عام ولى وآخر يحل على الجزائريين، والذي مضى كان عاما موشحا
بالسواد القاتم على الشعب الجزائري الذي لم يشهد من قبل أسوا مما عاشه
في سنة 2007 التي ستبقى عالقة في ذاكرتهم، إنها "حرب أعصاب يومية" مع
تواصل مسلسل الارتفاع "الفاحش" و"المخيف" لأسعار المواد الأكثر
استهلاكا، ليس فقط لأنهم رأوا فيها مادة البطاطا تنافس أسعار الموز
والتفاح، ولكنهم عاشوا أيضا على الأعصاب وهم يلهثون للظفر بكيس حليب،
وكان الترقّب ميزة الجزائريين في هذا العام بدءا من الحديث عن تعديل
الدستور وتجديد عهدة الرئيس بوتفليقة،الى ترقب الزيادات في أجور
الموظفين والارتفاع الجنوني لأسعار المواد الاستهلاكية، كل ذلك في ظل
تباهي الحكومة الجزائرية وبالأرقام الرسمية عن ارتفاع احتياطات الصرف
لأكثر من 90 مليار دولار منها 60 مليار من عائدات النفط.
ما يمكن قوله عن الوضع الاقتصادي المتدهور في الجزائر انه حصيلة
لاقتصاد مركزي عمره 25 عاماً تمثل في سيطرة الدولة على كل قطاعات
الإنتاج، زاد من تفاقمه ثماني سنوات من الأزمة الأمنية التي كلفت
الاقتصاد نحو23 مليار دولار، لكنه الآن اقترب من النقطة الحرجة كما
يقول خبراء الاقتصاد العالمي، ولا بد من معالجات جذرية وجادة وعلى كل
الأصعدة وبعيداً عن وصفات صندوق النقد وإلا فإن الأوضاع الجزائرية
ستشهد المزيد من التدهور ليس على الصعيد الاقتصادي فحسب وإنما على
الصعيد الاجتماعي أيضا.
ولعل الأسئلة الكثيرة التي تداولها الشارع الجزائري هو: لماذا لم
تتحرك السلطات وتتدخل للتقليل من حدة تلك المشاكل التي أرهقت كاهل
المواطنين، فكم من إضرابات واعتصامات واحتجاجات دون أن يكلف مسؤول
حكومي نفسه عناء الرد أوالتعليق عن ذلك الغليان الاجتماعي الصاخب،ولعل
هذه اللامبالاة أدت إلى عودة الوضع الأمني إلى اخطر ما كان عليه الوضع
في السنوات الماضية، لقد عاد الإرهاب وبشكل خطير، فمن العمليات
التقليدية إلى التفجيرات الاستعراضية والانتحاريين الشباب حديثي
الالتحاق بالجماعات السلفية وبعضهم ممن استفاد من العفوالرئاسي بموجب
قانون المصالحة الوطنية، فجاءت عمليتي قصر الحكومة وباب الزوار في 11
أفريل لتشكلا منعطفا خطيرا في الأزمة الأمنية، وما تلاها من عمليات
أخرى كالاعتداء على ثكنة الأخضرية في 11 جويلية، ثم استهداف موكب رئيس
الجمهورية بباتنة في 6 سبتمبر الذي أشَّر على تطور غير مسبوق في قدرات
الإرهابيين، وتحديهم للسلطات الجزائرية كرد فعل على الضربات الموجعة
التي تلقتها تلك الجماعات على أيدي قوات الأمن الجزائرية.
ومن الملفات الساخنة التي شغلت بال السلطات هوملف الهجرة غير
الشرعية أوما يعرف بالعامية في منطقة المغرب العربي ب ( الحراقة)
وأبطالها من الشباب الباحث عن فرصة أفضل للعيش الكريم، حتى ان عائلات
بأكملها جربت هذه المغامرة الخطرة وعبور الضفة الأخرى من المتوسط،
بعدما ضاقت بهم سبل العيش في بلدهم، وكثير من هؤلاء من حملة الشهادات
الجامعية وموظفون، والحراقة كظاهرة اجتماعية أصبحت تشكل إلهاما
للمبدعين رغم أنها تعطي صورة سوداء عن حال شباب يائس في بلد غني، وبدا
واضحا تأثير الحراقة في إثراء الموروث الثقافي الجزائري، فظهرت ثقافة
جديدة اسمها ثقافة وأدب الحراقة متمثلة بالأغاني التي تدعوللهجرة
والأشعار والأفلام والشعارات التي يرفعها الشباب في الملاعب، ولعل ابرز
وأكبر تحد رفعه الشباب الجزائري في وجه السلطات الجزائرية في سابقة غير
مألوفة يوم استقبلت حشود غفيرة من الجزائريين الرئيس الفرنسي جاك
شيراك في مارس 2003 في زيارة هي الأولى لرئيس فرنسي للبلاد منذ
استقلال البلاد قبل أربعين عاما، مطالبة إياه بإلغاء التأشيرة، وكان
اغلب الشباب من حي باب الواد الشعبي الفقير يرددون بحماس وأمام أنظار
الرئيس بوتفليقة " الفيزا يا شيراك.. الفيزا يا شيراك "
وأنت تتحدث لهؤلاء الشباب البائس والمفعم بالحيوية وبالوطنية
أيضا،يشعرك بان لهم حلم صعب ولكنه غير مستحيل، ان ملهمهم الأول هوطارق
بن زياد، ذوالأصول الأمازيغية المغاربية، الذي عبر للضفة الأخرى وفتح
الأندلس وان اختلفت الأسباب والدوافع والأهداف،فمصطلح الحراقة اقترن ب
( الهدة ) وهي المغامرة ولوبحياتهم التي لم يعد لها معني في بلد
الثروات، ان سبب التسمية يعود إلى أن «الحراق» عندما يقرر السفر عبر
قارب الموت إنما يحرق وثائقه التي تربطه ببلده الأصلي بل يحرق ماضيه
كله رغبة في واقع جديد.
الحراقة أو" الإنتحاريون الجدد " اصبحوا وليمة لأسماك البحر، وليس
غريبا أن تسمع من هؤلاء عبارة( يأكلني حوت البحر ولا يأكلني دود الوطن)
شعار حزين يرفعه أغلب الشباب الباحث عن فرصة افضل للعيش في الضفة
الأخرى من البحر المتوسط.
حلم الهجرة هوأيضا المشروع الذي يخطط له الطالب الجامعي والإطار
العامل في المؤسسة الجزائرية الذي يشتكي من قلة الاعتبار والراتب
والخلل الممارس في استغلال الكفاءات الوطنية وهوالمشكل الذي يطرح بشكل
آخر مختلف عن مشكل الحراقة حيث هجرة الأدمغة والكفاءات.
العديد من الأسئلة حول مستقبل الجزائر لا زالت تطرح في المرحلة
القادمة وتشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية وإمكانيات تطور النظام
السياسي ومستوى الإعلام وكيفية عمله وآفاق نمو المجتمع بشكل عام.
واذا كان الجزائريين قد حكموا على عام 2006 بأنه عام الركود السياسي
والاقتصادي، فإن سنة 2007 هي سنة الركود على جميع المستويات والعودة
لسنوات كثيرة نحوالوراء.
...........................
الكاميكاز: الانتحاريين
الحراقة: الهجرة غير الشرعية |