المرحلي والاستراتيجي في عمل الأحزاب السياسية

احمد جويد/مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث

أصبح وجود الأحزاب في الحياة السياسية لدى الدول التي تتمتع بالديمقراطية ضرورة ملحة لتحقيق التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، بل ان الاحزاب تمثل جوهر الديمقراطية، لأنها تسير نحو ايجاد حالة كبيرة من التوازن والاستقرار السياسي وتحافظ على عدم ترجيح كفة جهة على أخرى عبر توزيع القدرات وعدم تمركزها.

 فهي تُعَدّ إحدى الظواهر البارزة في المجتمعات المتقدمة لما تفرزه من تنافس ايجابي على السلطة وتجسد مبدأ المشاركة السياسية، إضافة إلى التعبير عن إرادة المجتمع بكافة أطيافه ومصالحه، بينما في الدول التي تدعي الديمقراطية أو حديثة العهد بها فهي أقرب إلى الشكل دون المضمون في أغلب الأحيان بحيث تكون هنالك خشية من استئثار حزب معين في السلطة تحت ذريعة الوصول إلى الحكم عن طريق الشرعية الانتخابية وبالتالي سوف يستغل أكبر قدر من مقدرات الدولة لصالح مشروعه السلطوي.

فما هو الحزب السياسي؟ وبماذا يتميز عن غيره من التنظيمات الأخرى؟ وكيف يحافظ على ديمومة وجوده في الحياة السياسية؟

 الحزب؛ كلمة عربية تعني: فريق أو مجموعة من الناس الذين لهم تفكيرٌ واحد وهدف واحدٌ، وجمعُ كلمة (الحزب) هو (الأحزاب)؛ وتوجد في القرآن الكريم سورة باسم (الأحزاب)، يقول الله سبحانه وتعالى( وَلَمَا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَهُ وَرَسُولُهُ) آية21سورة الأحزاب.

 ويمكن تعريف الحزب السياسي على انه: تنظيم يضم مجموعة من الأفراد بنفس الرؤية السياسية وتعمل على وضع أفكارها موضوع التنفيذ وذلك بالعمل في آن واحد على ضم أكبر عدد ممكن من المواطنين إلى صفوفهم وعلى تولى الحكم أو على الأقل التأثير على قرارات السلطات الحاكمة.

وعرّف الكاتب البريطاني "إدموند بيرك" الحزب السياسي بأنه "مجموعة من الأفراد اتحدت بجهودها الذاتية لترقية المصلحة الوطنية على أساس مبدأ معين متفق عليه بين المجتمع"، وعرفه آخرون على أنه مجموعة من الأفراد تسعى للوصول إلى السلطة للاستفادة من ثمارها.

 تُعَرِّف الموسوعة البريطانية الحزب السياسي على أنه؛ مجموعة ضمن مجموعات أخرى في النظام السياسي، تحاول إيصال مرشحيها إلى المناصب العامة للسيطرة على الحكومة أو التأثير على سياساتها، ويرى موريس دوفرجيه أن الحزب (مجموعة طوائف أو إجتماع مجموعات صغيرة تنتشر في البلاد، ترتبط فيما بينها بنظم تنسق عملها للوصول إلى الحكم عن طريق الانتخاب).

 أما التعريف الجامع لمعنى الحزب السياسي هو ما ذهب إليه د. سمير عبد الرحمن الشمري، باعتباره: جماعة اجتماعية تطوعية واعية منظمه ومتميزة من حيث الوعي السياسي والسلوك الاجتماعي المنظم ومن حيث الطموحات والآمال المستقبلية ولها غايات قريبة وبعيدة وتهدف هذه الجماعة إلى الاستيلاء على السلطة (إذا كانت في المعارضة وإلى تغير سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وحياتي يتساوق مع قناعتها واتجاهاتها).

وما نود التأكيد عليه في هذا التعريف هو عبارة (الطموحات والآمال المستقبلية ولها غايات قريبة وبعيدة)، فالمستقبل هو غاية التنظيم الحزبي، أما القريبة تعني المرحلي والبعيدة تعني الاستراتيجي، ولابد لكل حزب يرغب بالديمومة والاستمرار في العمل الحزبي والوصول إلى السلطة حتى لو خرج منها أن يضع نصب عينه الغايات البعيدة والعمل على تعزيزها من خلال الغايات القريبة أي المرحلية، إذ يجب أن تكافح الأحزاب نظاماً معيناً مـن أجل تأمين المصلحة حسب ما تراها واستلام السلطة وتطبيق مسلكها العقائدي وزعامة الطبقة الخاصـة التي يمثلها هذا الحزب على ساحة الصراع الاجتماعي.

