حديث رئيس الأركان الأميركي

مع أعضاء الكونجرس عن مصر

علاء بيومي

في السادس عشر من فبراير الحالي عقدت لجنة الدفاع التابعة للجنة الاعتمادات المالية بمجلس النواب الأميركي جلسة استماع عن "ميزانية وزارة الدفاع الأميركية" حضرها رئيس الأركان المشتركة للجيش الأميركي الجنرال مارتن ديمبسي العائد مؤخرا من زيارة لمصر التقى فيها قادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية.

وخلال الجلسة دار نقاش هام بين بعض أعضاء المجلس والجنرال الأمريكي عن سياسة أميركا تجاه مصر وقضية المعونة والعلاقات المصرية الإسرائيلية في الفترة الحالية، رأينا ترجمته حرفيا في المقال التالي، قبل التعليق عليه نظرا لأهميته ولما كشف عنه من قضايا ومواقف جديدة.

خلال الجلسة وجه عضو مجلس النواب الجمهوري النائبة كاي جرانجر - وهي جمهورية عن ولاية تكساس - السؤال التالي لرئيس الأركان الأميركي عن مصر:

"سؤالي هو يا جنرال ديمبسي يرتبط بتصريحات أدليت بها --- الموقف المتعلق في مصر بمنظماتنا غير الحكومية، والمستمر منذ ستة أسابيع، كما أعتقد. وكما نعرف جميعا، وكما أعتقد، أنه وضع جاد جدا، والكونجرس يعي الوضع جدا.

 سؤالي يرتبط بالتمويل – التمويل العسكري لمصر، وأنا أعرف أنكم أدليت بتصريحات حول تأثير قطع المساعدات – مساعداتنا لمصر، وهي أمر ينمو، وهو أمر يتحدث عنه في الكونجرس طوال اليوم. هل تتكرم بمخاطبة هذا الأمر".

فرد عليها رئيس الأركان قائلا ما يلي:

"بالطبع شكرا لكي سيدتي النائبة. لدينا تاريخ – عندما استخدمنا التمويل لفصل أنفسنا عن شركاء سابقين، لا يعود ذلك بشيء إيجابي، لأننا ما نفعله بالأساس هو فصل أنفسنا عن الأجيال القادمة. أعني، الدرجة التي تصرف فيها المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر بمسئولية – ويمكننا بالطبع أن نناقش الجوانب التي تصرفوا فيها بمسئولية أكثر من جوانب أخرى --- لكن درجة تصرفهم بمسئولية، أعتقد أنها ترتبط جزئيا بأنهم تشاركوا معنا، جاءوا إلى مدارسنا، تبادلوا معنا، لثلاثين عاما. وأنا أؤمن بذلك.

قطع المساعدات ومن ثم قطع أنفسنا عنهم يعني أن الجيل القادم لن تكون لديه هذه الميزة، وأنا لا أعرف إلى أين يأخذنا هذا، لكي أكون صادقا معكم.

لذلك أنا دائما متردد في الوصول إلى خلاصة قاسية بقطع المساعدات. أنا متأكد أن هناك سبل أخرى لفعل (ما نريد)، وسوف أترك الأمر عند هذا. أتمنى أن تأخذي نصيحتنا بعين الاعتبار، ولكن اشتراط عدة أمور – أعني أنه يجب أن تكون هناك تبعات لخياراتهم. فأنا أوافق كليا على ذلك.

ولكن تعلمين أنا لدينا شراكة قريبة جدا معهم. لقد منحونا حقوق طيران عظيمة، ومنحونا أولوية المرور عبر قناة السويس. أعني أننا نحصل على أشياء نحتاجها حقا مقابل مساعداتنا، وقبل أن نأخذ قرار بقطع المساعدات بسبب هذه القضية يجب علينا اختبار هذه الأشياء (التي نحصل عليها).

بالإضافة إلى ما سبق، كنت هناك منذ عشرة أيام، وأوضحت جيدا أن هذه الوضع يجب حله، لذا أعتقد أن علينا أن نعمل سويا للعثور على الطريق الصحيح".

وقبل الانتقال إلى موضوع أخر بادر رئيس الجلسة النائب الجمهوري بيل يونج رئيس الأركان الأميركي بسؤال عن علاقة مصر بإسرائيل في الوقت الراهن، قائلا:

"بهذا الخصوص، عندما كان الرئيس مبارك مسئولا عن مصر، كان ببساطة مانعا لأي فرد يحاول مهاجمة إسرائيل، العلاقة بين مبارك والإسرائيليين ربما لم تكن شديدة الصداقة، ولكنها كانت فعالة (تعمل).

