في التقدم الاجتماعي

محمد محفوظ

 

 دائماً وفي كل الظروف والأحوال، ثمة مسافة فعلية وحقيقية بين الواقع بكل تفاصيله وأحداثه، والآمال والطموحات والتطلعات التي يحملها الأفراد والمجتمعات.. وإن بوابة إنهاء المسافة هو العمل المستديم من أجل تقليل المسافة وصولا لإنهائها.. ولأن تطلعات الناس دائما بعيدة المآل، فقد ينقضي عمر الإنسان دون أن يصل إلى أهدافه وتطلعاته.. وما ينطبق على حياة الأفراد، ينطبق على حياة الأمم والمجتمعات.

فكل المجتمعات الإنسانية تحمل أهدافا وتطلعات، والتباين بين المجتمعات يكون في هذا السياق على نحوين:

1- حجم الأهداف والتطلعات التي تحملها المجتمعات الإنسانية.. فثمة مجتمعات لاعتبارات عديدة، تحمل أهدافا متواضعة وتسعى لإنجازها دون مدى زمني محدد.. وفي كثير من الأحيان تكون هذه المجتمعات، تعاني من نقاط ضعف جوهرية وحقيقية في مسيرتها، ما يجعلها غير جادة في أحسن الاحتمالات تجاه الوصول إلى أهدافها وتطلعاتها.. وفي مقابل هذه المجتمعات المتراخية تجاه أهدافها والبطيئة في حركتها للوصول إلى تطلعاتها، هناك مجتمعات تكافح بكل قوتها من أجل الوصول إلى أهدافها، وتوظف في سبيل ذلك كل إمكاناتها وقدراتها في هذا السبيل.

وفي غالب الأحيان تكون هذه المجتمعات إما تعيش حالة نهوض عام، تدفعها نحو العمل المتواصل لنيل أهدافها، أو أنها تعيش مرحلة متقدمة من الاستقرار السياسي والتمكن الاقتصادي يؤهلانها للعمل المستديم باتجاه تطلعاتها الكبرى.

2- حجم العمل أو الجهد المبذول للوصول إلى الأهداف والتطلعات.. فكل المجتمعات الإنسانية تتطلع إلى الأعلى، وترسم لنفسها رؤية مستقبلية بعيدة المدى.

ولكن الاختلاف الحقيقي بين المجتمعات الإنسانية، يكون في حجم الجهد والكفاح المبذول للوصول إلى الغايات والتطلعات الكبرى.. فالمجتمعات الجادة في بناء مستقبلها والتحكم في مصيرها، تبذل كل الجهود لنيل ما تنشده وتتطلع إليه، وتوظف في سبيل ذلك كل قدراتها المادية والمعنوية، وتوجه كل كفاءات شعبها صوب هذه الأهداف.. لذلك فإن هذه المجتمعات تكون قادرة من الناحية الفعلية للوصول إلى ما تبتغيه إما في حدوده الدنيا أو حدوده الوسط.. لأنها لم تخالف نواميس الكون في حركتها ونشاطها.. وكما جاء في المأثور (ما رام امرؤ من شيء إلا وصل إليه أو دونه) فالمجتمع الذي يعمل ويكافح ويجتهد ويعبئ كل أفراد مجتمعه للوصول لأهداف عليا محددة، فإنه يصل إلى ما ينشده، لأنه التزم بقوانين التقدم.

أما المجتمع الذي يحلم أفراده كثيرا ويتطلعون صوب أهداف عليا، دون أن يسندون هذا التطلع بالعمل والجهد المطلوب، فإنهم لن يصلوا إلى أهدافهم، وسيتراجع موقعهم ودورهم في الدورة الحضارية الإنسانية.

فلا يكفي أن نحمل أهدافا وطنية عليا، وإنما هذه الأهداف بحاجة إلى جهود وطنية متراكمة بمستوى الأهداف والتطلعات.. وهذه الحقيقة هي ما تعلمنا إياه كل التجارب الإنسانية الناجحة والمتقدمة.. فلا يوجد على وجه هذه البسيطة أمة أو مجتمع، تمكن من اجتراح تقدمه والوصول إلى غاياته وتطلعاته القريبة أو البعيدة، بدون كفاح وسعي واستراتيجية عملانية متكاملة، لتذليل كل الصعوبات والتقدم بخطى ثابتة صوب الغايات والتطلعات.

فالتقدم الإنساني لا يتحقق صدفة أو فجأة، وإنما هو وليد الرؤية الواضحة والإستراتيجية الصحيحة والعمل المتواصل.. ودون ذلك ستبقى التطلعات مجردة وصعبة الانجاز.. المجتمع الذي يتطلع كثيرا، دون أن يمتلك الاستعداد الكافي لدفع ثمن تحقيق أهدافه، فإنه لن يتمكن من التقدم مهما علا صراخه أو زادت طموحاته وآماله.. فالطموحات المجردة لا تغني ولا تسمن من جوع، بل قد تسبب انهيارات نفسية واجتماعية، تزيد من الصعوبات والعقبات.

والأمم الإنسانية جمعاء، لا تتنافس مع بعضها البعض في حجم صراخها أو طبيعة آمالها وتطلعاتها، وإنما تتنافس في العمل وجودته وفي الجهد الجماعي وقدرته على تذليل الصعوبات والاقتراب من الأهداف والغايات العليا.

ونحن حتى لا نصاب بالانبهار من تقدم الأمم ومنجزاتها الحضارية، بحاجة إلى التأكيد على النقاط التالية:

1- في الوجود الإنساني ثمة علاقة عميقة بين عالم الأسباب وعالم النتائج، والفصل بينهما هو الذي يضيع الكثير من الجهود والطاقات.. والمجتمع الذي ينبهر بنتائج المجتمعات المكافحة والمتقدمة دون استيعاب عالم الأسباب، فإنه سيبقى في مكانه جامدا.. لأن الانبهار لا يؤسس لفعل حضاري – نوعي في أي بيئة اجتماعية وإنسانية.

من حق أي إنسان أن يفرح بمنجزات الإنسان في حقول الحياة المختلفة، ولكن هذا الفرح ينبغي أن يقودنا إلى احترام هذه الجهود التي أنجزت هذه الانجازات، والتعرف العميق على كل الأسباب التي ساهمت بشكل مباشر وغير مباشر ومن يبحث عن تقدم مجتمعه وتطور أمته، فعليه أن يقبض على كل الأسباب المفضية إلى التقدم والتطور، ويعمل على تبيئتها وغرسها في واقعه الاجتماعي والإنساني.

فالتقدم الاجتماعي ليس وليد الرغبة المجردة أو الصراخ العالي، وإنما هو وليد الكفاح والجهد والعمل المنظم والخاضع لإستراتيجية وطنية واضحة وممكنة التحقيق.

وهذه القيم هي التي تعمل الفارق الحقيقي بين المجتمعات والأمم.

فحتى الأمم القادرة في ثرواتها وإمكاناتها البشرية، إذا تخلت عن قانون التقدم المذكور أعلاه، فإن كل ثرواتها وإمكاناتها لن تنفعها إلا في تعميم النزعة الاستهلاكية – الترفيهية، التي تتمكن من شراء سلع التقدم العلمي والتكنولوجي دون القدرة على معرفة أسرارهما أو القبض على أسبابهما الحقيقية والجوهرية.. لأن عوامل التقدم الاجتماعي عوامل موضوعية، ليس لها دخل في طبيعة العقيدة السائدة أو القناعات الإيمانية المنتشرة.. فالمجتمع بصرف النظر عن إيمانه وأيدلوجيته، حينما يتمسك بأسباب التقدم فإنه يتقدم ويجترح تجربته الحضارية المتميزة حتى ولو لم يؤمن بأي شيء على المستوى الاعتقادي.

أما المجتمع الذي لا يتحمل مسؤولية بناء راهنه، ولا يغرس في بيئته الاجتماعية أسباب تقدمه وتطوره، فإن هذا المجتمع مهما كانت أيدلوجيته سيبقى خارج حركة التاريخ وبعيدا عن فعل التقدم والإبداع.

2- إن إنجاز مفهوم التقدم في الواقع الاجتماعي والإنساني، لا يمكن أن يتحقق دفعة واحدة، بحيث في لحظة واحدة ينتقل هذا المجتمع أو تلك الأمة من مرحلة ما قبل التقدم إلى التقدم.. لأن هذا ببساطة شديدة خلاف نواميس الوجود الإنساني.. فالتقدم الاجتماعي هو عبارة عن مجموعة من المنجزات والخطوات الإيجابية.. وهذه المجموعة تتحقق وفق مدى زمني مفتوح.. لذلك من الضروري في هذا السياق بيان حقيقة أن مفهوم التقدم الاجتماعي بحاجة إلى مدى زمني، كما أنه لا يمكن أن يتحقق إلا عبر دفعات وبالتدريج.. فمن الأهمية بالنسبة إلى المجتمعات التي تنشد التقدم وتعمل إليه، أن تحمي منجزاتها ومكاسبها الصغيرة لأن هذه المنجزات والمكاسب هي عبارة عن عتبة يرتقي إليها المجتمع تقربه خطوة أو خطوات إلى غاياته وتطلعاته الكبرى.. فالتقدم في الأمم والمجتمعات أشبه ما يكون بسباق الماراثون، فكل خطوة يخطوها المتسابق تقربه نحو خط النهاية.. ومن يمتلك اللياقة الكافية والمهارة الرياضية وخبرة المسابقات الرياضية، هو من سيتمكن من تحقيق المركز الأول.. وهكذا مشروع التقدم الاجتماعي، فكل مبادرة اجتماعية إيجابية هي خطوة إلى الأمام في مشروع التقدم.. ومن يتطلع إلى تقدم مجتمعه، عليه أن يشجع ويسند كل المبادرات والخطوات الإيجابية التي تقرب المجتمع صوب غاياته العليا.

3- كلنا يعلم أن طريق انجاز التقدم الاجتماعي ليس معبدا وسهلا، وإنما هو مليء بالأشواك والصعوبات.. ووجود هذه العراقيل ينبغي أن لا يدفع أصحاب مشروع التقدم الاجتماعي على التوقف أو الخضوع لسياسة ردود الأفعال، التي تضيع الاستراتيجية، وتحول دون التوجه المركزي صوب مشروع التقدم.. وكل المجتمعات التي تقدمت، لم تتقدم بدون صعوبات، وإنما واجهت الكثير من الصعوبات، وإن المطلوب ليس الخضوع لها، وإنما مواجهتها والتغلب عليها، والاستمرار في مشروع بناء حقائق التقدم في الفضاء الاجتماعي.

شبكة النبأ المعلوماتية- الثلاثاء 10/كانون الأول/2013 - 6/صفر/1435

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2013م