 فقوة الأحزاب في البلدان الغربية هي في إطِراد نظراً لإقبال الناس على هذا النوع من المدارس السياسية، حتى باتت الحكومات غير قادرة على البقاء في السلطة أو في سعيها للسلطة دون دعم ومساندة من الأحزاب، فالحكومات التي جاءت إلى السلطة بدون دعم حزبي لم تدم طويلاً فسقطت في مواجهتها لأقل مانع أو مشكلة، وقد وصل الأمر إلى حد أن الأحزاب السياسية أصبحت في المجتمعات الغربية من مستلزمات الديمقراطية الحديثة.

والحزب السياسي يختلف عن غيره من التنظيمات؛ فهناك تنظيمات عدة تشترك مع الحزب في العناصر مثل الجمعيات الثقافية والنقابات المهنية وجماعات الضغط التي هي كلها عبارة عن مجاميع من الأفراد يجتمعون على بعض المبادئ وقد توجد روابط تنظيمية بينهم، ولكن ما يميز الحزب عن هذه التنظيمات هو أن هذه المجاميع لا تسعى للوصول إلى السلطة، فهذه الجمعيات تسعى لنيل حقوق شريحة معينة مثلا كما هو الحال في النقابات المهنية، أو تسعى لحل بعض المشاكل والأزمات الآنية، وعليه فإن المعيار الوحيد للفرق بين الحزب السياسي وغيره من التنظيمات هو الهدف السياسي وهو الوصول إلى السلطة.

 وليس المهم تأسيس الأحزاب وكثرة عددها بقدر أهمية فاعليتها على الساحة السياسية واستطاعتها الوصول إلى السلطة لعدة مرات حتى مع فقدانها للسلطة لدورة أو دورتين انتخابيتين، وذلك بالاستناد إلى القواعد الشعبية التي تحافظ على ديمومتها في الحياة السياسية متفاعلة مع قضايا الأمة الجوهرية والإستراتيجية بشكل تنظيمي، فتكون كما وصفها المرجع الديني الراحل الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) في كتابه "فقه السياسة" بالقول: ((أما الحزب بالمعنى السياسي الصحيح لهذه الكلمة فهو جزء من الأمة له هدف تقديم الأمة إلى الأمام وإصلاح المفاسد ودرء الأخطار فهو جزء من الأمة يمتاز عنها بالتنظيم وكثرة التفهم للواقع وكثرة العمل فيكون من الأمة والى الأمة) ص110.

 وتُقسم الأحزاب إلى صنفين؛ أحدهما ينشط خارج البرلمانات والآخر داخلها، لكن هناك اختلاف كبير جداً بين الحزب، الذي يأخذ مشروعية مـن خارج البرلمان وبين الحزب الذي يجد أرضيته في الأوساط البرلمانية والهيئات الانتخابية، لأن الأحزاب الناشطة خارج البرلمانات لها تمركزٌ وتماسكٌ أكثر من تلك الأحزاب الـتي تعمل داخل البرلمانات، نظراً لأن تكامل مثل هـذه الأحزاب -أي الأحزاب العاملة داخل البرلمانات- يبدأ مـن الأعلـى، بينما سائر الأحزاب تتشكل بدايةً من الوسط الشعبي، أي أنها تقوم من أعماق جماهير الشعب.

ولابد للحزب أن يبدأ القوة من داخله من خلال الاعتماد على القاعدة الداخلية للحزب التي يقرها نظامه الداخلي ويلتزم بها قادته، فلا ديمومة لحزب قائم على الفردية في اتخاذ القرارات دون الرجوع أخذ المشورة من أغلب قيادات الحزب، لقد انطلقت معالجة الإمام الشيرازي لموضوعة الحزب على ضوء مسيرة عمله المرجعي والفكري، ومواكبته لعدة تجارب سياسية أوجدت لديه الخزين الميداني المطلوب حول واقع الأحزاب، وتاريخ نشوئها، وبالتالي كانت أفكاره ومقولاته ليست منفصلة عن الواقع، لهذا امتاز في إصراره على مبدأ الشورى وجعلها معياراً تؤسس عليه المؤسسات السياسية والاجتماعية المانعة لنمو بذرة التسلط والاستبداد داخل أروقة الأحزاب والكيانات الاجتماعية.

