تجريم حزب البعث.. حماية للديمقراطية

جميل عوده/مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

بعد حوالي عشر سنوات من حل حزب البعث في العراق وحظره سياسيا على إثر سقوط نظام صدام حسين 2003، أحد أشهر الأنظمة السياسية استبدادا في العالم، يتجه العراقيون إلى تشريع "قانون حظر حزب البعث والكيانات والأحزاب والأنشطة العنصرية والإرهابية والتكفيرية" ومعاقبة كل من ينتمي أو يدعو أو يعمل باسم الحزب أو يروج له.

وكانت المادة (7) من الدستور العراقي الدائم قد نصت (أولاً: يحظر كل كيانٍ أو نهجٍ يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي، أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه، وتحت أي مسمىً كان، ولا يجوز ان يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون. ثانياً : تلتزم الدولة بمحاربة الإرهاب بجميع أشكاله، وتعمل على حماية أراضيها من ان تكون مقراً أو ممراً أو ساحةً لنشاطه).

 فهل مشروع قانون (حظر حزب البعث والكيانات العنصرية والإرهابية والتكفيرية) في العراق هو مشروع استثنائي لم تعرفه دول العالم من ذي قبل، أم أن هناك من الدول من عمل بقوانين (العزل السياسي) أو تجريم الأحزاب السياسية المستبدة؟. هذا أولا.

 وهل تقييد حرية مجموعة من الناس ومنعهم من ممارسة الأنشطة السياسية تقييد للديمقراطية، أم هي إجراءات مشروعة لحماية الديمقراطية وقيمها من مشروعات سياسية تستهدف القضاء عليها؟.

 وبتعبير آخر، هل على الأنظمة الديمقراطية أن تقيد المجموعات المناهضة المعادية للديمقراطية من أجل حماية استمراريتها ووجودها؟ أم أن التقييد نفسه يعتبر أمرا غير شرعي ويمس بالنظام الديمقراطي وقيمه؟

 لا يختلف اثنان أن غالبية المواطنين في الدول الديمقراطية يؤيدون حكوماتهم المنتخبة، مازالت تلك الحكومات توفر لهم الأمن والاستقرار، وتدافع عن حقوقهم وحرياتهم. ومع ذلك قد تنتظم مجموعة مناهضة للديمقراطية وقيمها، لا تكتفي برفضها لهذه القيم فقط، بل، تستغل المبادئ الديمقراطية كوسيلة لإحراز القوة والفوز بالدعم مما يؤدي إلى القضاء على النظام الديمقراطي، وتشكيل نظام حكم دكتاتوري، كما حدث مع الحزب الفاشي الايطالي في بداية العشرينات، والحزب القومي الاشتراكي النازي في جمهورية فايمار في ألمانيا. هذان الحزبان نشطا في الإطار الديمقراطي في دولتيهما، واستخدما الوسائل الديمقراطية من أجل إسقاط الديمقراطية وإقامة أنظمة دكتاتورية فيما بعد. وعليه يقال دائما إن (أكثر المخاطر التي تهدد وجود المجتمع الديمقراطي هي استغلال قواعد اللعبة الديمقراطية لبث أفكار مناهضة للأفكار الديمقراطية.. ومن ضمن هذه القواعد حرية الانتظام والحق في إقامة أحزاب وتنظيمات سياسية تعمل على إخفاء مآربها وأهدافها غير الديمقراطية بصورة أو بأخرى من أجل الوصول للسلطة، البرلمان، والحكومة).

 ليس هذا وحسب، ربما تذهب بعض المجموعات المناهضة للديمقراطية إلى إعلان معاداتها للنظام الديمقراطي، وعدم اعترافها به، وترفع السلاح بوجهه للانقلاب عليه، وتسعى دائما إلى إعادة الأوضاع إلى ما كانت قبل الديمقراطية، كما حدث مع حزب البعث العربي الاشتراكي وبقايا نظام الحكم البعثي في العراق. هذه المجموعة البعثية رفضت النظام الديمقراطي العراقي الجديد وعملت على تقويضه بالأفكار والقوة والسلاح، وإشاعات الفوضى والرعب في أجزاء واسعة من الأراضي العراقية خصوصا بين الأعوام 2005-2008 وخطفت وعذبت وقتلت مئات الآلاف من المواطنين المدنيين سواء بشكل مباشر أو بدعم وتوجيه القوى المتطرفة.

