العراق في الصحف المصرية: التعاطف مع صدام هو نفاق عربي جماعي وعاجز.. متى تستطيع الشعوب العربية شنق طغاتها؟

  اهتمت الصحف المصرية الصادرة في الايام الماضية بالسياسة الأمريكية الجديدة في العراق المزمع إعلانها خلال أيام ،وخاصة إعلان مجلس الشيوخ عقد‏ (11)‏ جلسة استماع علي الأقل خلال الأسابيع المقبلة لمناقشة الحرب واحتمال إرسال المزيد من القوات الأمريكية كما تلك المقتطفات وكالة اصوات العراق.

جريدة صوت الأمة ( إسبوعية مستقلة ليبرالية) خصصت ملفاً لحدث الإعدام ،وجاء فيه "بعد

إهانة إعدام صدام... متى تستطيع الشعوب العربية محاكمة حكامها وشنق طغاتها..؟" ،

ونشرت الصحيفة عناوين فرعية أخر ى لذات الموضوع تقول "سياسيون: على النظام المصري أن يفهم الرسالة... ويسرع بتداول السلطة " ،ومن هؤلاء السياسيين يقول عضو مجلس الشورى المصري د. أسامة الغزالي حرب "على مصر أن تعجل بالديموقراطية... وهناك حكام عرب إرتكبوا جرائم أكثر من صدام ويستحقون القصاص ،ولم يتم القصاص منهم لأنهم لعقوا الأحذية في اللحظة الأخيرة لينجوا بأنفسهم."

فيما يقول استاذ القانون الدكتور عاطف البنا "لا يوجد حاكم عربي لم يرتكب جرائم في حق شعبه."

وسألت الصحيفة قيادات جماعات الإخوان المسلمين"لماذا تهربتم من إصدار بيان بشأن إعدام صدام..؟" ،فكان رد القيادي في الجماعة الدكتور عصام العريان "إنها (عملية الإعدام) رسالة للحكام العرب" ،وقال النائب الأول للمرشد العام للجماعة الدكتور محمد حبيب إن الإعدام "يهدد بإشعال حرب أهلية" في العراق ،وأضاف القيادي الإخواني الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح "إنه (صدام) لم يكن الطاغية الوحيد... ويكفيه أنه أطلق صواريخه ضد إسرائيل."

ونشرت الجريدة أيضا موضوعا تحت عنوان "سجون النظام المصري لا تختلف عن سجون صدام" ،وحاورت المفكر الشيعي المصري الدكتور أحمد رسام النفيس الذي دعا الإعلام  "لعرض كل الجرائم التي ارتكبها صدام حسين في حق شعبه."

وفي حوار لصحيفة (صوت الأمة) ،اتهم محسن خليل السفير العراقي بالقاهرة في عهد صدام الحكام العرب بأنهم " أضفوا شرعية على الإعدام" ،ووصف ذلك بـ "الموقف المخزي"

،مشيرا إلى أن جامعة الدول العربية "خالفت ميثاقها.. وأيدت الإحتلال" الأمريكي البريطاني

للعراق ،معتبرا أن مصير صدام "يطارد الزعماء العرب... ويفرض عليهم الذل والخضوع."

وكتب رئيس التحرير التنفيذي للجريدة وائل الإبراشي مقالا يقول فيه "عام (2006) إنتهى بإهانة إعدام صدام... وعام ( 2007) بدأ بإهانة تعمد إسرائيل قتل الفلسطينيين يوم قمة مبارك - إولمرت."

وتساءل الأبراشي "إذا كان النظام ( المصري) احتج على إعدام صدام إستنادا إلى العوامل الإنسانية... فلماذا لا يفرج عن المعتقلين؟" المصريين .

وصدر إبراهيم عيسى ،رئيس تحرير الصحيفة نفسها ،مقاله بصورة للرئيس المصري حسني مبارك مع صدام حسين تعود لفترة تأسيس مجلس التعاون العربي بين البلدين ،

والذي كان يشارك به كل من الأردن واليمن الموحد خلال الفترة من ( 1998- 19990) .

وكتب الصحفي محمد الرفاعي مقالا ساخراً عن "الدبح على الطريقة الأمريكية" ، نافيا أن يكون إعدام صدام إهانة للعرب "فهو ليس رمزا للزعامة العربية ،مع أن الإعلام جعل منه زعيما وحارسا للبوابة الشرقية للوطن.. ومع أن الوطن العربي كله ملوش أبواب من أصله" ،

وانتهى الرفاعي بنصيحة وجهها للحكام العرب "استخبوا في أي حتة (مكان)... محدش عارف الدور على مين بعد كده."

