إذا أرادت نخب دولة ما أن تقوّي مناعتها ضد مافيات الفساد، فإن التدابير معروفة، حماية المؤسسات وصيانتها وترصين وتقوية استقلاليتها، عبر إرساء نظام سياسي قوي متوازن يتحرك في إطار دستور منصف، وكل هذا لا يمكن أن يتحقق إلا في إطار طبقة سياسية أحزاب وحركات، معاصرة متقدمة واعية مستقلة...

دولة المؤسسات مصطلح شائع يدل على كيان ذا سيادة يحكمه نظام سياسي معترَف به دوليا، ولا يوجد مصطلح متداول رسميا يحمل اسم (دولة مافيات)، والدولة بحسب المختصين:

هي مجموعة من الأفراد يمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي محدد ويخضعون لنظام سياسي معين متفق عليه فيما بينهم يتولى شؤون الدولة، وتشرف الدولة على أنشطة سياسية واقتصادية واجتماعية تهدف إلى تقدمها وازدهارها وتحسين مستوى حياة الأفراد فيها، وينقسم العالم إلى مجموعة كبيرة من الدول، وإن اختلفت أشكالها وأنظمتها السياسية.

وفي شأن التعريفات السياسية للدولة فهي تجمع سياسي يؤسس كيانا ذا اختصاص سيادي في نطاق إقليمي محدد ويمارس السلطة عبر منظومة من المؤسسات الدائمة، وبالتالي فإن العناصر الأساسية لأي دولة هي الحكومة والشعب والإقليم، بالإضافة إلى السيادة والاعتراف بهذه الدولة، بما يكسبها الشخصية القانونية الدولية، ويمكنها من ممارسة اختصاصات السيادة.

المافيا هو مصطلح يستخدم لوصف نوع من «نقابة عصابات الجريمة المنظمة» التي تمارس الحماية بالابتزاز في المقام الأول - استخدام الترهيب العنيف للتلاعب بالنشاط الاقتصادي المحلي، وبخاصة الاتجار غير المشروع - ويمكن أن تمارس أنشطة ثانوية مثل الاتجار بالمخدرات والقروض بفوائد مرتفعة والتزوير. ترتبط عصابات بميثاق شرف، ولاسيما ميثاق الصمت (أو omertà في جنوب إيطاليا)، يحمي المافيا من التسللات الخارجية وتدابير إنفاذ القانون.

في البداية التصق المصطلح بالمافيا الصقلية، ولكن التسمية ما فتئت أن شملت غيرها من الأساليب والمنظمات المماثلة، مثل "المافيا الروسية" أو "المافيا اليابانية". وتستعمل الصحافة والجمهور هذا المصطلح، بشكل غير رسمي، في حين تستعمل المنظمات الإجرامية تسميات خاصة (فمثلا تطلق المافيا الصقلية والأميركية على نفسها اسم «كوزا نوسترا»، والمافيا المكسيكية تطلق على نفسها «لا ايميه» والمافيا اليابانية «ياكوزا». وعندما تستخدم «المافيا» وحدها، فعادة ما تشير إما إلى المافيا الصقلية أو المافيا الأميركية.

مقوّمات المناعة ضد الفساد

هذه المقدمة تدل على وجود المافيا في أقوى الدول وأعظم الأنظمة السياسية استقرارا، فلا توجد دولة خالية من العصابات أو المافيات، وهذا أمر محسوم تقريبا، لكن هنالك فارق كبير يكمن بين دولة مؤسسات تنشط فيها مافيات محجَّمة، وبين دولة شكلية تتحكم بها العصابات والتخندقات ويتراجع فيها دور المؤسسات المستقلة كما يُفترَض، فما هو هذا الفارق بين الاثنتين؟:

دولة المؤسسات يحكمها نظام سياسي تقوده وتنظّم صلاحياته مؤسسات الدولة المستقلة المحمية والحامية، فحتى لو وُجدت المافيا في هذا النوع من الدول التي تقودها المؤسسات، فإن وجودها وتحركها وجميع نشاطاتها غير المشروعة تبقى تحت رحمة القانون وسطوته، وفي الغالب تكون تحت السيطرة حتى لو كانت من نوع المافيات الكبيرة والخطيرة.

هناك على سبيل المثال المافيا الأمريكية، فهي موجودة وتنشط في دائرة أقوى نظام سياسي ديمقراطي في العالم، وفي دولة فيدرالية تتكون من أكثر من 50 ولاية، ومع ذلك لم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية القضاء على المافيا والعصابات بشكل كلي، لكنها في نفس الوقت أبقتها تحت السيطرة وقوة المراقبة والتحجيم، لذلك لم تتأثر المؤسسات التي تنظم صلاحيات أركان النظام السياسي فيها.

في الدول الضعيفة، هناك ما يُشبه الإدّعاء (من قادتها) بأنها تعتمد استقلالية المؤسسات في إدارة شؤونها، لكن في هذا النوع من الدول تكون الكلمة الفصل للمافيات وعصابات الفساد، فهي التي تتحكم بالنظام السياسي، ويبقى دور المؤسسات في دول كهذه شكليا، لدرجة أن عصابات الفساد تشلّ دور مؤسسات الدولة وتتحكم بها، وتعطّل دورها على نحو تام أو شبه كلّي.

في دولة المؤسسات القوية، المافيا تحت السيطرة، وفي دولة المافيات تنقلب المعادلة لتكون مؤسسات الدولة تحت سيطرة عصابات الفساد أو المافيات، وهنا تتحول الدولة ونظامها السياسي إلى ألعوبة بيد المفايات، هي التي تحركها كما تشاء، وهي التي تتحكم بمقدراتها، ويصبح نظامها السياسي أما شكليا محيّدا، وأما تابعا يأتمر بما تمليه عليه قيادات المافيات، فتصبح الدولة هنا صفراً على الشمال.

مزايا دولة المؤسسات:

- تكون ذات نظام سياسي قوي مستقر.

- يضعف فيها نشاط العصابات والمافيات.

- تتحلى بتكافؤ الفرص وفق المؤهلات والخبرات.

- تتمتع بقانون وضعي راسخ وقوي.

- اقتصادها قوي في الغالب.

- قرارها السياسي مستقل في الغالب.

- تنتمي إلى الدول المتقدمة أو في طريقها إلى ذلك.

- نسبة العدالة الاجتماعية فيها عالية.

مخاطر دولة المافيات:

- نظام سياسي مهلهل.

- اقتصاد ضعيف متدهور وتابع.

- مؤسسات دولة غير مستقلة.

- انتشار المحسوبية والوساطات.

- إقصاء الكفاءات وتهجير العقول الخبيرة.

- توسّع الفجوة الطبقية وانتشار الفقر.

- تذويب الطبقة الوسطى.

- حرمان الدولة والشعب من فرص الانتماء للدول المتقدمة.

هل يمكن أن نتجنب دولة المافيات؟ سؤال تتلخّص الإجابة عنه بالتالي:

المافيا مرض خطير يصيب جميع الدول بلا استثناء، كما تصيب الأمراض جسد الإنسان بحسب درجة مناعته، وهذا يعني أن هناك دولا تمتلك مناعة ضد أمراض المافيا، وهناك دول لا تمتلك هذه المناعة أصلا، وربما تمتلك مناعة ضعيفة، وهذا لن ينقذها من سطوة المافيات، الأمر متعلّق بدرجة المناعة إذن؟

إذا أرادت نخب دولة ما أن تقوّي مناعتها ضد مافيات الفساد، فإن التدابير معروفة، حماية المؤسسات وصيانتها وترصين وتقوية استقلاليتها، عبر إرساء نظام سياسي قوي متوازن يتحرك في إطار دستور منصف، وكل هذا لا يمكن أن يتحقق إلا في إطار طبقة سياسية (أحزاب وحركات)، معاصرة متقدمة واعية مستقلة تعي أهمية ومسؤولية دورها السياسي والأخلاقي في بناء الدولة والمجتمع.

فيما تقدَّم لا يمكن الخلاص بصورة كليّة من العصابات والمافيات، لكن الممكن والأهم هو وضع هذه العصابات تحت السيطرة بقوة التشريعات القانونية وقوة تطبيقها، فالدولة حين يقودها نظام سياسي ديمقراطي قوي ومستقر مولود من طبقة سياسية تحترم المؤسسات وتدعم استقلاليتها، سوف تكون الدولة حينئذ منتمية إلى الركب العالمي المتقدم.

اضف تعليق


التعليقات

محمد علي
اذا يسمح الكاتب لي بمخالفته في انه "لايمكن الخلاص بصورة كلية من المافيات"، لان الاعتراف بوجودها هو الذي يجعلها مصدر تهديد لدولة المؤسسات وللنظام الديمقراطي، والمسالة الثانية: ان الاقرار بوجودها في المجتمع يقدح بمصداقية الدولة التي يفترض انها تمثل الشعب -اذا لم تكن ديكتاتورية، والا فهي دولة مافيا حقيقية- بينما المافيات تمثل مصالح زعماء العصابات وعوائل المافيات، ولا شأن لها بمسكن وعمل وكرامة الناس.2020-06-02