 فهل تحيى الديمقراطية في ظل وجود مجموعات مناهضة لها ومعادية لقيمها، أم على الديمقراطية أن تحد ما استطاعت من وجود هذه المجموعات وتخرجها من إطارها الشرعي والقانوني؟

 هناك من يرى أن من حق السلطات في الدولة الديمقراطية أن تقيد حقوق الإنسان والمواطن عندما يتعرض النظام الديمقراطي أو سلامة المواطنين للخطر. وتؤكد التجارب أن معظم الدول الأوروبية تبنت هذا التوجه بناء على تجربتها السابقة مع الحزب الفاشي والحزب النازي الذين وصلا إلى السلطة بالوسائل الديمقراطية إلا أنهما انقلبا على السلطة وأسسا نظاما دكتاتوريا. لذا لجأت هذه الدول إلى وضع قوانين تحظر التحريض العنصري وتوجب إلغاء الأحزاب العنصرية والتحريضية وتخرجها عن إطارها القانوني، وذلك عندما يكون هناك خطر واضح وحقيقي يهدد المبادئ الديمقراطية من قبل مجموعات مناهضة للديمقراطية.

 ولا تختلف أوروبا اليوم عن أوروبا في الماضي(فهناك الكثير من الأحزاب والتنظيمات العنصرية التي تبث الأفكار العنصرية وتدعو للعنف خاصة بحق المهاجرين الأفارقة، العرب والمسلمين، وهذه الأحزاب لها ممثلون في البرلمانات والحكومات الأوروبية الغربية. ولذلك يحق للديمقراطيات الدفاعية إخراج هذه الأحزاب والتنظيمات خارج القانون والإعلان عنها تنظيمات غير قانونية ومنعها من ترشيح نفسها لمؤسسات الحكم المختلفة ومنعها من أي نشاط جماهيري وسياسي).

 بينما ترى دول أخرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية أنه لا داع للعمل على تقييد حريات الأحزاب والأشخاص إلا إذا تحولت أفعالهم إلى أعمال جنائية. فما دامت المجموعة المناهضة للديمقراطية لم تنفذ تهديدها لا يمكن تقييد حقوقها والمس بها إلا عند ارتكابها لأعمال جنائية. لذا فان الدستور الأمريكي لا يقيد الانتظام ونشاط الأحزاب والمنظمات المعادية للديمقراطية، اذ تمارس المجموعات المناهضة للديمقراطية في اميركا حريتها في الانتظام وحرية التظاهر بدون أن تقيد من قبل السلطة ما دامت لم ترتكب أعمال جنائية.

 ولكن الولايات المتحدة نفسها ضربت بهذه المبادئ عرض الحائط بعد حادثة تفجير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، حيث اتخذت الشرطة في الولايات المتحدة عدة خطوات جديدة كانت إحدى هذه الخطوات سجن أشخاص بدوا لها بسبب مظهرهم كمن يمكنهم القيام بمثل هذه الأعمال الإرهابية، وقد كان سجنهم بدون أدلة وبدون تقديم لائحة اتهام ضدهم. وهذا مؤشر على تخلي أصحاب التصور الأمريكي المعارض لفكرة الديمقراطية المدافعة عن ذاتها، وتراجعا عن موقفهم وتنازلا عنه، ولم يبقى إلا التصور الأوروبي الداعم لفكرة الديمقراطية المدافعة عن نفسها سائد حتى يومنا هذا.

 وسمحت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ببعض السلطة التقديرية للديمقراطيات الناشئة التي جاءت بعد دكتاتورية بفرض قيود محدودة على ترشح كبار أعضاء الحزب الحاكم سابقًا للانتخابات، شريطة أن يتم ذلك في فترة زمنية متناسبة وأن يكون خاضعًا لمراجعة قضائية. ولاحظت المحكمة في قضية مالنيتشينكو ضدّ أوكرانيا أنه يمكن فرض قيود أكثر صرامة على الحق في الترشح للانتخابات منه على الحق في التصويت.

