ملعقة الشاي... حديث في المشروب والطقوس

حيدر الجراح

 

شبكة النبأ: تذوقت طعم الشاي للمرة الاولى بعد ان خرجت من المصنع انا والملايين من رفيقاتي، كان طعمه مرا، وقبل الشعور بالمرارة غطست اكبر مساحة من جسدي بسائل ساخن، وارتفعت حرارتي كثيرا، عرفت انه الشاي، وتساءلت كيف يشربه الناس وهو بهذه المرارة من الطعم.

امسك بي اصبعان وبدءا بتحريكي في قدح الشاي الصغير، شعرت بالغثيان وانا ادور في تلة من المسحوق الابيض. بعد قليل تركتني تلك الاصابع لأجدني وانا اسبح في بحر من الحلاوة قبل ان تسحبني تلك الاصابع الى الخارج واشعر بهبة هواء باردة.

لقد اكتملت اوصاف الشاي التي سمعت عنها من عمال المصنع قبل خروجي انه (احمر وساخن وحلو)، لم يكن عملي كثيرا حيث وجدت نفسي خارجة من احد الاكياس في مطبخ ليس مرتبا بالكامل، حيث تتناثر فيه بعض الرفيقات الاكبر مني حجما وبعض الاكواب التي استحم فيها نادرا، كنت في رزمة واحدة مع رفيقاتي، حررتني تلك اليدان الرقيقتان من قيودي التي تربطني بالرفيقات وسقط علي تيار من الماء الفاتر كان ذلك اول استحمام لي في دنياي الجديدة.

تركتني تلك المرأة في سلة معلقة على الحائط كي اجفف نفسي واختفت خارجة بخطى متثاقلة، سمعت صوت باب يفتح وصوت ادراج في غرفة اخرى ثم عادت مرة اخرى ولكنها هذه المرة ترتدي زيا اخر، كنت اراقب حركتها وهي تفتح الثلاجة وتخرج بعض الاكياس منها، اشعلت الطباخ ووضعت قدرا صغيرا عليه مملوء بالماء واخذت بتقطيع شرائح الدجاج الى قطع صغيرة، انها تعدّ الغداء.

سمعت صوت موسيقى اتيا من بعيد، هرعت تلك المرأة باتجاه الصوت سمعتها تتحدث، لم اعرف مع من، لكنها عادت مرة اخرى وهي تحدث نفسها: لقد تأخرت لكن الغداء سيكون جاهزا عند حضوره.

كانت تدور في المطبخ ترفع الاغطية عن القدور وتضيف اليها مقادير من مساحيق ملونة مختلفة وتتذوق محتويات القدر، كنت ارى علامات الرضا او الانزعاج على وجهها وكنت استغرب لهذه العلامات ولا اعرف لها تفسيرا، بعد وقت ليس بالقصير رن صوت جرس من مكان ما خارج المطبخ اسرعت راكضة سمعت صوت باب يفتح، صوت فيه خشونة يسلم عليها سمعتها تقول له: لقد تأخرت اجابها: الإزدحامات لا ترحم كالعادة، عادت الى المطبخ واخذت تسحب الاطباق من السلة التي انا فيها و تضعها على المائدة المستديرة في احد الاركان.

دخل علينا رجل طويل القامة يبدو التعب على وجهه اخذ مكانه على الكرسي عند المائدة، اطفأت نيران طباخها ورفعت القدور ووضعتها على تلك المائدة، شرعا بالأكل، حدثته عن مشوارها الطويل في السوق وعن الحاجيات التي اشترتها، كان ينصت لها ويجيب اجابات مقتضبة، لم يكن مهتما بالحديث، كان يريد ان ينهي طعامه بسرعة، الحمد لله والشكر على نعمه، قال ذلك ونهض عن مقعده، سالته: اين تريد ان تشرب الشاي؟ في الغرفة، اجابها منسحبا من امامها خارج المطبخ.

كنت متهيأة للعمل الذي صنعت من اجله، وضعتني في احدى الإستكانات المذهبة وحاصرتني بمسحوق ابيض تساقطت علي حباته بسرعة ثم غمرني ذلك السائل الاحمر الساخن، تلك كانت تجربتي الاولى في تذوق الشاي ومساعدة الاخرين في التمتع به.

