أي رسالة يُراد ايصالها الى صاحبها، ينظر أولاً؛ الى حاملها واسلوب إيصاله الرسالة او فحواها، وأياً كان شكل ومضمون الرسالة، فان شخصية حاملها تترك أثراً بالغاً على الطرف المقابل، فربما يحدث الأمر سوء فهم، بسبب سلوك معين او حركة غير محسوبة، أو بالعكس، ربما تترك أثراً طيباً وتؤتي ثمارها المرجوة بأحسن ما يكون.

فهذا ما يتعلق بالشؤون الاجتماعية، ما بين افراد المجتمع الواحد، فكيف يكون التأثير اذا كانت الرسالة من قائد فذّ، وحيد عصره، مثل الامام الحسين، عليه السلام، وآخر ابن بنت نبي في العالم، وبين شعب يمثل أمة آنذاك؟.

وهذا ما جعل مهمة مسلم ابن عقيل، عليه السلام، تمثل مفصلاً مهماً في النهضة الحسينية، لانها كشفت عن الحقائق الخافية خلف ستار الشعارات والوعود الكاذبة، وأطلقت شرارة الصراع والحرب بين مفاهيم الفضيلة ومفاهيم الرذيلة، وهذا الكشف بحد ذاته، كان يمثل مهمة رسالية عظيمة بحاجة ثمن كبير قدمه مسلم، بنفس مطمئنة وعزيمة لا تلين، ليكون أول شهيد في النهضة الحسينية، بعد أن حقق نجاحاً باهراً في مهمته كرسول وسفير للإمام الحسين، عليه السلام، الى أهل الكوفة.

رسول بحجم الرسالة

كثيرة هي الآراء التي خاضت في مسألة اختيار الامام الحسين، عليه السلام، لمسلم، ليكون سفيره الى أهل الكوفة، ويتحقق من أمر الوعود والكتب التي وصلته وهو في المدينة المنورة. بيد أن الواضح أن الامام، عليه السلام، وهو سليل النبوة وامتداد الرسالة السماوية، اختار مسلم، وهو ابن عمّه، وأقرب المقربين، ومن السابقين في الجهاد في جيش أمير المؤمنين، فقد كان على ميمنة الإمام يوم صفين، فضلاً عن علمه وحكمته وتقواه، ويكفي أن نعرف مسلماً من الصفات التي عرّف بها الإمام، لأهل الكوفة في الرسالة التي بعثها معه: "... وأنا باعثٌ اليكم بأخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي، مسلم ابن عقيل". فقد قدم الإمام الحسين، عليه السلام، صفة الأخوة الى القرابة، ليبين مكانة مسلم عنده، فهو – ربما – في عين الإمام، عليه السلام، كأخيه العباس، عليه السلام، وهذه الصفة ذات أهمية ووقع كبيرين في المجتمع آنذاك، ثم توّج صفة القرابة اللصيقة، بصفة الثقة، وبشكل مطلق، وهو ما حدى بالمؤرخين والباحثين بأن يقارنوا بين اختيار الامام الحسين، عليه السلام، لمسلم، وبين اختيار النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، للإمام علي، عليه السلام، في مواقف عديدة، كمبعوث عنه لأداء مهام عديدة، كان أبرزها الوفادة على "بني جذيمة" بعد ارتكب خالد بن الوليد، تلك الجريمة المروعة بحقهم، فأدى، عليه السلام، عن الرسول وعن الاسلام، كل الحقوق والديات لأهالي المغدورين.

ولعل أبلغ صورة للاختيار الحكيم لشخصية السفير، ما نقله المؤرخ المعروف عبد الرزاق المقرّم عن كتاب "الاقبال" لابن طاووس، بأن النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، أرسل أبابكر لإبلاغ قريش بالآيات الاولى من سورة "براءة"، وكان ذلك في السنة التاسعة من الهجرة، فنزل جبرائيل يبلغ النبي بأن "لا يؤديها إلا هو أو رجل منه"، ولما رجع أبوبكر باكياً، قال به صلى الله عليه وآله، لا عليك، وكيف تؤديها وأنت صاحبي في الغار"...؟! وقد أكد المؤرخون والمحدثون السنّة هذه الواقعة، وأن النبي اختار لهذه المهة، أمير المؤمنين، عليه السلام.

ما نستخلصه من كل ذلك؛ أن الرسول والمندوب في مهمة تتعلق بالأمة ومصيرها، يجب أن يمثل كل قيم الخير والفضيلة والانسانية، وأن يكون خالياً من شوائب النفس، وما لها من نزعات ودوافع نحو الأنانية والعصبية، إنما المطلوب قبل كل شيء، أن يوطن الانسان نفسه على التضحية بكل شيء في سبيل الله، وإعلاء كلمته، وتحكيم القيم والمبادئ التي جاءت بها الرسالة.

ومما ينقله التاريخ عن هذه الشخصية العظيمة، أنه، عليه السلام، تعرض للتيه وسط الصحراء مع الدليلين، وكان الموقف خطيراً وحرجاً، بحيث شارفا على الهلاك من شدة الحر والعطش، ولم يستطيعا الحراك، وكان مسلماً الى جانبهما، فقالا له: "عليك بهذا السمت، فالزمه لعلك تنجو...". وبعد وصوله الى الماء، وبلوغه بموت الدليلين، كتب الى الإمام الحسين، عليه السلام، بخبر الدليلين وما عليه فعله؟ وهذا دليل آخر على الايمان والاخلاص الذي تمحّض في شخصية مسلم، فهو لايقدم على شيء مستجد، إلا ويستشير فيه إمامه وقائده.

مسلم في الكوفة، كربلاء مصغّرة

حصل مسلم ابن عقيل مبايعة أهل الكوفة له وللإمام الحسين، عليه السلام، بأعداد هائلة، قدرها البعض بين 18ألفاً و25ألفاً، وذهب بعضهم الى 40الفاً، وهو عدد كبير جداً، ثم كتب، عليه السلام، برسالة الى الإمام الحسين، عليه السلام، مع عابس الشاكري وقيس بن مصهّر الصيداوي، يخبره باجتماع أهل الكوفة على رأيه وطاعته وانتظارهم لقدومه. كما شهد هذا الرسول، الذي اصبح فيما بعد القائد المهيمن على الكوفة، إرسال مئات الرسال والكتب من شيوخ العشائر والقبائل في الكوفة الى الإمام، أن "أقدم فقد أينعت الثمار....".

وبعد هكذا عزّ واقتدار، اذا حصل لأي قائد او شخصية سياسية أن يشعر بخسارة هكذا مكسب كبير، ما هو الاجراء الذي يمكن اتخاذه؟.

لابد انه – وفي ظل التوجهات الفكرية الراهنة- سيفعل كل شيء للحفاظ على النصر والمكسب، لاسيما اذا كانت القضية تتعلق بنهضة كبيرة أو مشروع بناء سياسي وحضاري كبير، تقف خلفه مرجعية دينية، بيد أن مسلماً لم يكن من هذا النوع مطلقاً، لأن القيم والمبادئ التي نشأ وتربّى عليها في حجر أمير المؤمنين، عليه السلام، أكبر بكثير من المشاريع والطموحات السياسية، مهما كان هدفها النبيل والبناء.

فكان الاختبار السهل – وليس العسير- في دار هاني بن عروة، عندما نزل عنده شريك بن الأعور الهمداني البصري، وهو – الى جانب هاني- من أعيان الشيعة ومن خلّص اصحاب أمير المؤمنين، عليه السلام، في الوقت الذي كان مسلم في الدار ايضاً، وحصل أن مرض شريك، ولما سمع ابن زياد بالخبر، وكان حديث الوصول الى الكوفة وسيطرته الى مقاليد الأمور، أرسل اليه أنه يريد عيادته، فاستبشر شريك بالأمر، متوجهاً الى مسلم، بأنها الفرصة الذهبية للانقضاض على هذا الطاغية والتخلّص منه ومن عواقب أمره، واقترح عليه بأن يختبئ حالما يأتي ابن زياد ويستقر به المقام، و يروي المؤرخون كيف أن شريك، شعر بالغيض عندما استبطأه مسلم، ولم يخرج، وأحس ابن زياد بأمر ما يدور حوله، فنهض وغادر مسرعاً. وعندما لامه شريك على عدم تنفيذ خطّة الاغتيال، أجاب مسلم بكل هدوء: منعني من ذلك، حديثاً رواه أمير المؤمنين عن رسول الله، صلى الله عليه وآله: "الإيمان قيد الفتك".

هذا الحديث الشريف يربط بين الايمان بالله – تعالى- وبين ان يكون الانسان غادراً فتّاكاً، لأن الغادر، لن يكون بينه وبين افعاله أية حرمة لأحد او قيمة انسانية او دينية، فانه يعد ويؤمّن ثم يغدر ويخون عندما تقتضي المصلحة، والى ذلك اشار أمير المؤمنين، عليه السلام، عندما حصل ان خاض المجتمع آنذاك في أمر المقارنة بينه وبين معاوية، فقال في خطبة مطولة: "وما معاوية بأدهى منّي لكنه يغدر ويفجر".

إن الدرس البليغ والكبير الذي خطّه مسلم بدمه الطاهر في الكوفة، هو الذي كشف للاجيال مساوئ الغدر ومآلات الخيانة، فالنوايا الحسنة التي تحدث بها الامام الحسين، عليه السلام، لأهل الكوفة المتجحفلين أمامه في كربلاء، وأنه امتداد للرسالة السماوية وآيةً للرحمة الإلهية، كان قد تم التمهيد لها داخل الكوفة على يد مسلم ابن عقيل، فقد جاء الى المجتمع الكوفي آنذاك، وأخذ منهم البيعة والتأييد والتهليل...! ثم استرجعوه منه وانقلبوا عليه واسلموه الى الطاغية والى الموت، فعندما اصبح القائد المطاع في الكوفة، لم يكسب شيئاً بالحقيقة، ولم تضاف الى شخصيته ومكانته شيء، وعندما انقلب الوضع لم يخسر شيئاً، لأنه من أهل البيت موطنون أنفسهم على الشهادة في سبيل الله، إنما أهل الكوفة كانوا على وشك أن يكون لهم شأن في حاضرة ذلك الزمان وفي التاريخ والحضارة، لكنهم خسروا الخسارة الكبرى والمدوية عندما تنكروا للنوايا الحسنة وللجميل. فباتوا عبرة التاريخ والاجيال.

اضف تعليق


التعليقات

احمد الشاوي
العراق
شكرا للمعلومات القيمة والمفيدة لنا جزاكم الله خيرا2020-05-29