة إيران، وتجد صعوبات فائقة في إقناع المجتمع الدولي بالانضمام إليها، باستثناء عدد قليل من دول المنطقة، التي تنظر لإيران بوصفها التهديد الأخطر على أمنها واستقرارها ومصالحها مثل السعودية والإمارات وإسرائيل.

لكن السؤال الذي يشغل بال الأوساط السياسية والإعلامية، ويدور على ألسنة المراقبين جميعاً، إنما يتعلق أساساً بالأثر التي ستحدثه الاستراتيجية الجديدة على أزمات المنطقة المشتعلة والمفتوحة، من العراق مروراً بسوريا ولبنان، وانتهاء باليمن والبحرين وغيرها... سيما وأن الاستراتيجية الجديدة رفعت مستوى العداء بين البلدين إلى حد غير مسبوق، ووضع العلاقة بينهما على شفير هاوية، لم يعد يفصلهما عن الانزلاق إلى قعرها، سوى خطوة واحدة فقط.

الأنظار تتجه أساساً إلى العراق، حيث تصطف واشنطن وطهران، واقعياً على الأقل، إلى جانب حكومة الدكتور حيدر العبادي في حربها ضد تنظيم "داعش" الإرهابي... هنا لن تكتفي إيران بالعمل على إحباط مساعي واشنطن وأصدقائها لتحجيم نفوذها، بل ستعمل على تقويض نفوذ الولايات المتحدة وقطع الطريق على مرامي وأهداف سياساتها في العراق، وبكل الطرق والوسائل المتاحة.

في هذا السياق، ستكون العلاقة بين بغداد وأربيل، ساحة مواجهة وتصفية حسابات بين أكبر لاعب دولي وأكبر لاعب إقليمي في العراق... طهران تقاوم نتائج الاستفتاء على تقرير مصير الكرد، وتعتبره "مؤامرة" أمريكية تستهدف أمنها ووحدتها الوطنية أساساً، وهي تزاوج في علاقتها مع كرد العراق بين العصا والجزرة، تغلق الحدود والمعابر والأجواء في وجه الإقليم، وتجري مناورات على مقربة من الحدود، ولكنها في الوقت ذاته ترسل رجلها القوي في العراق، قاسم سليماني إلى السليمانية وأربيل، للبحث عن مخارج وحلول سياسية، فإن تعذّر ذلك، فإن "عصا الحشد الشعبي" ستكون بالمرصاد لأصدقاء واشنطن من كرد العراق، وتحديداً في "المناطق المتنازع" عليها، وهي في هذا المسعى، لن تعدم وسيلة لكسب تأييد تركيا التي تجد في النزوع الانفصال الكردي، تهديداً لأمنها الوطني ووحدتها الترابية كذلك، والحصول على "غض طرف" روسي طالما أن المسعى الإيراني سيعقد مهمة واشنطن.

كذلك سيصطدم مسعى واشنطن لتطوير نظام سياسي أكثر توازناً في بغداد، قادر على التعامل مع تحديات "مرحلة ما بعد داعش"، برغبة إيرانية متفاقمة، لتجديد هيمنتها على مفاصل القرار السياسي والأمني في العراق وتوسيعها، وهي وإن كانت ذلك تفعل منذ سنوات عديدة، إلا أنها ستكون أقل تسامحاً اعتباراً من اليوم، مع أية محاولات للحد من نفوذها ونفوذ حلفائها المهمين على مراكز صنع القرار في الدولة العراقية... والأرجح أن واشنطن لن تجد الكثير مما ستفعله لوقف هذا المسعى أو لاحتواء ردود الأفعال الإيرانية.

وفي سوريا، ستجد الولايات المتحدة صعوبة فائقة، في إستحداث التغيير المرغوب في اتجاهات تطور الأحداث، فليس لها على الأرض في سوريا من حلفاء موثقين خارج إطار وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية، وهي وإن كانت تسيطر على ما يربو عن 20 بالمائة من مساحة سوريا، إلا أن نفوذها المتعاظم، يستثير غضباً تركياً وإيرانياً مشتركاً، عبرت عنه الزيارات السياسية والعسكرية والأمنية رفيعة المستوى المتبادلة وغير المسبوقة بين الجانبين، وسمحت بالتوصل إلى تفاهمات بين طهران وأنقرة، برعاية موسكو، تستبطن أشد مشاعر العداء للنزعات الانفصالية الكردية... واشنطن التي تقف على مسافة من مسار أستانا، ستجد من هم أكثر استعداداً اليوم، لمقاومة حضورها ونفوذها في سوريا، سياسياً وميدانياً.

وإذا كان التصعيد في الحرب الدائرة في اليمن وعليه، يبدو أكثر ترجيحاً، فإن الوضع الداخلي في عدد من دول الخليج التي رحبت بقوة باستراتيجية واشنطن الجديدة حيال إيران، قد يشهد اضطرابات متزايدة، خصوصاً في البحرين، حيث الغالبية الشيعية تشكل العمود الفقري للمعارضة في البلاد، لكن لبنان بنظر المراقبين، سيكون ساحة أخرى أكثر سخونة، لـ"حروب الوكالة" بين الولايات المتحدة وإيران، سيما بعد العقوبات الأخيرة التي فرضتها إدارة ترامب على حزب الله.

ويعيش لبنان اليوم، هاجس تداعيات التدهور في العلاقات الأمريكية – الإيرانية، وعودة السعودية للعب دور متزايد للتقريب بين حلفائها المنضوين في تحالف 14 آذار، وهو تحالف تعرض للتفكك مؤخراً، لكن محاولات سعودية تبذل بنشاط لإعادة ترميمه، ودائماً على قاعدة "من ليس معنا فهو ضدنا" أو مع حزب الله وإيران، وهي معادلة تنذر بانهيار التسوية الهشة والترتيبات المؤقتة التي أدت إلى انتخاب العماد ميشيل عون لرئاسة الجمهورية وعودة سعد الحريري لرئاسة الحكومة، وتمهد لإجراء انتخابات برلمانية مرتقبة في العام المقبل، بعد سنوات من التمديد والتعطيل.

لا شك أن الولايات المتحدة ما زالت القوة الاقتصادية والعسكرية الأعظم في العالم، لكن قدرتها على إحداث تغيير كبير في المنطقة، في غير صالح إيران وحلفائها، تبدو محدودة للغاية، فقد نجحت طهران في بناء "قواعد ارتكاز" صلبة لها في صميم البنى السياسية والأمنية والعسكرية والاجتماعية في العديد من دول المنطقة ومجتمعاتها، وهيهات أن تنجح إدارة ترامب، التي تعاني من الارتباك داخلياً والعزلة دولياً، في إحداث انعطافة نوعية في مسار تطور الأحداث، والأرجح أننا سنجد في واشطن، من سيدعو لمراجعة الاستراتيجية والسياسات والإجراءات المتأسسة عليها، إن لم يكن فوراً وعلى المدى المباشر، فعلى المدى القصير والمتوسط على أبعد تقدير.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق