فرض الرأي بالعنف والاستبداد


يستنتج الناظرون الى التجربة العراقية من خارجها، ما لا يخطر على بال أهل العراق ممن لهم باع في الفكر السياسي أو العاملين في السياسة، فمن يقف على قمة التل غير من يقف على سفحه أو عند قاعدته، ومعروف أن الرؤية من القمة ستبدو هي الأدق والأصحّ، هناك ما يتم حصره في دائرة التعبير عن الرأي، وهو واحد من أهم ما حصل عليه العراقيون من متنفَّسات بعد إطاحة الدكتاتور 2003، فبعد العصر الأسود لغلق الأفواه، تنفستْ ألسنة الناس جميعا، وصار بمقدورها إطلاق الصوت والرأي فيتكون الرأي المرغوب مثل وليد ينمو ويشتد عوده ليغدو مؤثرا.

هذه النعمة المستجدة في واقعنا، ربما لم نستطع الحفاظ عليها، وقد لا نكون مهتمين لأمرها، أقصد حرية التعبير عن رأيي ورأيك، ما من شك أننا بتنا نعلن عمّا يقلقا ويخيفنا ويفرحنا ويحزننا من دون خوف ولا تردد، ولم تعد مشاعرنا غائصة في مخبأ حصين، فقد كنا كعراقيين نخشى التعبير عما يلتهب في أعماقنا، حتى البكاء لم يكن مسموحا لنا به!، فعندما كان يتم إعدام معارِض لصدام، كانت العائلة المنكوبة تغرَّم سعر (طلقات الإعدام)، وتسلَّم الجثة الى العائلة، مع تحذيرها بعدم إقامة مراسيم العزاء (الفاتحة)، أو إظهار الحزن أو حتى البكاء على الشهيد المعدوم.

مثل هذه المشاهد واللقطات لا يجوز للذاكرة الجمعية أن تنساها، فحريّ بنا أن نتذكر الأيام السود دائما، حتى نحافظ على الأيام البيض من تسلل الظلم إليها، في الرأي الذي حصلنا عليه هناك عيوب قد تنحدر في هذه النعمة الى الدرك الأسفل، وإنْ يحتاج كلامي هذا الى تفسير، فأقول، تسلّقت أوضاعنا ظاهرة خطيرة لها مساس وترابط بحرية الرأي وإطلاقه في التجمعات والمظاهرات ووسائل التواصل الاجتماعي ومختلف وسائل الإعلام، هذه الظاهرة يمكن وصفها بمحاولة جمهور معين لأسباب سياسية مسبقة، فرض رأي بالعنف اللفظي أو حتى المادي، ما يسحب عن مثل هذا الرأي مشروعيته وصحة انتسابه للرأي، إنه في هذا الحالة الإجبارية لم يعد رأيا وإنما هدف يُراد أن يتم فرضهُ بالقوة على الباقين!، فأين حرية الرأي في مثل هذا السلوك الجبري؟؟.

كثيرة هي المقارنات والذكريات المرة، يكاد لا ينساها العراقيون مع أن زمنها قد ولّى وانهزم، لكن لم يندثر ولم يغادر قحفة الرأس، تشتعل به الذاكرة وتلتهب به القلوب، ألا يكفي هذا كي نتعلّم الدرس ونهضمه بصورة مناسبة، ألا يعني هدر الفرصة خسائر مضافة الى خسائرنا التي يعرف حجمها الجميع؟ نريد أن لا ننسى زمن الكبت وعصوره السوداء، حتى نعرف أهمية حرية التعبير عن الرأي، وحتى يكون استخدامنا لهذا الحق صحيحا ومفيدا ولا نقيصة فيه، فالأشياء الناقصة حتى لو كانت جيدة لا ينتج عنها ما يصب في صالح الناس.

فالتعبير عن الرأي ينبغي أن يكون معافى، لا يعاني من الأمراض، وهل هناك أمراض من الممكن أن تطلي أو تصبغ حرية الرأي بصبغتها؟، من تجربة تعامل العراقيين في إعلان رأيهم بالهتافات او الحوارات او الإعلام، برزت عيوب كبيرة وخطيرة، قد تسلب منّا هذا الامتياز، وهل من الممكن أن نخسر ما حصلنا عليه في هذا المضمار؟، بلى هذا ممكن بالطبع، عندما لا نحرص على حماية هذه التجربة من العيوب، ما هي إذن هذه العيوب؟، إنها تكمن في التعصّب بالرأي، والانزلاق في ما يسمى برأي (القطيع)، أو الرأي الآلي الجمعي المفروض فرضا بعيدا عن عقلانية وعلمية وحكمة الرأي الفردي.