وفي الأهرام ،الصحيفة اليومية الحكومية ،تحدث نقيب الصحفيين المصريين الأسبق مكرم محمد أحمد عما اسماه "صراع شيعي ـ أمريكي" ،وقال إن الخلاف بين الإدارة الأمريكية وحكومة المالكي حول الطريقة التي تم بها تنفيذ حكم الإعدام " تكشف عن أزمة ثقة عميقة بين الجانبين‏... وعن تشكك الأغلبية الشيعية في إستراتيجية بوش الجديدة‏ ,التي تهدف إلي إنهاء الحرب الأهلية وتحقيق المصالحة الوطنية وإحداث توازن بين مصالح الشيعة ومصالح السنة ‏،وحل الميليشيات وكبح جماح قوات الصدر في مطاردة السنة.‏"

وفي الأخبار (يومية حكومية تصدر عن دار أخبار اليوم) كتب جلال دويدار رئيس تحرير الجريدة السابق "لا تفاؤل بشأن العراق "وقدم من وجهة نظره أحد الدلائل علي هذه التوقعات "ما تقوله أجهزة الإعلام عن نية بوش إرسال مزيد من القوات الأمريكية الي العراق ليصل عددها الي 170 ألف جندي وهو ما يعني سفك المزيد من الدماء وتوفير الدعم العسكري لمواصلة سياسة التمزيق والتفتيت والقضاء علي وحدة هذا البلد"

وفي الجمهورية ( يومية حكومية تصدر عن دار التحرير ) ،كتب محمد العزبي تحت عنوان "الدكتاتور.. فناناً"منتقدا الدفاع عن صدام ،وقال "احتار الناس في أمر الزعيم... إذ اختلط مشهد النهاية أمام عيونهم ،ما بين صلابة الرجل وشجاعته.. مقابل إهانته ،فتعاطف معه كثيرون... حتى بعض الذين لم يحبوه حياً."

وأضاف " أما المناحة التي تقام في أكثر من مكان بعواصم العالم العربي ،فلا تبدو جادة ولا معني لها... وبلغت النظرة ذلك العشق للطغاة . فهل نسي الناس أيام حكم صدام ،وما فعله بشعبه وبالعرب... وهل حقا تحب الشعوب حكامهم القساة ،وتعجب بهم؟.. تلعنهم وتبكيهم!."

ويشير العزبي إلى أن هناك كاتبا عراقيا ،هو رياض رمزي ،أصدر في لندن مؤخرا كتابا باللغة العربية جعله قراءة في سيكولوجية الطغاة... متخذا من صدام حسين نموذجا ،واختار للكتاب عنوانا "الدكتاتور فناناً "... ويقول فيه "إن لسان حال الحاكم الطاغية ومنهجه وأسلوبه وفلسفته هي ( اقتل... وإلا ستقتل) ، نعم يسقط الطاغية... ولكن بعد أن يسقط ويعاني العشرات والمئات والملايين من البشر ! .. ويتكرر المشهد.. وتغني الشعوب لجلاديها ،قبل الشنق... وبعد الشنق!!."

وكتب أيضا بهاء الدين أبوشقة عن "الإستراتيجية الأمريكية... بعد إعدام صدام" ،وهو الموضوع الذي إستاثر باهتمام الكثيرين من كتاب الأعمدة في مختلف الصحف المصرية .

وفي الوفد ،وهي صحيفة يومية تصدر عن حزب ( الوفد الجديد) الليبرالي... وهي أقدم الجرائد المعارضة ،كتب سعيد عبد الخالق "صدام خرج من الحياة... وأمريكا لن تخرج من العراق !!.." ،وساق لذلك التكهن أدلة منها أن " أمريكا ذهبت إلي العراق لأغراض إقتصادية بحتة... وعنوانها: الدولار البترولي في الشرق الأوسط ،ولتأكيد هذا الدور... إنتشرت القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ،وخاصة حول منابع النفط... والأهداف محددة: دعم إسرائيل ،ونهب الثروات البترولية في المنطقة العربية."

وقالت جريدة الفجر (أسبوعية مستقلة ليبرالية) إن إعدام صدام جاء موافقا لموعد أحد الاحتفالات اليهودية "وهو صيام العاشر من شهر طابات الذي يرمز لبداية عملية خراب الهيكل الأول" واعتبرت ذلك إهانة إضافية للمسلمين.

وفي أخبار الأدب (أسبوعية ثقافية تصدر عن مؤسسة دار أخبار اليوم) حاور نائل الطوخي بعض الشعراء والنقاد تحت عنوان "بين غريزة الانتقام ولعبة الديمقراطية .. رسائل غرفة الإعدام..الشنق في توقيت الأضحية .. التمثيل بالعروبة" منهم الشاعر عبد المنعم رمضان الذي رأى "أن حدث الإعدام كان تتمة الرسالة الأمريكية ذات الوجه الصليبي الواضح".

