احتواء الصين في الاستراتيجية الأمريكية

علي الأسدي

من يتابع العلاقات الاقتصادية الأمريكية مع الصين لا يسعه الا أن يتفاءل، فقد توسعت وتطورت كثيرا خلال العقود الثلاثة الماضية. فقيمة التجارة معها ارتفعت من 5 بليون دولار عام 1981 الى 503 بليون دولار في عام 2011، وتعتبر الصين الشريك التجاري الثاني للولايات المتحدة في العالم، وهي أكبر مصدر للسلع للسوق الداخلي الأمريكي. وبسبب عدد سكان الصين الكبير فقد جعلها سوقا واسعة ومتنامية للصادرات والاستثمارات الأمريكية، وبحسب آخر التقديرات فأن قيمة الاستثمارات الأمريكية في الصين وصلت الى حوالي 200 بليون دولار. الواردات الأمريكية من السلع المنخفضة الاسعار ينتفع منها المستهلكون الأمريكيون وكذلك شركاتها التي تستخدم الصين كآخر موقع لتجميع منتجاتها، او استخدام موادا صينية وسيطة للانتاج الأمريكي مما يجعلها اقل تكلفة فتنخفض اسعار بيعها مما يساعد الانتاج الأمريكي على المنافسة في السوق العالمية. ان تنامي العلاقات التجارية دليل على رغبة البلدين في التعاون وتبادل المنافع المشتركة. هذا اضافة الى أن الصين تعتبر أكبر داعم مالي للولايات المتحدة، فهي تحتفظ بسندات خزينة أمريكية تبلغ قيمتها الاسمية أكثر من ترليون دولار.(1)

لكن في مقابل المنافع الايجابية المتحققة من العلاقات الاقتصادية بين البلدين هناك ايضا جوانب سلبية ناتجة عن انعدام التوازن في المكاسب الاقتصادية لكلا البلدين، فالعجز في الميزان التجاري مع الصين تصاعد من 10 بليون دولار عام 1990 الى مبلغ 296 بليون دولار عام 2011، ويلقى بالمسئولية عن ذلك العجز على الصين.

ففي رأي عدد من المحللين الاقتصاديين على صلة بالكونغرس الامريكي أن تنامي التجارة بين البلدين يتم على حساب قوى العمل والصناعات الأمريكية كنتيجة مباشرة لمنافسة السلع الصينية المنخفضة السعر للمنتجات الأمريكية، أدت بدورها الى انخفاض مستوى الأجور والاستثمارات في الاقتصاد الأمريكي. لكن السبب الرئيسي في رأي أولئك المحللين يعود الى عدم انتقال الصين كليا الى اقتصاد السوق، والى اتباعها سياسة تمييز تجاه الصناعات الأمريكية بسبب الدعم المالي الذي تقدمه للكثير من الصناعات التي تملكها الدولة خلافا لمبادئ التجارة الحرة. بينما يرى محللون اقتصاديون آخرون أن تحميل الصين المسئولية عن جميع ما يواجه الولايات المتحدة من مشاكل اقتصادية هو عين الخطأ ويجب أن نتوقف عن ذلك.

وبرغم تلك الجوانب السلبية في العلاقات الاقتصادية فان ظاهر العلاقات السياسية بين البلدين يبدو طيبا بوجه عام، وما يتخلله من اختلافات حول قضايا سياسية اقليمية وعالمية يعتبر من الأمور الاعتيادية في السياسة الدولية. فالمواقف المتباينة حول الملف الفلسطيني والسوري والليبي والايراني وغيرها لا تشكل على ما يبدو أزمة ويتم التعامل معها وفق مساومات هنا وهناك لتحقيق منافع في مناطق أخرى في العالم. فقد كانت على هذا الحال خلال فترة وجود الاتحاد السوفييتي، وتبدو كذلك حاليا مع الصين.

 لكن ما كشفته صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية الأسبوع الأخير من شهر أوكتوبر الماضي(3) بأن رئيس الوزراء الصيني المنصرف Wen Jiabao قد استخدم منصبه السياسي لجمع ثروة حددت الصحيفة مبلغها بـ 2،7 بليون دولار يضع علامة استفهام حول توقيت الخبر من قبل الصحيفة. نشر الخبر جاء قبيل انعقاد المؤتمر العام للحزب الشيوعي الصيني الذي يعقد مرة كل أربع سنوات، ويتم فيه اختيار قادة الدولة والحزب وقيادات المقاطعات والحكومات المحلية، ودراسة وصياغة سياسة الدولة والعلاقات السياسية مع الخارج وغيرها من الشئون التي يرتبط بها مصير الصين وتطورها اللاحق.