وهكذا يتم إطلاق هذا الرأي الكلّي المتعصب، المتعجّل في الأغلب الأعمّ، عبر هتافات (قطيعية) جمعية لا تعرف حتى معاني الكلمات التي تتفوّه بها، فتقتل التعبير الحر، وتحيله الى زعيق أهوج، ديماغوجي، يذهب بعيدا عن هدفه، ويظن القائمون عليه، والموجهون له، أنهم بهذه الطريقة من التعبير إنما يحافظون على مصالحهم، ولكن أية مصالح هذه التي تريد أن تحافظ عليها بفرض الرأي بالقوة والاستبداد، إنها بصريح العبارة عودة الى التطرف والتعصب والقطعية ولكن بأسلوب آخر واضح كل الوضوح في معناه وما يبتغي.

إذن نحن في مأزق كبير ينبغي أن يدفعنا للبحث عن دواء يناسب هذا الداء الآخذ بالنمو، حتى لا نكون قد ربحنا هدفا عظيما وخسرناه بأنفسنا، عن جهل وسبق إصرار، ولهاث محموم نحن الضياع في تيه سلوكيات القطيع، لنرفض أسلوب الحدية القاطعة في هتافاتنا، ولتكن حواراتنا قائمة على العلمية والعقلانية والهدوء، وإلا نحن نغامر بفقدان كل الأشياء وأهمها حرية الرأي الذي صار يُستخدَم بالضد مما يُراد منه، ذلك أن الإصرار على العنف في فرض الرأي على الآخرين يعني انتماءه لجهة تتمسك بالاستبداد أسلوبا نحو ما تريد وتسعى إليه.

ناقوس الخطر يدق، ينبّه السياسيين أولا، والعراقيين كلهم، يقول بلسان فصيح، ورنين حاد، وجرس لا يكف عن إطلاق موجاته الصوتية التحذيرية الى من يصغي إليه، يقول كفّوا عن أسلوبكم في تثبيت الرأي وطرحه بالحدّية والإجبار، أمامكم سبل أخرى أفضل وأسهل وتمتلك زمام الإجابات الصحيحة عن جميع الإشكالات والتساؤلات، وليبتعد الجميع عن الاستبداد بالرأي، وليس صحيحا أن يرى صاحب الرأي نفسه صحيحا والآخرين على خطأ، ولنستمع كلنا الى كلنا، فما الضير في ان يطرح الجميع آرائهم بحرية، وعدم صدّهم أو قمعهم بوسيلة أو أخرى، أليس هذه هي الديمقراطية الصحيحة؟، لماذا مسموح لي أن أقول رأيي وأهتف به وأتعصب له، فيما غير مسموح للآخر طره رأيه، مع التأكيد أن إعلان الحرب على الرأي الآخر بات أسلوبا ذا مكانة واضحة بيننا.

في آخر المطاف دعونا نعش عهدنا هذا بمكاسب حقيقية، لنمضِ في طريق الحرية الى نهاية المطاف، ولنتذكر مأساتنا، ونصحح أخطاءنا، ونستثمر واقعنا والفرص المتقدمة لنا، لا نصنع رأينا بالقوة، ولا نغرد بعيدا عن السرب، نقصي الاستبداد، نطرده بعيد ولا نقصي الرأي الآخر، وكذا الحال بالنسبة للتطرف نطرده شر طردة، نتعاون على الشدائد، نبني تجربة ديمقراطية تستمد حياتها من دماء أبطالنا، وتضحياتنا الجسام، وأخيرا نتمسك بفرصتنا التي قد لا تتكرر في خصوص إطلاق الرأي بحرية، بلا منغصات ولا جبرية، نتذكر التكميم ونواصل التعاون على صنع واقع جديد يستوعب الآراء كلها باحترام.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مقالات الكتاب)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك