شبابنا بين الضياع والثبات في زمن المتغيرات

علي ال غراش

 

الشباب هم أمل وقوة أي أمة للتغيير والتطوير نحو الافضل، فهم السواعد الاولى للتحرك ودعم اي حراك اصلاحي وتغييري.

ولكن هل شبابنا يدركون أهميتهم وقدرتهم وقوتهم، وهل لديهم تفكير وتطلع للتغيير، في زمن المتغيرات ومرحلة اثبات ارادة الشعوب؟.

وهل شبابنا مستعدون لتحمل مسؤولية التغيير والإصلاح والتضحية ك الشباب الذي يقود الحراك في المنطقة؟.

 ام انه يعيش حالة من الضياع، والتمرد مع الذات ومع كل ما حوله، من عادات وتقاليد وقوانين وضعية وأحكام شرعية، وانه محبط، لا يعرف ماذا يريد وما هو مستقبله،.. أي انه يعيش بدون هدف؟؟.

وهل لسياسة السلطات وتعاطيها مع فئة الشباب، دور في قتل روح حيوية الشباب والهمة والتطلع وبناء المستقبل والهدف؟. والتشجيع على الميوعة والكسل والخمول وحب الراحة والمادة؟.

وهل سياسة السلطة جعلت بعض الشباب يعيشون حالة من الازدواجية في الشخصية، في داخل المنزل شخصية وخارج المنزل شخصية أخرى، وكذلك في داخل الوطن سلوك وفي خارجه سلوك مختلف؟!.

شباب يعيشون على الهامش، يشعرون انهم لا قيمة لهم، كل شيء ممنوع، وعليهم ان يقبلوا كل ما يأتيه من أفكار جاهزة مغلفة من الدولة ومؤسساتها، لتقديس السلطة والحاكم والشيخ، وتكريس ثقافة الشيخ اعرف وأبخص.

وبذلك ضاع الشباب وضاع بضياعه اهم مصدر قوة للوطن والأمة، الذي يعتمد عليه في حماية وتطور الوطن.

أما ان الحكم بالعموم بذلك على جميع الشباب، فيه ظلم كبير لفئة من الشباب الواعي الذي كلما أراد إثبات النفس وتحمل المسؤولية والتصدي، ورفع الصوت للمطالبة بالحقوق والإصلاح والتغيير وتطبيق العدالة..، شباب يتعرض للاعتقال والتعذيب والحكم عليه بالسجن، في محاولة ليبقى الشباب فقط مجرد أصفار... بلا قوة ولا أخلاق ولا دين حقيقي الا غرور وتمسك بقشور التدين، وبلا إيمان حقيقي ومعرفة أو وعي، ومطالبة بالحقوق!!. ولكي يبق شباب المجتمع علامة غير (مختلف) عن بقية شباب المنطقة، بحجة انه صاحب ثقافة غير تكرس قول: (أرفع راسك انت غير)!!.

كيف ينظر شباب مجتمعنا إلى دور الشباب في قيادة الثورات في الدول التي شهدت ثورات شعبية؟.

عموما وصلت لي رسالة مؤخراً من أحد الشباب، تظهر مدى تفكير عينة من هذه الفئة -الشباب-.

يتساءل هذا الشاب قائلا: إني اشعر بالضياع، لا قيمة لي في الحياة، ففي هذا الوطن كل شيء ممنوع وحرام، والأهل لا يفهمونني، والدراسة تحطم الطالب لا علم ولا معرفة ولا تربية، وبعد التخرج لا يوجد مقعد بالجامعة ولا عمل، لقد كرهت الحياة بسبب القوانين والتخلف، كل الدول المجاورة لنا افضل منا، ونسافر لتلك الدول حتى نتنفس الحياة، وعندما نرجع نتمنى الموت لان الحياة في هذه البلد موت بطيء، ومن لا يقبل بالموت يتمرد ويتصرف تصرفات سيئة وعدم مبالاة وتخريب وتدمير وتجاوز الأحكام الشرعية ومخالفة القوانين...، ليقول انا هنا، انها صرخة تعبير عن اليأس والإحباط، لانه لا يوجد من يسمع له بل غير مسموح له ان يعبر عن رأيه ومشاعره، أو يكون له اي دور في البلد، وبسب ذلك الشعور بالضياع يسقط الكثير من الشباب في الهاوية والأجرام والاستغلال من قبل المجرمين.

 سؤالي لك كيف اصبح مواطنا مقاوما للظلم والفساد والاستبداد وان يكون لي دورا مؤثرا وفعالا في المجتمع وصناعة التغيير؟.

وقد رديت عليه..، وبعد اطلعه على الرد، طلب مني ان انشره كمقالة، لتتم الفائدة العامة لجيل الشباب.

واحتراما وتقديرا لفئة (الشباب) التي تشكل الأكثرية في بلادنا العزيز وأمتنا العربية والغالية، فالشباب يستحق منا الكثير من الاهتمام والتشجيع وغرس الثقة لديهم.

الإنسان والمقاومة

الإنسان بفطرته يولد ولديه روح المقاومة، فكل شيء لا يتحقق له الا بالمقاومة: لكي يتعلم لا بد له ان يقاوم الجهل، ولكي ينعم بالصحة والغنى لابد ان يقاوم الكسل والخمول، وإذا أراد ان يعبد الله حقاً لا بد ان يقاوم ويرفض أي اله وأي عبادة لغير الله اولا،(لا اله الا الله)، واذا أراد تغيير النظام الشمولي الدكتاتوري والاستبدادي والظلم والفساد في الوطن، لابد له من رفض ومقاومة الظلم والفساد، وان يعمل لإقامة العدالة الاجتماعية ودولة النظام والقانون، واذا اراد الاصلاح لنفسه ينبغي له ان يقاوم غريزة حب الذات الانا والانانية والتملك والسيطرة والغرور والجشع..، وان يعمل للمجتمع والامة، وعليه احترام القوانين.

التغيير مطلب إنساني

(ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، أي تغيير ينبع من نفس الإنسان من داخله، وهذه سنة الله في الوجود، واذا كان الوضع القائم في البلاد غير صالح وغير عادل..، وأحوال العباد غير سليمة..، والمجتمع وبالخصوص الشباب يريد ان يغير ويصلح وضعه ووطنه وما حوله، فهو قادر على ذلك اذا هو أراد بحق ان يتغير ويغير، فالتغيير يأتي منه اولا، والمرحلة الأولى تبدأ بالتغيير لما في النفس الذات من افكار، ومعرفة الاسباب والقابلية التي ساهمت في استمرار الوضع القائم الفاسد، وانتشار الظلم. اي القضاء على الأرضية التي تساهم في نمو ثقافة الاستبداد والاستعباد والخرف والصمت والفقر والجهل.

التغيير مسؤولية المجتمع

ولا يمكن اصلاح الفساد والاستبداد وتغيير الوضع القائم وإنقاذ المجتمع الا بوجود مقاومين للظلم والاستبداد والقهر والفقر.

وكل فرد في الامة مطالب بالمبادرة لتحقيق ذلك التغيير، وبالخصوص فئة الشباب فهم الأكثر قدرة، وهم دائماً طليعة أي عمل تغييري، وهم من يتصدون ويتبنون طريق التغيير والإصلاح ومقاومة الوضع القائم غير العادل.

روح المقاومة

روح المقاومة موجودة داخل كل إنسان شريف تنبض بالحياة، وباستطاعته بالتالي ان يكون مقاوما لكل ما هو سلبي، وان يكون إيجابيا بتشييد وإعمار الارض وبناء الوطن وتنمية المجتمع بالعدل وبالذات من نفسه.

ولهذا ينبغي على من يتبنى خط التغيير ومقاومة الاستبداد، وقبل مقاومة العدو الخارجي الظلم والفساد والحكومات الاستبدادية، ان يقاوم ما هو سلبي لديه، مثل حب التملك والمصلحة الشخصية الأنانية والغرور وان يكون صالحا صادقا مبادرا بالتضحية، وان يؤمن ب الرأي والرأي الاخر، و بالتعددية وتبادل السلطة واحترام صندوق الانتخابات، و(الاهتمام بالبعد الأخلاقي).

