قيم التقدم: بناء الكرامة الانسانية

علي حسين عبيد

 

شبكة النبأ: لكي يبدع الانسان، لابد أن يشعر بكرامته مصانة، وأي شعور ينتقص من شرط الكرامة الانسانية، سينعكس بشكل مباشر على الشخصية وقدراتها، فتصاب بنوع من الاحباط، قد تجعل منها أشبه بالانسان المشلول، غير القادر على الحركة والانتاج وربما التفكير ايضا، وبهذا تصبح قيمة الكرامة معادلة لقيمة الانسان برمتها، فالانسان من دون كرامة لا يساوي شيئا، لانه سيكون عاطلا ومعطِّلا في الوقت نفسه.

من هذا المنطلق تحرص المجتمعات المتطورة، على مراعاة وحماية كرامة الانسان منذ نشوئه، صعودا الى المراحل العمرية اللاحقة، لأن تلك المجتمعات تفهم قيمة الكرامة، وتؤمن بصورة تامة أن لا نجاح إلا مع الكرامة، لهذا تكون الكرامة قيمة كبرى بالنسبة لهم، حيث يتعامل الجميع مع الجميع استنادا الى مراعاة الكرامة بصورة تامة ودائمة، ليصبح هذا السلوك منهج حياة، تنتظم فيه العلاقات المتنوعة للمجتمع.

وقد جاء في الويكيبيديا أن كرامة الإنسان هي قيمة الإنسان، كونه إنسان بغض النظر عن أصله وجنسه وعمره وحالته. وأن الفصل بين الكرامة الإنسانية و مفاهيم مثل العزة و الكبرياء و الشهرة و ما شابه هو أمر ضروري، لأن كل درجات المفاهيم المذكورة تُمنح من المحيط للإنسان، أما الكرامة فهي قيمة تولد مع تشكل الإنسان .

ومن المعروف أن أول من أدخل مفهوم الكرامة الإنسانية في دستوره، هم الإيرلنديون في دستور 1937، و أما الألمان فلقد ربطوا دستورهم بالكرامة التي وُضعت كأعلى مبدأ دستوري، وكسقف تمر من تحته كل القوانين، وكل مادة قانونية تعارض هذه المادة الدستورية تصبح باطلة، ففي الفقرة الأولى من المادة الأولى صيغت الجملة كالتالي : كرامة الإنسان هي أمر لا يمس به. يجب احترامها وحمايتها هي واجب كل سلطات الدولة.

لذلك نلاحظ اهتماما كبيرا بقيمة الكرامة الانسانية لدى الدول المتطورة، لأنها فهمت ولمست النتائج المهمة التي تحصل عليها في جوانب الابداع والتفكير والانتاج على وجه العموم، لذلك تحرص هذه الدول على أن تثبت الكرامة في دستورها، لتمر القوانين من تحت سقفها فتبقى أسمى من أن يعلو عليها شيء. من هذا المنطلق تحمي القوانين كرامة الإنسان دون أي مقابل، فالكرامة حق طبيعي وقيمة مجردة تولد مع تشكل الإنسان وتبقى معه حتى موته. ولا علاقة للكرامة بما يقدمه الإنسان أو بحالة الإنسان، أي كرامة السجين المجرم تعادل كرامة أي إنسان آخر، وهنا تنفصل الكرامة الإنسانية عن الفكرة القائمة على أن الكرامة الإنسانية هي التمييز بين الإنسان والكائنات الأخرى، إذ لا علاقة لهذه بتلك، وتنفصل أيضا عن الاعتقاد بارتباط الكرامة بالأعمال ونوعها، فالكرامة لا تُمنح ولا تصير من خلال الأعمال أو الحالة، لذلك فإن كرامة رئيس جمهورية أو ملك مملكة، أو عالم الفيزياء أو طبيب، أو فلاح أو عامل في معمل جوارب، هي نفسها، وهي قيمتهم كبشر متساوين أمام قانون عادل.

واذا تمكن العراقيون من استيعاب وفهم هذا المعنى للكرامة، وتم تطبيقه على الواقع الفعلي لحياتهم، فإن النتائج ستكون كبيرة ومهمة، لاننا نلاحظ ان الانسان لدينا مهان منذ الطفولة، وهذه ظاهرة لا يمكن انكارها او رفضها، فالطفل لدينا مهان منذ نعومة اظفاره في بيته، من لدن عائلته، وتبقى المهانة قائمة عندما يعبر الطفل الى مرحلة الدراسة الابتدائية، حيث العنف المدرسي يتصدى لكرامة الطفل ويجعله يشعر بامتهان كرامته وشخصه، من دون ان تكون له القدرة على الدفاع عن كرامته لانه يجهلها اصلا.

من هنا لابد أن تسود ثقافة حماية الكرامة الانسانية في المجتمع عموما، وتبدأ في مؤسسة الاسرة اولا، صعودا الى المحيط الدراسي الابتدائي الذي يجب أن يحمي كرامة الطالب المستجد، لا أن يحط من قيمته ويزدري شخصيته، ويجعله يعيش المهانة منذ الصغر، وعلى السلطة التشريعية والجهات ذات العلاقة أن تتنبّه لهذا الجانب وتجعل من كرامة الانسان في مراحل عمره كافة قيمة عليا ومصانة، وفقا لقوانين تقف جنبا الى جنب مع منظومة الاعراف، والتقاليد التي يجب أن تشجع على احترام وحماية كرامة الانسان.

شبكة النبأ المعلوماتية- الأربعاء 12/حزيران/2013 - 2/شعبان/1434

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2013م