 وقالت هيومن رايتس ووتش إن الدول التي عانت من الدكتاتورية، وهي الآن تكافح من أجل بناء مجتمعات ديمقراطية تُحترم فيها حقوق الأفراد، لديها مخاوف مشروعة من تقويض هذه الجهود على يد أشخاص يعكس سلوكهم في الماضي الطابع الإجرامي والقمعي الفاسد لهذه الدكتاتوريات. ونتيجة لذلك، هناك بعض المبررات لتقييد الحقوق السياسية لبعض الأشخاص المتورطين مع دكتاتورية الماضي في بداية المرحلة الانتقالية.

 هذا النهج انتهجته أيضا ما يُعرف بـ(دول الربيع العربي) مثل تونس ومصر وليبيا، ففي تونس هناك مشروع قانون يسمى بـ(قانون العزل السياسي) وهو القانون الذي يقصي كبار أعضاء الحزب الحاكم السابق من الحياة السياسية ويمنع أعضاء الحكومات المتعاقبة في عهد بن علي منذ عام 1987، وأعضاء من حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم سابقًا ممن تقلدوا مناصب معينة، من الانضمام إلى أحزاب أخرى.

 وسوف يضيف مشروع القانون فقرة إلى الفصل 7 من قانون سنة 2011 الخاص بالأحزاب السياسية تنصّ على منع الأشخاص الذين تقلدوا مناصب قيادية في الفترة الممتدة من 7نوفمبر/تشرين الثاني 1987 إلى 14يناير/كانون الثاني 2011 من الانخراط في أي حزب سياسي لمدة خمس سنوات انطلاقًا من تاريخ دخول القانون حيز التطبيق. ويشمل هذا المنع أعضاء الحكومات المتعاقبة في تلك الفترة، والأمين العام المساعد للتجمع الدستوري الديمقراطي، وأعضاء الديوان السياسي واللجنة المركزية للحزب، والكتاب العامون للجان التنسيق والمكاتب الجهوية، ورؤساء الشُعَب.

 وقالت أحزاب الائتلاف الحاكم إن الغاية هي حماية الديمقراطية الوليدة في تونس من رجال النظام القديم الذين ربما يعتمدون على العلاقات الشخصية وتأثيرهم المحلي في الفوز بمقاعد، ويستغلون نفوذهم للتدخل في الانتخابات المقبلة.

 وفي مصر، أصدر مجلس الشعب في 21 أبريل 2012 قانون العزل السياسي الذي اقترحه النائب عصام سلطان عضو المجلس وينص القانون على منع كل من شارك في إفساد الحياة السياسية المصرية في عهد الرئيس السابق حسني مبارك. وكان الهدف من هذا القانون هو منع فلول نظام مبارك من الترشح لانتخابات الرئاسة، حيث ترشح عمر سليمان لهذا المنصب، وترشح أيضا أحمد شفيق، وهذا ما اعتبره البعض مهزلة، حيث أن هؤلاء من عناصر النظام السابق الذين أفسدوا الحياة السياسية.

وفي ليبيا، نص قانون العزل السياسي في المادة (1) على أن (يحرم من ممارسة العمل السياسي والإداري سواء بالحق في الترشح والترشيح في الانتخابات التي ستجري في البلاد بمختلف أنواعها وكذلك من تولي مناصب قيادية أو مسؤوليات وظيفية أو إدارية أو مالية في كافة القطاعات الإدارية العامة والشركات أو المؤسسات المدنية أو الأمنية أو العسكرية وكل الهيئات الاعتبارية المملوكة للمجتمع وكذلك تأسيس …الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني وعضويتها وكذلك الإتحادات والروابط والنقابات والنوادي وما في حكمها لمدة عشر سنوات لكل من تقلد خلال الفترة من 1969 وحتى 2011 وظيفة من الوظائف أو المناصب التالية:

1. كل من شارك في انقلاب عام 1969 من العسكريين أو المدنيين.

