العربي في بلاد المهجر وفي أوربا بشكل خاص تجاوزت أزمته النفسية
مرحلة الإحراج وأصبح عابرا لمرحلة الانفصام.
كان حائرا بين واقع يرفضه ولكنه مرغم على العيش فيه، وبين حلم
يتعلق به ولكنه عاجز عن تحقيقه. وأصبح يتأرجح بين الشعور بالإحباط بسبب
تشبثه بغيتو لا مفر منه وبين شعور بالتحدي بسبب رغبته فى اخضاع ظروفه
لأرادته.
وقد تركت هذه الحالة المعقدة آثارا على البنية الاجتماعية
والاقتصادية للجاليات العربية التي لا تزال مصرة على البقاء في اوربا
رغم الأحدات الدولية والمحلية في بلاد المهجر التي عصفت ولا تزال
بالعالم وخاصة المهاجرين الأجانب بشكل عام.
يقال قد تنجح في أن تريد ما تكون ولكنك تفشل في ان تكون ما تريد,
ولعل العربي الذي أراد أن يعيش في مجتمع غريب ومعاد قد جسد عكس ذلك,
فقد نجح في أن يكون على مستوى التنظير، ولكنه فشل في أن يريد ما يكون
على مستوي علاقاته مع المجتمع الذي يعيش فيه. المأساة ليست في أن
العربي مثقل بالماضي الذي يتغلغل فيه من حيث لا يدري وإنما في كونه
تعلق في الهواء على شفا هاوية ولا من سعي لإنقاذه.
قد نصل للحماقات من فرط إصرارنا على التمسك بالحكمة كما في القول
ألمأثور (ينقلب في حالة الحاجة للوصول للحكمة من فرط اصرارنا على
الحماقه). وهذا يختصر واقع العربي في اوربا، انه يمارس الحماقة على أمل
الوصول للحكمة ذات يوم، غير أن الحكمة في اوربا لا تقاس برغبات
الطامحين والمتصوفين.
ويمكن ايجاز خصال العربي في اوربا بما يلي:
الشرنقة
فانه يبني لنفسه أو لعائلته بيتا معزولا قويا يقيه شر العواصف ولا
يفكر بالخروج منه الا للمجابهة ألمجانية، فيكون ذلك كالشرنقة التي
تلتف حوله فتخنقه بدلا من حمايته كما أراد.
الأنشطار
يتبع المهاجر سلوكين متناقضين احدهما للتظاهر والاستهلاك الخارجي
يتصف بالكياسة والانصياع، والآخر للقمع الداخلي ويتصف بالشراسة
والفضاضة والعدوانية, وبين السلوكين تتكون شخصية فريدة في تناقضها
وغرابتها وأنسحاقها, تقفز من تطرف الى تطرف مضاد دون توقف, من الدمعة
السخية دون مبرر الى قهقهة مجلجلةعلى موقف عسير، من الثورة التدميرية
بدون حدود الى انصياع طفولي ذليل ليس له هدف او جدوي.
الأنهيار
يقلص من امكاناته بشكل ارادى, كأنه يعاقب نفسه على ذنب لم يقترفه,
ويضخم من امكاناته كأنه يعاقب الآخرين على موقفهم منه، وهذه الحركة من
التقليص للتضخيم تنعكس على أنماط سلوكه اليومي حتى يصعب التعرف على
حقيقته. وحتى عندما يخرج من الشرنقة والغيتو وينتقل الى ترف النخبة
ويصبح قادرا على ألمشاركة مخترقا المحرمات المكدسة أمامه وخلفه يحمل
معه فى عملية الأنتقال الخصال الثلاث تلك كالوشم على جبينه ويفشل فى
تجاوزها وهو برىء منها.
انها الضريبة التي لابد له من دفعها مكرها اذا أراد ألبقاء غريبا
والفدية التي يفتدي بها نفسه حين يقع فى ألمحن وألمآزق. |