
تكتشف نينار اسبر في مئة سؤال طرحتها في كتابها "محادثات مع ادونيس
ابي" بحثا عن سلطة الاب الغائب ان الرجل الذي طغى حضوره على ساحة الشعر
"لم يكن ابا بل صديق". واختارت نينار اسبر في كتابها الذي صدر اخيرا عن
دار النشر الفرنسية "سوي" حوارا طويلا ومفتوحا عبر مئة سؤال طرحتها على
والدها الشاعر حول قضايا واراء ومفاهيم.
وتقول نينار اسبر في مقدمة الكتاب "اردت عمل هذه المقابلة مع ابي
ادونيس لانني كنت احتاج لمعرفته وخصوصا لقضاء وقت معه.اردت ان يحكي لي
اشياء ان يجيب على اسئلتي اسئلة ابنته".
واوضحت لوكالة فرانس برس ان فكرة الكتاب "بدأت في 2003 اول المشروع
جاء من رغبتي في قضاء وقت مع والدي لانه في الاعوام العشرين الاخيرة
خلال فترة الطفولة والمراهقة سافر كثيرا وكنت كلما اردت ان اقضي معه
وقتا وجدته منشغلا في الكتابة او على الهاتف او غيره". واضافت "حضرت
مئة سؤال لا علاقة لها بالشعر الذي كتبه والدي ادونيس وقيمته ولا
بالرمزية في اعماله اسئلة بنت لابيها تبدو احيانا محرجة او صعبة او لا
تهمه (...) وفي النهاية وبعد تجاوبه احسست ان المحادثات يمكن ان تصدر
في كتاب".
وتقول هذه الفنانة التشكيلية اصلا "اكتشفت من خلال الكتاب للمرة
الاولى انه لم يكن ابا بل صديق وكنت احتاج لسلطة الاب" موضحة ان "المصادفة
الحلوة جاءت من انه جرب ان يعتمد هذه السلطة من خلال بعض اجوبته".
وردا على سؤال حول ما قدمه الكتاب الى كل منهما اكدت "من خلال
اسئلتي واجوبته تعرف علي اكثر وعرف من انا وكيف افكر. من ناحيتي رأيت
اشياء فيه لم اكن لاراها قبل ان يدخل اللعبة بعد الحاح كبير وملاحقة من
قبلي وتأكيدي ان الأمر ضروري ومهم جدا بالنسبة الي". وتوضح نينار اسبر
"كان في اجوبته اشياء طمأنتني لانني منذ تركت لبنان قبل عشرين عاما الى
فرنسا وكنت في الثالثة عشرة حدث داخلي شرخ او كسر سيستمر من الآن وحتى
آخر أيام حياتي حتى لو ذهبت الى القطب".
وفي نهاية حوارها النابع من رغبة عميقة في الالتقاء بالاب ومقاربته
بعيدا عن شعره الذي لم تقرأه ابنته "عندي احساس انني التقيت ابي في
النهاية من خلال صدفة مدروسة". وبعض الاسئلة في الكتاب سهل لكن بعضها
معقد وتقول "اردت ان يكون لي هذا الحق (حق طرح الاسئلة) بكل حرية بعيدا
عن شعر ادونيس (...) على ادونيس الاب والانسان".
والمفاجأة في الكتاب ان ادونيس كان لديه احيانا اجوبة تقليدية عادية
يتبناها اولا قبل ان يقوده سؤال جديد الى مجاراة ابنته في تفكير اكثر
حداثة. فهو يحتج على ابنته حين تسأله عن الجانب الأنثوي فيه بالقول ان
اسئلتها نظرية جدا وفي النتيجة "لا يمكن اعطاؤك جوابا صحيحا تماما يمكن
ان اعطيك انطباعا ما احساسا ولكن لن يكون لذلك علاقة بالواقع". ويضيف
معلقا على الاسئلة ان "اسئلتك واقعة بين مجتمعين حديث وآخر ليس كذلك.
عندي احساس انك انت من لديه صعوبة مع المجتمعين كأن كل اسئلتك على
علاقة بالصعوبة التي تعيشينها". كما يقول ادونيس "اينما حللت خلقت
مكاني الخاص.اتعلق بالامكنة التي تتيح لي مجال الازدهار والعمل وتسمح
لي بممارسة كل انشطتي. قلت دائما ان وطني لغتي. علاقتي بعوالم اللغة
اقوى من علاقتي بالناس والامكنة". ويضيف ادونيس ردا على سؤال عن اللغة
"لا اجد نفسي في اي لغة اخرى. اللغة العربية تسكنني الى درجة انها تغار
من كل اللغات الثانية. هذا التجذر للغة العربية في جعلني لا اكون
موهوبا في اي لغة اخرى. لقد حاصرتني العربية واحبتني الى درجة منعتني
من تعلم اي لغة خلاها". غير ان هذه اللغة ستبقى حاجزا بينه وبين ابنته
التي تجيد الفرنسية اكثر من العربية.
ويكشف الحوار للقارىء ان ادونيس يود ان يمارس دور الاب الفعلي لو
عاد التاريخ الى الوراء ويقول ان والده الذي توفي مبكرا كان صديقا له "اردت
ان نرى بعضنا اكثر ان نتعارف اكثر ابي لم اكن اعرفه لذلك هو حاضر دائما
في بالي لكأني اريد ان اعوض هذه الخسارة التي اتت باكرا". اما عن
علاقته بالقرية فيقول انه حين تركها لم يكن يرغب في العودة اليها لكن
اليوم بعدما انجز شيئا بدأ التفكير بالقرية وبالوالد العائد القرية "الذاكرة
التي تشكل جانبا اساسيا من الحياة والروح والعواطف".
ويلاحظ ادونيس ان " كل مجتمع يعيش مستويين من الحرية احدهما ظاهر
والآخر مخبأ يشهد قدرا اكبر من الحرية. لكن هذه الخصائص السرية غير
معترف بها". وفي النهاية يتفق الاب مع ابنته على ان المرأة حتى في
المجتمعات المعاصرة يجب ان تكون اقوى لتستطيع التغلب على المصاعب التي
تواجهها في المجتمع. وفي رده على الاسئلة عن المرأة والعمل الفني
المبدع ودور الام المعيق فنيا قال "لا يمكن ان تضع طاقتك في عملك الفني
وفي فنك والاولاد انه استنتاج عنيف" من هنا على المراة ان تكون قوية
وان تولد ثلاث مرات جهودا اكثر من اي شخص آخر". ويضيف "لتكونوا اقوياء
عليكم ان تكونوا انفسكم" ينصح ادونيس ابنته وجيلها. وكانت نينار اسبر
اصدرت كتابا بعنوان "ليل الاول" عن دار النهار في بيروت عام 2001 لكنها
في الاساس فنانة تشكيلية تحضر حاليا لمعرض فن تركيبي في نيويورك وانجزت
عددا من الافلام التجريبية. ويعرض عدد من هذه الاعمال حاليا في مهرجان
"كوتيه كور" في ضاحية باريس الذي يكرم الافلام القصيرة والشابة
اللبنانية.
وتقول ان افلامها قائمة على فكرة ان "اصور كل يوم شيئا ربما يكون
تافها او اول شيء تقع عليه عيني كالحائط او حذائي". |