أما الكاتبة والناقدة فريدة النقاش فقد أشارت إلي مقال روبرت فيسك في صحيفة (الإندبندنت) البريطانية والذي دار حول أن التعجيل بإعدام صدام كان يهدف إلي التخلص من أي أسرار قد يحملها معه". بينما قال الشاعر محمود خير الله أن الحكومة العراقية تتصرف بشكل انتقامي عشائري .

وأضاف أن "الحزن العربي لم يكن علي صدام و إنما لان إعدامه تم علي يد الغزاة، أما من حزنوا عليه من المصريين فهم الذين عاشوا في العراق ورأوا أن هناك توزيعا عادلا للثروة أكثر مما في مصر، أما في سائر الشعوب فلم يكن هناك مجال للتعاطف مع دكتاتور"

ونشرت مجلة روزاليوسف (أسبوعية تصدر عن مؤسسة روزاليوسف) لشفيق أحمد على مقالا بعنوان " إعـدام.. بـوش" قال فيه "إذا كانوا قد أعدموا صدام بتهمة أنه قتل (148) عراقيا.. فكم مرة يجب أن يعدم بوش الذي قال "بعضمة" لسانه انه قتل ثلاثين ألفا من المدنيين العراقيين".

كما أشار لما سماه أكذوبة المشروع التسليحي النووي العراقي مستعرضا التصريحات الأمريكية التي أقرت أن العراق لم يكن يشكل خطرا نوويا.

ونفس المعنى ذهب له سعيد عبدالخالق في صحيفة (الوفد) اليومية الناطقة باسم حزب الوفد الجديد الليبرالي وهي أقدم الجرائد المعارضة اليومية عندما كتب "صدام ورامسفيلد وشارون .. حماية أمريكية!!"في حين واصل في الوفد أيضا محمد مصطفي شردي ما كتبه السبت حول ما اعتبره الدور الإيراني المتعاظم بالعراق وأشار لما أعلنته القوات الأمريكية في العراق عن كشف عدة مخابئ لأسلحة إيرانية الصنع تم إخفاؤها في محافظة الأنبار (غرب بغداد) وكذلك اعتقال بعض المسئولين الإيرانيين في بغداد.

وقارن عبد الخالق بين تقاربين في التعامل مع شيعة المنطقة وقال "وبينما ننظر نحن لشيعة لبنان علي أنهم أبطال يقودهم الزعيم حسن نصر الله ضد إسرائيل، تختلف نظرتنا عندما نتجه للعراق ويطرح تساؤلا أقرب للتخوف "إذن ما الذي تخطط له إيران بالنسبة للعراق؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن نجيب عليه وأن نواجه خلفياته وأبعاده.أمريكا لن تستطيع الاستمرار في العراق الي الأبد".

أما المؤرخ والكاتب المعروف الدكتور جمال بدوي فواصل مقالاته حول العراق التي ينشرها في عموده اليومي بالوفد وكتب عما سماه "المحرقة العراقية" مستعرضا الجدل الدائر في الكونجرس حول زيادة القوات الأمريكية بالعراق متوقعا أن ينفذ بوش رأيه في النهاية مهما بلغ الاعتراض، بسبب الصلاحيات الممنوحة للرئيس دستوريا في مثل هذه الحالات.

ونقلت الجريدة عن شخصيات عراقية وجود تحركات تشهدها عمان وعواصم دول الجوار العراقي لدراسة إمكانية تنظيم مؤتمر إقليمي حول العراق يضم دول الجوار، الي جانب مصر وجامعة الدول العربية، فيما لم تجزم بمشاركة دول الخليج العربي.

وقال الدكتور مؤيد الونداني ممثل جمعية حركة القوي الوطنية والقومية العراقية إن هذه التحركات تأتي في إطار ما نصت عليه توصيات تقرير (بيكر - هاملتون)،والتي دعت الي عقد مؤتمر إقليمي يضم دول الجوار الي جانب مصر، يليه مؤتمر دولي.

وكانت لجنة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي برئاسة وزير الخارجية الامريكي الاسبق جيمس بيكر قدمت تقريرا يوم 6 من الشهر الماضي يتضمن (79) توصية بشأن انقاذ الوضع في العراق واعادة النظر في الاستراتيجية الامريكية في العراق وتضمن تهديدا بقطع الدعم عن الحكومة العراقية في حال عدم قيامها باجراءات سريعة لتحسين الوضع في العراق.