الصحيفة اذن تعرف مقدما الآثار المحتملة لخبر يخص أحد المسئولين الكبار في تسلسل القيادة السياسية العليا، خبر كهذا لا يمكن أن يمر دون أن يثير اهتمام الرأي العام الصيني، وخاصة اذا كانت وراءه وسائل الاعلام الأمريكية من مستوى صحيفة نيويورك تايمز. الصحيفة الأمريكية المذكورة تعبر كما يشاع عن موقف الاستخبارات الأمريكية، صحيفة لها من الخبرة الصحفية امتدت لحوالي قرنا ونصف القرن، وتعد مصدرا ذي مصداقية للخبر يندر أن يكون موضع شك. ولهذا السبب فان خبرا كالذي نشرته وأصرت على صحته، وأبدت استعدادها الكامل لتحدي رئيس الوزراء وين جياباو ومحاميه في المحاكم لابد ويكون صحيحا.

تعرف الصحيفة بالتأكيد ردود فعله داخل القيادة السياسية حزبية أو حكومية، وما يمكن أن يثيره من انعدام الثقة والشك داخل نظامها المعروف بالصرامة الحديدية. واذا ما أخذنا بالاعتبار عدد أعضاء الحزب الشيوعي الصيني الذي يعد بالملايين، وحرية التواصل عبر الانترنيت الذي يمارسه مئات الملايين من الصينيين داخل وخارج الصين، يتناقلون ويتبادلون الأخبار الصحيحة والمبالغ فيها والملفقة يمكن تصور الضرر الذي يمكن أن يحدثه الخبر من بلبلة وعدم استقرار سياسي في الصين. ويمكن أن يضر بالعلاقة القائمة بين الحزب الشيوعي والشعب الصيني الذي حافظ على الحد الأدنى من الاحترام والانسجام بينه وبين الحزب منذ وفاة الرئيس ماوتسي تونغ نهاية السبعينيات.

وعند النظر للأمر من زاوية المصالح الاستراتيجية الأمريكية التي تتمحور حول موقع أمريكا السياسي والاقتصادي المهيمن في العالم، وقوة وانتشار وجودها العسكري الحالي وفي المستقبل، فان عملية نشر الخبر في هذا الوقت بالذات هي واحدة من أدوات استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية لاحتواء الصين.

 فصعود الصين الاقتصادي عالميا ودورها السياسي المتوازن الذي يتمثل باعادتها بناء جسور التحالف السياسي مع روسيا وريث الاتحاد السوفييتي السابق، واعادة تشكيل العلاقات السياسية مع الهند العدو السابق، واقامتها علاقات صداقة وتعاون مع دولا في المنطقة مثل أستراليا وكندا ونيوزيلندا وماليزيا وتايلاند واندونيسيا ومجموعة دول أمريكا والوسطى والجنوبية، اضافة الى تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوربي قد صعد من وتيرة المخاوف الأمريكية من هذا التطور الذي قد يضعه في موقع مماثل الذي أحتله الاتحاد السوفييتي السابق.

الحفاظ على الوجود الأمريكي بالقوة والموقع الذي هو عليه الآن هو مصلحة أمريكية عليا لها أولوية على اية مصالح أخرى قصيرة أو بعيدة المدى، بل هي المهمة التي تجند لها كافة المصالح الأخرى سياسية واقتصادية. هكذا كانت ستراتيجية الولايات المتحدة أثناء الحرب الساخنة وأيضا خلال فترة الحرب الباردة وحتى اليوم، وهي فعالة الآن كما كانت طوال عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية. انهاء الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية كان الهدف الأكثر أهمية في استراتيجية الولايات المتحدة. وهي تعمل حاليا سرا وعلنا منذ أكثر من عقد من الزمن على خطة لاحتواء الصين وكبح تزايد نفوذها في جنوب وشرقي أسيا، تماما كتلك التي نفذها الرئيس هاري ترومان إبان الحرب الباردة التي عرفت بنظرية أو قانون الاحتواء Truman Doctrine. وكان كلا من الرئيس الأمريكي أيزينهاور والبريطاني جيرجيل قد سعيا أسوة بالرئيس ترومان الى تحجيم الاتحاد السوفييتي وتقييد انتشار الاشتراكية في العالم ليس بالتنافس الاقتصادي السلمي بل بالقوة المسلحة ودعم الأنظمة العميلة لها بالمال والسلاح وبالمؤامرات الانقلابية المضادة للدول الوطنية المستقلة التي ترفض أو رفضت الانصياع للهيمنة الأمريكية وحليفاتها.

 ففي كلمته أمام الكونغرس في 13\3\1947تعهد ترومان بأن الولايات المتحدة ستدعم الناس والأفراد الذين يعارضون محاولات القهر والاستعباد من قبل أقلية مسلحة داخلية أو من الخارج. وطلب من الكونغرس تقديم المساعدة العسكرية والمالية الى اليونان في محاربتها للشيوعية. واقترح تقديم 400 مليون دولار لهذا البرنامج، وأعلم الكونغرس أنه سيرسل قوى عسكرية ومستشارين الى البلدان التي تواجه تهديدا من الشيوعية.

شبكة النبأ المعلوماتية- الأربعاء 7/تشرين الثاني/2012 - 22/ذو االحجة/1433

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2012م