2. كل من تولي وظيفة أمين اللجنة الشعبية العامة.

3. كل من تولي وظيفة أمين لجنة شعبية عامة للقطاع أو الشعبيات أو القطاعات للشعبيات.

4. كل من تولي وظيفة أمين مؤتمر الشعب العام أو عضوا في أمانته وكذلك على مستوى الشعبيات.

5. كل من تولي وظيفة أمين مؤتمر أو أمين لجنة شعبية علي مستوي المؤتمرات الشعبية.

6. كل من تولي وظيفة النائب العام أو المحامي العام.

7. كل من تولي وظيفة محافظ مصرف ليبيا المركزي.

8. كل من تولي وظيفة سفير أو أمين لمكتب شعبي بالخارج ومن في حكمهم.

9. كل من تولي رئاسة تحرير جريدة أو مجلة أو إذاعة مسموعة أو مرئية تابعة للدولة.

10. كل من تولي وظيفة الكاتب العام باللجنة الشعبية العامة والقطاعات والجامعات والمعاهد والأكاديميات.

11. كل من تولي وظيفة أمين لجنة شعبية للجامعات.

12. كل من تولي وظيفة مديرا عاما للمؤسسات أو المجالس العليا والشركات العامة ومؤسسات الاستثمار بالخارج، ومؤسسات وجمعيات القذافي.

13. كل من عمل قاضيا بمحكمة الشعب أو أي محاكم استثنائية أو الادعاء الشعبي أو نيابة أمن الثورة.

14. وكل من عمل بجهاز الأمن الداخلي أو كان مديرا لإدارة بجهاز الأمن الخارجي.

15. كل من كان عضوا بفريق العمل الثوري أو مكتب الإتصال أو لجان التطهير أو القوافل الثورية أو الحرس الثوري.

16. كل من عمل برئاسة الأركان للجيش.

17. كل من عمل في القيادات الشعبية الاجتماعية على مستوي الشعبيات أو البلديات وعلى المستوي الوطني

18. كل من تولى وظيفة مديرا لإدارة أمنية على مستوي البلديات أو الشعبيات أو على المستوي الوطني.

19. كل من عمل نقيباً أو عضو أمانة بالنقابات العامة ومن عمل نقيبا على مستوى الشعبيات أو البلديات.

 ان لجوء العراقيين إلى تجريم حزب البعث ليس بدعا من بدع العراقيين أنفسهم، إنما هو إجراء طبيعي تلجأ إليه الدول الديمقراطية من أجل المحافظة على ديمقراطية الحكم وسلامة مواطنيها وتوفير حياة آمنة مطمئنة لهم، ففسح المجال للقوى المعادية للنهج الديمقراطي والتبادل السلمي للسلطة هو بحد ذاته خدمة تسديها الأنظمة الديمقراطية لدعاة العنف والإرهاب، فضلا عن أن الدول التي تعاني من وجود قوى سياسية تحمل افكارا شوفينية عنصرية عدوانية، وتترجم هذه الأفكار على شكل قتل وتدمير واغتيالات وتفجيرات وغيرها من الاعمال العدوانية الانتقامية كالتي يقوم بها بقايا حزب البعث هي أوجب من غيرها على فرض حظر كامل وشامل على أفكار وأعمال وبرامج وأنشطة هذا الحزب العدواني.

 فالحظر النهائي التام للحزب هو المطلوب، إضافة إلى اجتثاث فكره ورموزه الأصليين من مرتكبي الجرائم من المناصب والوظائف، وتقديمهم إلى المحاكمات العادلة، فهذا هو الحل الأنسب لتحقيق العدالة الانتقالية وضمان مستقبل أفضل للبلد، وإلا يبقى العراق في دوامة العنف إلى ما لا نهاية..

.............................................

** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

http://adamrights.org

[email protected]

https://twitter.com/ademrights

شبكة النبأ المعلوماتية- الاثنين 20/آيار/2013 - 9/رجب/1434

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2013م