أما مجلة (الأهرام العربي) وهي أسبوعية حكومية تصدر عن مؤسسة الأهرام فقد أفردت ملفا كاملا لإعدام صدام معوضة احتجابها الأسبوع الماضي بسبب الأعياد، وحملت مقدمة الملف التي كتبها رئيس تحريرها "أخطأت حكومة المالكي في العراق والإدارة الأمريكية بإعدام صدام حسين‏,‏ تصور كلاهما أن الإعدام يمنحهما فرصة جديدة لتجميل السياسات الكارثية هناك‏,‏ لكن الحقيقة أنهما كانا يهربان إلي الأمام غير مدركين بأن التداعيات السياسية الأمنية لقرار الإعدام كفيلة بالتعجيل بالنهاية السياسية المحتدمة لحكومة المالكي‏".

ونشرت المجلة تسلسلا لحياة صدام حسين،والطريف أنها ذكرت أنه في عام 1959‏ شارك في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم ثم فر إلي الخارج‏ ولم تشر إلى أن هذا الخارج هو مصر لتقفز المجلة بعدها للعام 1964.

كما نشرت المجلة حوارا مع الشاعر العراقي الدكتور حاتم الصكر ‏أكدفيه انتهاء زمن أمير الشعراء وأن الـواقـع العربي ضد الشعر.‏

ونشر مهدي مصطفى (الذي كتب في نوفمبر الماضي أن هناك خطة سرية سيطلق على إثرها صدام بعد شهرين ويعود للحكم!) موضوعا بعنوان "المالكي والحكيم والهاشمي نفذوا وعد بوش" نقل فيها ما تناقلته وكالات الانباء العالمية حول الحدث واصفا إياه "أسرار إعدام صدام حسين" كما نشرت المجلة ما اعتبرته " فرح في إسرائيل‏" كعاقبة للإعدام.

وفي جريدة الأهرام (يومية حكومية تصدر عن مؤسسة الأهرام) وبصفحتها الأولى ظهر الاهتمام الجلي بوضع القوات الأمريكية بالعراق ومناقشات الكونجرس في نفس الصدد

"جنود أمريكيون مثلوا بجثث ضحايا مذبحة حديثة بعد قتلهم .. مواجهة بين الديمقراطيين وبوش حول الحرب العراقية الدعوة إلي عدم إرسال قوات إضافية‏ والانسحاب خلال ستة أشهر.. تحذير من أن الجيش الأمريكي معرض للانهيار دون تحقيق مكاسب".

كما نقلت في صفحة الشؤون العربية "المالكي يهدد الدول المنتقدة لإعدام صدام ويتعهد بتنفيذ الأحكام القضائية ضد أعوانه .. القوات العراقية والأمريكية تبدأ قريبا خطة أمنية أطلقتها واشنطن للتصدي للعنف".

أما المصري اليوم (ليبرالية والأكثر توزيعا بين الصحف المستقلة اليومية) وفي صفحة الرأي نشرت مقالا للدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة تحت عنوان "حتى لا يصبح إعدام صدام مقدمة لإعدام العراق" واعتبر صدام رئيسا قابلا للمحاكمة التي كان يجب أن تتم على يد شعبه، منتقدا إجراءات المحاكمة واقتصارها على قضية واحدة مشيرا للحظات الأخيرة في عمره التي جعلت البسطاء يتعاطفون معه أكثر "وليس فقط النخبة المرتبطة بنظامه ايديوجيا أو مصلحيا".

وكتب الدكتور محمود خليل أستاذ الإعلام حول ما بعد الإعدام ودور إيران التي ستكون الوريث الشرعي لأمريكا بالعراق وان أمريكا ستنسحب تاركة المجال لحرب مستعرة بين الدول السنية والشيعية-على غرار حرب إيران العراق- دون أن تسمح لأيهما بانتصار نهائي على الآخر وستكسب ساعتها اقتصاديا ببيع أسلحتها وتدمر التجربة الإيرانية بأيد غير أمريكية و ستعيد رسم خريطة الشرق الأوسط والخليج.

وكتب الدكتور عبدالمنعم سعيد رئيس مركز الدراسات بالأهرام وقال انه كان يفضل خيار المحاكمة الدولية على المحاكمة المحلية ، مشيرا الى رفض كثير من الكتاب العرب الأولى لكنهم عادوا لانتقاد المحاكمة العراقية باعتبارها غير نزيهة.

واعتبر ان التعاطف مع صدام هو "نفاق عربي جماعي وعاجز عن استقراء أصل القضية وبالتالي كان فاشلا في استقراء مستقبلها" كما اعتبر أن مرحلة من تاريخ العراق انتهت لكن "يبدو انه ليس في رد الفعل العربي على إعدام صدام ما يدل على نهاية الشعارات أو أن الستار قد أسدل على مسرحية طالت أكثر من اللازم".

شبكة النبأ المعلوماتية - الاربعاء 10/كانون الثاني/2007 - 19 /ذي الحجة /1427