فلابد أن تكون للأحزاب منطلقات إستراتيجية مبنية على:

أولاً: تجميع المصالح: وهو تحويل مطالب الناس إلى بدائل لسياسة عامة موجودة من قبل، ويقول "الموند" عن تجميع المصالح، إنه النشاط الذي تتوجه فيه مطالب للأفراد والجماعات ومصادرهم لتقوية اقتراح سياسي ذي مغزى وتصبح الاقتراحات ذات مغزى حين تكتسب مساندة مصادر سياسية قوية.

ثانياً: أن تكون الأحزاب عامل نشاط في الحياة السياسية والبرلمانية: لأنها تمكن الشعب من التعبير عن رغباته ومطالبه بطريقة منطقية وفاعلة كما تقوي الروابط بين الهيئة الناخبة والهيئة الحاكمة.

ثالثاً: إيمان أعضاء الحزب وقياداته بالتداول السلمي للسلطة داخل التنظيم الحزبي وعلى مستوى الحكم، إذا لا يمكن لأي حزب من الأحزاب ينتهج الاستبداد والدكتاتورية في داخل تنظيمه ولا يسمح بتداول داخل صفوفه وبين قياداته بالاستمرار في العمل السياسي حتى ولو كان ذلك الحزب على رأس السلطة الحاكمة.

رابعاً: عدم التركيز على المصالح الآنية والمكاسب المرحلية لأعضاء الحزب، لأن ذلك سوف يفقده مصالح إستراتيجية كبيرة من الممكن له الحصول عليها في حال تخلي أعضاءه عن التفكير بالمكاسب القريبة.

خامساً: الرقابة والمحاسبة: فعلى الحزب أن يقوم بمراقبة تصرفات أعضائه داخل السلطة كما يراقب الحكومة وأعمالها الأمر الذي يؤثر على السلطة ويمنعها من التجاوزات والفساد وبالتالي يزيد من شعبية الحزب.

سادساً: التنشئة السياسية: وتشير إلى عملية تعلم القيم والاتجاهات السياسية والقيم والأنماط الاجتماعية ذات المغزى السياسي، وهي عملية مستمرة يتعرض لها الإنسان عبر مراحل حياته المختلفة وقد تقتصر هذه العملية على مجرد نقل الثقافة السياسية من جيل إلى جيل وقد تستهدف إحداث تغيير جزئي أو شامل في عناصر ومكونات هذه الثقافة وتعتبر الأحزاب من المؤسسات الهامة التي تقوم بهذا الدور من خلال تكوين رؤية المواطن نحو المجتمع والسياسة عبر صحافتها أو ما تقوم به من نشاط تثقيفي.

 ان الأحزاب تعيش اليوم ظواهر معاصرة منها تنافس الشركات العابرة للقارات، ومنظمات المجتمع المدني، في توفير وتسهيل أمور المجتمع ولذلك أكد الإمام الشيرازي على الاهتمام بظاهرة المؤتمرات التي تعيد بعث روح المؤسسة بجميع أشكالها الوظيفية، فالمؤتمرات هي تنشيط وتوسيع بدائرة الحوار وصناعة الفكرة بين أفراد التنظيم الذين هم بحاجة لها، هكذا يضع الإمام الشيرازي اللبنات الأولى لأجل قيام أحزاب تملك القوة اللازمة لصناعة وعي سياسي مستنير يساهم في تشييد حالة اجتماعية وسياسية تقبل الجميع دون استثناء وتعمل وفق منظور استراتجي يتجاوز المكتسبات الآنية التي من الممكن أن تطيح به في بداية الطريق.

إن اختلاف الرأي السياسي يخلق الأحزاب ذات البرامج والتوجهات المختلفة والتي قد يبدو عليها حالة من الصراع على اثبات وجودها أثناء التنافس في تحقيق الهدف وهو الوصول إلى السلطة، فلا ضرر من أن يكون هناك اختلاف في وجهات النظر والآراء بين الأحزاب، لكن فرض الإرادات يمثل كارثة حقيقية في التعددية الحزبية التي من المفترض أن تقود إلى الديمقراطية وبناء البلد والتداول السلمي للسلطة.

* مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث

http://shrsc.com/index.htm

شبكة النبأ المعلوماتية- الثلاثاء 19/تموز/2011 - 17/شعبان/1432

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1432هـ  /  1999- 2011م