حلم الفرار من الوطن.. لازال قائماً

زاهر الزبيدي

 

منذ عقود من الزمن عندما جار الزمان على شباب العراق؛ كان حلم الفرار من وطن الموت أشد الأحلام التي سيطرت على عقول أبناءنا من الشباب، وعلى الرغم من إرتفاع تكاليف السفر ونتاجات الغربة المؤلمة وعدم وجود مستقبل واضح في الخارج من حيث العمل؛ إلا أنه حلم طالما راود ابناءنا ولازال حتى اليوم يقبع في رؤوسهم غير آبهين بالوطن.. متوسمين في غربتهم أن تجلب لهم الأمن والأمان بعد أن عزَّ على الوطن أن يهديها لهم.. فهو راض أن يقبع في أي ركن ما من العالم يعمل بأي عمل ما حتى لو امتهنت به كرامته وذلَّ كبرياءه الأشم.

فشبابنا ما أن يتركوا الوطن ويخطوا أول خطوة لهم خارج حدود خريطته حتى يمزقوا كل أوراقهم الرسمية بما فيها جوازتهم وكأنهم يودعون ما مضى من عمرهم الى مهب الريح لتتلاقفهم هناك أيدي اللجوء بحثاً عن الوطن الجديد الموعود حيث الغربة والوحدة، يتركون خلفهم شمساً مشرقة الى نهار يطول إنتظاره في أصقاع شمال الأرض.. ولما الغربة وهم غرباء في وطنهم حيث لا مال لهم ولاعناية، يكابدون في يومهم آلاف المحن ليس بأشدها الموت بعبوات الإرهاب وليس بأقلها أن لا عمل يجزي خروجهم اليومي الدامي للموت منذ الصباح الباكر بما يكفي قوت يومهم.

يتحدث العالم بلغة الإنسانية عن اللجوء حيث يقول الأمين العام للأمم المتحدة في رسالته لعام 2012 في اليوم العالمي للاجئين " يبيِّن تقرير الاتجاهات العالمية الذي صدر أخيرا عن مفوضية شؤون اللاجئين أن الحلول المتاحة تعجز عن مواكبة وتيرة التشرد. فيجب علينا أن نتكاتف لتعبئة الإرادة والقيادة السياسية اللازمة لمنع نشوب النزاعات المتسببة في موجات النزوح ووقف ما هو دائر منها. وحيثما استتب الأمن مجددا، يجب أن نتصدى للأسباب الجذرية للنزاع، وتهيئة ظروف العودة الدائمة للاجئين عن طريق تأمين مصادر كسب الرزق وتوفير الخدمات وإرساء سيادة القانون".

العراقيون من كل الأعمار والأجناس ينتشرون اليوم في أصقاع العالم وما دفعهم لذلك إلا الخوف من بطش الإرهاب وشظف العيش، ولما لا يخافون ونحن مع كل أزمة سياسية نكون على مرمى حجر من الموت قتلاً على الهوية.. ولما لا يصبحوا لاجئين في بلد يحترمهم ويقدم لهم الخدمات أكثر مما يقدمها لهم وطنهم ولما لا يصبحوا لاجئين ولم يعينهم أحد ما على تحقيق ذاتهم المفقودة في وطن الخير والثروات ولما لا نودع كل تراثنا فيه وكل حبنا لثراه ولا نجني من ذلك الثرى إلا مكان قبورنا وأحياناً بدون شواهد تشير الى تأريخنا فيه ولما لا نصبح لاجئين ونحن لا نأمن على يوم واحد آت، ولما لا نصبح لاجئين بعدما عزَّ علينا ملجأ في الوطن نلجأ اليه من بؤس حياتنا.. وسنظل على هذا الحال تغرقنا بحور الشمال الباردة نغوص في ثلوج البلاد البعيدة ولاتعرف لنا هوية.

لقد أشارت التقارير البرلمانية الى أن هناك مايقارب الـ 4 ملايين مواطن عراقي من الذين لديهم كفاءات وشهادات دراسية معتمدة ويقيمون بدول أجنبية! في تصريح للسيد يونادم كنا رئيس لجنة العمل والشؤون الاجتماعية في مجلس النواب وذكر كنا إن «لجنتنا توصي الحكومة بتوفير الأمن و إيجاد فرص عمل ملائمة للكفاءات العراقية في الخارج لترجع إلى بلادها»، وقالت لجنة المهجرين والمغتربين النيابية العام الماضي، إنها وجهت كتبا رسمية إلى وزارة الخارجية والسفارات الأجنبية الموجودة في العراق لجمع البيانات من الجامعات العالمية لعودة الكفاءات العراقية في الخارج إلى العراق..

الى متى نظل هكذا؛ نقيّد انفسنا بسلاسل ذلَّ الغربة بعيداً عن وطن الأنبياء والثروة الخلاقة والى متى نذهب بحثاً عن ديار آمنة لنعود جثثاً زرقاء تشبعت بالماء المالح والثلوج؟ وما أشد وطأة الغربة على قلوب أولئك الذي تاهوا وتشتت آثارهم في العالم؟ ومتى العودة ومتى ننشد في الوطن أغنية للبقاء؟

دعونا نستذكر دائماً أولئك الذين تناثرت جثثهم بحثاً عن ملاذ آمن وهي فرصتنا لنعيدهم الى أرض الوطن وأن نكرم حتى موتاهم.. فنحن من دفعنا بهم الى تلك الهاوية السحيقة من الغربة المظلمة... حفظ الله شعب العراق وأعاد له طيوره المهاجرة.

zzubaidi@gmail.com

شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 20/آذار/2014 - 17/جمادي الأولى/1435

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1435هـ  /  1999- 2014م