بعد سنوات طويلة من الدوران في الاف الاقداح اصبحت لدي خبرة كافية في انواع هذا المشروب واشكاله وكيفية اعداده بالإضافة الى ماكنت اسمعه على لسان الشاربين في جلسات سمرهم.

ارتبط الشاي في ذهن الناس وفي معظم دول العالم بانه ليس فقط المشروب الوطني الصيني وانما المنتج الوطني ايضا، وحتى كلمة شاي بصيغها المختلفة في معظم لغات العالم، هي كلمة صينية شا  (Cha).

أول من زرع واستخدم الشاي هم الصينيون، وتذكر الروايات الصينية بأن الملك شينوقShennong  كان مغرماً برعاية وجمع والتداوي بالأعشاب، وكان يحب شرب الماء الساخن بعد غليانه، وقد ترك بعض أوراق الشاي في الحديقة وبالمصادفة حملت الريح ورقة من الشاي الجاف إلى قدح الماء الساخن الذي اعتاد ان يحتسيه وهو جالس في الحديقة كنوع من أنواع العلاج بالماء فلاحظ الملك تغير لون الماء فتذوق طعم المنقوع واستساغ طعمه ودأب على تناوله هو ومن في معيته ما اشاع استخدامه في الصين وخارجها.

أما العرب والأوروبيون وغيرهم، فقد ذكرت الموسوعة العربية العالمية ما يشير إلى أن الشاي لم يُعرف عند العرب في عصر الجاهلية ولا في صدر الإسلام ولا في العصر الأموي ولا العباسي، ربما جاء شربه بعد هذا التاريخ حيث لم يوجد تاريخ محدد لدخول الشاي وشربه في المنطقة العربية وفي العراق خصوصاً ليكون من أشهر واكثر المشروبات شعبية في عراق اليوم، لأنه لم ينتشر ويصبح معروفاً في العالم إلا في القرن السابع عشر وما بعده، وقد كانت أول شحنة من الشاي قد وصلت أوروبا في عام 1610 وهو أول عهد الاوربيين بالشاي.

ترقى قصة الشاي في أوروبا إلى القرن السابع عشر عندما أحضر الهولنديون الشاي الأخضر لأول مرة إلى هذه القارة. وكان الشاي يعتبر في ذاك الوقت من المواد الغذائية الباهظة فكان دواءً مهماً يقتصر بيعه على الأماكن المخصصة لبيع العقاقير ومع الوقت توسع نطاق استخدام الشاي.

ولم يعد دواءً فحسب بل تحول إلى شراب يعتمده المترفون مع بدء استيراد الشاي الاسود وهكذا انضم الشاي إلى مجموعة المشروبات الباهظة مع القهوة والشوكلاته.

ويتابع الشاي رحلته الطويلة, فينتقل من هولندا ليحط الرحال في إنكلترا و ألمانيا. ولا يمضي سبعون عاماً حتى يقرر الإنجليز تأسيس شركة الهند الشرقية (East India Company) فتكون الرائدة في تجارة الشاي. ولفترة طويلة من الزمن اشتهر الشاي الأسود المستورد من آسيا باسم (الشاي الروسي), إذ كانت القوافل تنقله من روسيا إلى أوروبا.

وتحسنت صناعة الشاي فشهدت ازدهاراً مهماً في القرن التاسع عشر مع مصنع الشاي الإنجليزي المعروف توماس ليبتون الذي تفنن في مزج أنواع الشاي وطرحه في الأسواق في علب موضبة جاهزة.

والشاي أنواع ونكهات منها:

الزهري: (Flowery) ويمتاز برائحته الزكية.

أورانج (برتقالي) ولا علاقة للبرتقال بهذا النوع من الشاي, وهو يصل إلينا من منطقة أورانيين الهولندية.

بيكو: من الصين ويمتاز بمذاقه الحاد نوعاً ما إذ أن الشاي من هذا النوع يحضر من الأوراق الصغيرة الطرية.

الشاي المستدق: (Tippy): من الأوراق الناعمة الصغيرة جداً, ويمتاز بمذاقة الحاد وبلونه الذهبي. وفي الدول الاجنبيه يوجد اوقات محدده لشرب الشاي مثل اوقات تناول الغذاء عند العرب.