كيف هذا، النظام الجديد في مصر، هل سيحمون إسرائيل كما كان عصر مبارك!؟

فرد عليه رئيس الأركان الأميركي قائلا:

"هذا شيء لم يحدد بعد، لكي أقول لك الحقيقة سيدي رئيس الجلسة، أنا أعني أننا تحدثنا معهم بخصوص هذا الأمر.

رئيس الأركان الأميركي: "العلاقات العسكرية – العسكرية بين مصر وإسرائيل هي في المحتمل قوية كأي وقت رأيتها فيه خلال – دعنا نقول – العشرين سنة التي شاركت فيها".

هذا يعني أنها تبني على قاعدة قوية، ولكن عندما أقول "هذا شيء لم يحدد بعد". أعتقد أن علينا أن نرى إلى أين – كما تعلم – فقد انتخبوا مجلسي البرلمان الآن، ويستعدون لصياغة برلمان جديد وانتخاب رئيس. وسوف نرى إلى أين تأخذهم الحكومة المدنية".

ماذا تعني تلك التصريحات وكيف يمكن أن نستفيد منها لترشيد الجدل المصري الراهن حول الخلاف مع واشنطن بسبب قضية المنظمات الأميركية العاملة في مصر.

أولا: التصريحات تعني أن أميركا لديها مصالح في مصر وفوائد تعود عليها من المساعدات التي تمنحها لنا، وأن هذه الفوائد هامة لأميركا، وأن المسئولين الأميركيين حريصين على تلك المصالح ولديهم شجاعة الاعتراف بذلك لنوابهم والرأي العام في بلادهم.

ثانيا: أن هناك مصالح مشتركة وروابط متبادلة بين الجيش المصري ونظيره الأميركي، وأن هذه الروابط تعتبر مكسبا للأميركيين، وربما للمصريين أيضا، وأن الأميركيين حريصين على بناء علاقات متينة مع الأجيال القادمة من صناع القرار المصري حتى يوفروا على الأجيال القادمة من صانع القرار الأميركي مشقة بناء علاقة وقنوات اتصال جديدة مع المسئولين المصريين، هذا يعني أن صانع القرار الأميركي حريص ليس فقط على مصالح بلاده حاليا، فهو حريص أيضا على مصالح الأجيال الأميركية القادمة.

ثالثا: من الواضح أيضا وفقا لتصريحات رئيس الأركان الأميركي أنه لا يتردد في مطالبة نوابه بالتريث في علاقتهم بمصر، خاصة وأنه يشعر بأنه قادة المجلس العسكري في مصر يحافظون على قدر لا بأس به من المصالح الأميركية في الوقت الراهن بما في ذلك التعاون بخصوص إسرائيل، ولكنه يبقى حذرا متريثا بخصوص المستقبل وموقف أي حكومة مدنية منتخبة في مصر.

والسؤال مرة أخرى هو كيف نستفيد من تلك المواقف الأميركية فيما يتعلق بترشيد الموقف المصري تجاه القضية ذاتها، باختصار نحتاج ما يلي:

أولا: بدلا من تهديد الأميركيين كما فعل حزب الحرية والعدالة (حين قال أن المساس بالمعونة سوف يؤثر على اتفاقية كامب دايفيد)، وبدلا من دعم حزب النور لتصريحات أو مبادرة غير واضحة المعالم أطلقها الشيخ محمد حسان لجمع تبرعات من المصريين للاستغناء عن المعونة السنوية (1.55 مليار دولار أميركي سنويا)، كان يجب عليهم القيام أولا بمطالبة المسئولين المصريين بتقديم شرح كافي للفوائد التي تعود على المصريين من تلك المعونة وحجم الضغوط الأميركية وسبل مواجهتها بالسبل الدبلوماسية قبل التهديد والوعيد والدعوة للاستغناء عن المعونة.

ثانيا: من حق المصريين أيضا الحصول على تصور لمصالحهم في أميركا وسبل حمايتها على الأمدين الطويل والبعيد كما يفكر الأميركيون، يعني وظيفة من هم في موضع المسئولية السياسية ليست إطلاق التصريحات الجماهيرية اللاذعة ولكنها التفكير الاستراتيجي والنظر على المدى البعيد.

أخيرا، أتمنى أن ثورة 25 يناير تمثل نهاية عهد السياسات المجهولة والمواقف المبهمة، وأنه حان الوقت لمصارحة المصريين بحقيقة سياسات مصر الداخلية والخارجية على حد سواء، فلم يعد من المقبول أن نبحث عن حقيقية مواقف السياسة الخارجية المصرية في تصريحات المسئولين الأجانب وتقارير مؤسساتهم المختلفة، والله أعلم.

www.alaabayoumi.com

شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 23/شباط/2012 - 30/ربيع الأول/1433

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2011م