الهدف والتصدي

وقد حان الوقت ليكون لكل فرد -في المجتمع من الذكور والإناث وبالتحديد الشباب- هدفا يسعى لتحقيقه، فبدون هدف يعني استمرار دوامة الضياع والتخبط والفساد، وينبغي ان يكون الهدف نبيلا ومفيدا للشخص والمجتمع وله بعد إنساني، ودور في الأعمار والإصلاح والتغيير، فهذه رسالة الأديان السماوية، من خلال مقاومة الجهل بأنواعه ومعرفة الواقع ومعرفة حقوقه الوطنية والإنسانية المسلوبة، ودوره في مقاومة الظلم والفساد في السلطة، ومقاومة الفساد الاجتماعي والأخلاقي، ودعم كل مقاوم شريف ناشط لخدمة المجتمع.

ومجال تحمل مسؤولية التغيير والتصدي متاحة للجميع من خلال التضامن والاشتراك والمساهمة والتفاعل مع اللجان والجمعيات والمراكز والقوى الناشطة (النشطاء على الارض والتضامن مع المعتقلين في السجون وبالخصوص قادة الحراك والتغيير) وغير ذلك، ودعم هذا النشاط بالعمل والكلمة والكتابة في هذا الزمن الذي يشهد طفرة لبرامج التواصل.

 ونحن ندعو للتصدي بالعمل والمقاومة لكل ما فيه ظلم وفساد وتعدي واستغلال.. بطريقة سلمية، والسلمية لا تعني الاستسلام والخنوع الى درجة الاعتداء على الأعراض (للرجال والنساء) فالموت من اجل الدفاع عن العرض والمحارم، شرف وهو اولى من الحياة مع عار الاعتداء على الشرف والعرض.

الشباب هم الأقوى

الإنسان المقاوم المؤمن بمبادئه أقوى من أي قوة في هذا العالم، فأنتم ايها الشباب أقوياء وشرف وعزة الوطن.

وإذا الظروف لا تخدم، والسلطات الحاكمة تحاول ان تحطم الإرادة والثقة في النفس والطموح لديكم ايها الشباب، فأنتم قادرون على التغيير النفسي والظهور بروح جديدة، وتغيير الواقع بشكل عملي نحو الأفضل، بفضل التحلي بإرادة إيمانية قوية فولاذية لا تقهر، وبالاخلاق العالية والتسامح وحب الإنسان، وحب الحياة، والإخلاص في الدراسة والعمل، شباب فعال ونشيط للمطالبة بحقوقه، والتصدي للعمل الاجتماعي، واعمار الارض والوطن بدل إضاعة الوقت فيما يولد الندم والتدمير للمجتمع.

تشييد الإصلاح

ان هذه المرحلة (التغيير) التي تمر بها المنطقة العربية هي من افضل المراحل لتحقيق الإصلاح المنشود للشعوب، حيث الشباب في الوطن العربي يقود ثورة التغيير والاصلاح الشامل لنيل حقوقه وبناء دول قائمة على دستور يمثل ارادة الشعب. ولهذا ينبغي على شبابنا ان يكونوا على مستوى عالي من الوعي، وبما يحدث وما سيحدث وما هو الدور المطلوب منهم لنيل حقوقهم وبناء دولة القانون وخدمة وطنهم ومجتمعهم.

فانت ايها الشاب القوة الأكبر المؤثرة، والمقاومة الأقوى لتحقيق التغيير اذا وجدت لديك إرادة التغيير والإصرار والهدف، فكن صاحب هدف سامي وهمة عالية وتحدي.. لتحقيق الأهداف.

http://annabaa.org/news/maqalat/writeres/alialgarash.htm

شبكة النبأ المعلوماتية- الاثنين 4/تشرين الثاني/2013 - 30/ذو الحجة/1434

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2013م