وهناك خمسة أنواع مستخدمة من الشاي وهي:

- الشاي الأسود  black tea.

- الشاي الأخضر green tea.

-  الشاي الألونج  Oolog tea.

-  الشاي الأبيض.

-  شاي أيرل جري Earl Grey

والشاي مشروب له أرث شعبي لدى كثير من الشعوب، ففي المغرب يسمى الشاي الأخضر ب (الأتاي) وله مكانة خاصة، ليس فقط في موائد الأكل، وإنما أيضا في دواوين الشعراء والأدباء، الذين أفرد كثير منهم لهذا المشروب العجيب قصائد شعرية وزجلا ومتونا لم تترك صغيرة ولا كبيرة عنه إلا وأبرزتها، وهذه جولة في أهم ما قيل عن الشاي المغربي كما فصلته دراسة للأستاذ عبد الحق المريني بعنوان "الشاي في الأدب المغربي" نشرتها سلسلة "شراع" في عددها 57.

يورد عبد الحق المريني عدة احتمالات حول كيفية اكتشاف الشاي، منها أن (أحد أباطرة الصين القدماء كان يغلي إبريقا من الماء تحت إحدى الأشجار وكانت فوهة الإبريق مفتوحة، وإذا ببعض الأوراق تسقط في الإبريق وتفوح منه رائحة طيبة ويتغير لون الماء، وما إن تذوق الإمبراطور الصيني شيئا من هذا السائل حتى استطاب مذاقه فأوصى المقربين باستعمال هذه العملية حتى شاع في الصين شرب الشاي"، وهناك من يشيع أن أحد الكهنة البوذيين في الهند هو من اكتشف هذه النبتة التي كان يستعملها كمنبه للبقاء أكبر وقت ممكن مستيقظا.

ويورد عبد الحق المريني اتفاق جل المؤرخين على أن المغرب (عرف الشاي في القرن الثامن عشر، وبدأ انتشاره عبر المغرب في منتصف القرن التاسع عشر لما صار المغرب يتعاطى التجارة مع أوربا).

ويضيف: (واحتل الشاي منذ بداية القرن العشرين مكانة متميزة في وسط الأسرة المغربية، وأصبح له طقوس وعادات، وظهرت في وسط الصناع حرفة جديدة أبدع أصحابها في صنع أدوات تحضير الشاي من: صينية، وبراد، وإبريق، وبابور، وربايع،. والتصق الشاي بحياة الشعب المغربي وفرضت جلساته حضورها الدائم في وسط مختلف طبقاتهم، وقد تغنى بهذه الجلسات الشعراء والناظمون والزجالون).

ويعد الشاي المغربي موضوعا استفاضت فيه عدة متون لعل أبرزها أرجوزة الأديب الفاسي والشاعر المغمور (عبد السلام الأزموري) بعنوان (الرائقة العذبة المستملحة الفائقة) التي يحكي فيها عن طرق تهيئ الشاي المغربي ولوازمه وأفضل مجالسه وأوقاته وغيره.

ويستهل الشاعر الأرجوزة بقوله:

الحمد لله الذي أطعمنا من كل مطعوم به أكرمنا

وبعد أن حمد الله مرة ثانية على نعمة الماء الصافي (كالغمم الصيب) استطرد قائلا:

مثل الأتاي "اللندريزي" الجيد صفرته مثل مذاب العجسد

إشارة منه إلى مصدره وهي العاصمة البريطانية لندن التي كان يسميها المغاربة آنذاك (لندريز).

ثم تعرض البطاوري لذكر منافع الشاي عند شربه كتطاير الهم عن النفس وانشراح الصدر وجلب الفرح والسرور:

إن صب في كاساته مذهبة على صفا صينية ملتهبة

تطاير الهم لديها وانشرح صدر الذي يشربه من الفرح

وقد قدم الشاعر سليمان الحوات الشفشاوني في بضعة أبيات شعرية نصيحة (الإدمان على الشاي) لما فيه من المنافع الصحية لكل سقم من الإسقام منها:

وكونوا عليه مدمنين لأنه شفاء النفوس إن عراها سقام

إلى أن يقول:

ويكسو الوجوه حمرة في نعومة كأن بها وردا سقاه غمام

ويبطئ للإنزال في الوطء باعثا على لذة هي المُنى والمرام

ويعرف الشاي في العراق باسم (الجاي) بالجيم الفارسية بدلاً من الشين (الشاي) وهناك عادات وطقوس في شربه.

