مصر إلى أين؟

محمد محفوظ

يعاني الواقع المصري اليوم بكل مستوياته، أزمات متوالية، حيث لا زالت هناك قوى سياسية ومجتمعية عديدة، ترفض لاعتبارات عديدة، أن تسيطر حركة الإخوان في مصر على كل مقاليد الأمور..

وتعمل هذه القوى على الاستفادة القصوى من إخفاقات الحكومة الجديدة، لإدامة حضور الشارع المصري في المعادلة السياسية..

ويبدو من كل المؤشرات أن الأوضاع في مصر لا تتجه نحو الهدوء والتسليم بانتصار طرف على بقية أطراف المعادلة المصرية..

وفي مقابل هذه الإرادة السياسية والشعبية والإعلامية التي تجسدها جبهة الإنقاذ، وتعمل على تغيير المعادلة التي شكلت بعد انتخاب الدكتور محمد مرسي رئيساً لجمهورية مصر العربية..

وفي مقابل هذه الإرادة السياسية والشعبية، هناك إرادة سياسية وشعبية تقف خلف الرئيس مرسي وخياراته السياسية والأمنية، وترى في الآخرين جميعا بوصفهم من فلول النظام البائد، ما يعمق الفجوة، ويحول دون خلق تفاهمات وطنية عميقة حول التحولات وآفاق العملية السياسية الجديدة..

وهذا التباين الحاد الذي يعيشه المشهد المصري اليوم، ليس منفصلا عن طبيعة نظرة وأولويات القوى الإقليمية والدولية تجاه مصر وتحولاتها الجديدة.. لهذا فإننا نعتقد أن ما تشهده الساحة المصرية اليوم، هو نتاج عوامل وأسباب عديدة ومركبة يتداخل فيها المحلي والإقليمي والدولي، كما يتداخل فيها الاقتصادي مع السياسي، ويتداخل فيها أيضا الأيدلوجي مع السياسي مع الاقتصادي.. فهي ساحة مكشوفة لكل هذه التأثيرات، لأنه وببساطة شديدة، تعيش مصر اليوم في لحظة تحول، وكل طرف يعمل لجعل وتوظيف التحول السياسي والاقتصادي والاجتماعي في مصر بما ينسجم ومصالحه الكبرى، ونظرته إلى خريطة القوى والتحالفات في المنطقة.. ولحد الآن تفتقد جميع القوى السياسية في مصر، سواء موالاة أو معارضة رؤية إستراتيجية متكاملة لخلق إجماع أو تفاهم وطني واسع للخروج من مآزق الراهن..

لهذا فإن جميع القوى تراوح مكانها على الصعيد السياسي، مع زيادة مطردة في توتر الشارع وحضوره في ميادين المدن المصرية.. فالشارع اليوم بكل زخمه، هو إحدى أدوات الصراع السياسي والاجتماعي بين قوى الساحة المصرية..

وفي تقديرنا أن هذه الأداة السياسية - الاجتماعية، ستستخدم من قبل الجميع إلى أن تستقر المعادلة السياسية الجديدة، وتصل إلى مستوى من الثبات والديمومة..

ونحن من موقعنا العروبي - القومي، نتطلع لأن تتجه الساحة الداخلية صوب خلق تفاهمات سياسية عميقة بين مختلف القوى لبناء نظام سياسي جديد، يستند إلى إجماع وطني متين، يحول دون دخول المشهد المصري في دوامة العنف والتوتر الأمني والاجتماعي الدائم..

وإذا لم تتمكن هذه القوى من تجنيب الواقع المصري مخاطر الصدام والمواجهة، فإن الأمور قد تفلت من يد الجميع وتهدد المكاسب التي تحصّل عليها الشعب المصري من تحولاته السياسية الجديدة..

ولايمكن تجنيب الواقع المصري مخاطر الصدام بدون تقديم تنازلات سياسية من قبل جميع القوى والأطراف.. فالواقع المصري بكل زخمه الشعبي وتعقيداته السياسية والأمنية المحلية والإقليمية والدولية، لا يحتمل أن يقوم طرف سياسي واحد بتحقيق انتصار كاسح على بقية الأطراف. فنزعات الانتصارات الكاسحة، هي التي تهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي، وهي التي تعيد عقارب الساعة إلى الوراء سواء على الصعيد السياسي أو الأمني.. فالتغيير في الساحة المصرية، ليس من صناعة طرف سياسي واحد، وإنما جميع القوى والتعبيرات السياسية والمدنية والأهلية، اشتركت (بتفاوت) في صنع التغيير السياسي في مصر.. وأي طرف سياسي بصرف النظر عن قوته الفعلية، يعمل على الاستحواذ والهيمنة والسيطرة على كل مقاليد الدولة، فإن هذا سيؤدي بطبيعة الحال إلى التوتر والصدام.. لهذا فإننا نعتقد أن طبيعة التحول السياسي الذي حدث في الواقع المصري، يفرض على الجميع بناء الواقع السياسي الجديد على أسس المصالحة الوطنية، والتفاهم بين جميع القوى والتعبيرات.. ودون ذلك ستتجه الأمور نحو الصدام والتوتر المفتوح على كل الخيارات..

فمن الضروري أن تشعر جميع القوى السياسية الفاعلة في المشهد السياسي المصري، أنها ليست خاسرة في المعادلة الجديدة، وأن مكاسب التغيير تستوعب الجميع..

وفي هذا الإطار نرى من المهم التأكيد على النقاط التالية :

1- ضرورة التعامل مع مقولة الحوار الوطني، بعيدا عن نزعات كسب الوقت أو تمييع مطالب الشارع المحقة، أو وسيلة للهروب من استحقاقات المرحلة.. إننا نعتقد أن الحوار الوطني بين جميع قوى وتعبيرات الساحة المصرية ضرورة وطنية وقومية لتوسيع دائرة المشترك وتدوير الزوايا وإيجاد حلول ناجعة للمشكلات التي تعانيها الحياة السياسية المصرية..

2- ضرورة الإسراع في تجسير الفجوة التي بدأت بالاتساع بين القوى الإسلامية بكل تلاوينها والقوى الوطنية بكل أطيافها.. لأن استمرار التشظّي السياسي والانقسام ضمن ثنائية الإسلامي والوطني، قد يقود إلى انقسام عميق في المجتمع المصري.. ولا شك أن انقسام المجتمع المصري العميق، يقود إلى نتائج كارثية أمنية وسياسية..

لذلك فإننا نعتقد أن تجسير العلاقة السياسية بين التكتلات السياسية الرئيسية وتدوير الزوايا الحادة بينهما، يجنبان الساحة المصرية الكثير من المخاطر والتحديات..

3- من الضروري في ظل التشاحن السياسي الذي تشهده الحياة السياسية المصرية، وفي ظل التوترات الأمنية الخطيرة التي بدأت بالبروز في الساحة المصرية، الاهتمام بترتيب الأولويات السياسية لجميع القوى السياسية. فالأولويات السياسية اليوم، ليست الاستحواذ على المقدرات والمناصب، وليست حجم المكاسب والأرباح السياسية التي تجنيها هذه القوة السياسية أو تلك.. إننا نعتقد أن الأولويات السياسية اليوم، ينبغي أن تتجه صوب بناء مرجعية دستورية متكاملة، وتحظى بإجماع وطني، حتى تتمكن هذه المرجعية من إدارة التنافس السياسي بين جميع القوى، وضبط النزاعات السياسية، التي لايمكن أن تضبط وتدار على نحو صحيح إلا بوجود مرجعية دستورية، تحظى بقبول واحترام جميع القوى السياسية والمدنية..

وإن كل المحاولات التي تجري اليوم تحت يافطات عديدة، وتستهدف في حقيقتها إخراج أو تقزيم بعض القوى في المعادلة السياسية، تنذر بدخول التجربة السياسية الجديدة في مصر، في متاهات الصراع المفتوح على كل الاحتمالات..

إننا نعتقد أن اللحظة المصرية الراهنة، تتطلب من الجميع العمل السياسي بذهنية التوافق والتفاهم، وليس بذهنية المغالبة وكسر العظم..

شبكة النبأ المعلوماتية- الأحد 10/شباط/2013 - 29/ربيع الأول/1434

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2013م