وقد تزامن دخول الشاي الى العراق مع الاحتلال البريطاني له وأصبح للشاي قيمة اجتماعية في حياتنا اليومية، نقيس به درجة احترام أي زائر ومستوي تقديره ومكانته، حتي أن أي ضيف يزورنا في البيت أو في محل العمل أو حتي في الدائرة الرسمية ولا نقدم له (استكان) شاي يعد ذلك نقصاً في الحفاوة والترحيب وربما (تجاهلاً) جراء عدم الإكتراث وعدم التكريم بـ (استكان) شـاي في الأقل،

لقد بدأت عادة شرب الشاي تتأًصل لدي العراقيين منذ الإحتلال البريطاني،، بينما عرف عن الهنود تناولهم المفرط للشاي وهم يزرعون شجيرته وينتجونه.

وعندما جاء الهنود مع الإحتلال الأول، كانوا يطلقون على قدح الشاي أسم (بيالة) وهي تسمية (هندية - آرية) بمعني (قدح) أو (كوب) ولا زالت مناطق شمال العراق تسمي استكان الشاي (بيالة).

أما كلمة (استكان) فأصلها إنكليزي، حيث أن الجنود البريطانيين الذين كانوا في الهند أيام الاستعمار البريطاني لشبه القارة الهندية عندما كانوا يعودون باجازاتهم إلي بريطانية يأخذون معهم (بيالة) الشاي الهندية أي قدح الشاي، ولأن الإنكليز كانوا يتناولون الشاي بـ(الكوب) وهو فنجان زجاجي كبير يوضع في طبق من ذات اللون والحجم والطراز، وتمييزاً لقدح الشاي الهندي (البيالة) عن (الكوب) الإنكليزي، أطلق هؤلاء على القدح أسم (استكان) وهي تسمية من ثلاثة مقاطع تشرح أصل الإناء أو القدح: East شرق - Tea شاي-Can  إناء (East-tea-can) أي قدح الشاي الشرقي، وهكذا جاء الجنود الإنكليز بهذه اللفظة معهم إلي العراق، ولأن كل ما يتعلق بالشاي كان من الأمور الجديدة الدخيلة علي حياتنا الاجتماعية فقد أخذ العراقيون لفظة (استكان) مدغمة متصلة للسهولة والدلالة، ومازال الكثير من العراقيين لا يتذوق شرب الشاي إلا بـ(الإستكان) رغم أن البعض يشربه بالكوب والآخر يتناوله (بالكلاص) بينما رأينا الكثير من المصريين في العراق يتناولون الشاي بقناني معجون الطماطة الزجاجية الفارغة.

هناك عدة طرق لإعداد الشاي وغلي الماء الخاص به، أفضلها دائماً إعداد الشاي علي (نار الفحم) بدلاً من الكاز أو الغاز أو الكهرباء، وعملية إعداد الشاي نسميها (تخدير الشاي) أي غليه وطبخه حتي ينضج وتفوح رائحته ومن هنا جاءت اهزوجة (خدري الجاي خدري) وشاي الفحم يدل علي الأصالة والذوق وهو مفضل مثل خبز التنور، والشاي أنواع، منها ما هو جيد ومنها ما هو ردئ، ويتحسن الشاي بالخلط، أي بخلط عدة أنواع، ولا يستسيغ العراقيون تناول الشاي المعلب بعبوات صغيرة (شاي أبو الخيط) بينما يفضلون شاي سيلان الخشن ذا الرائحة الزكية. ويمكن اضافة عدة مواد عطرية للشاي ليصبح (شايا معطرا) منها (الهيل) وورق زهر العطر.

وكان للأدباء في بغداد مقهي تقع في الشارع الفرعي الواصل بين شارعي (السعدون) (وأبو نؤاس) يسمي (مقهي شاي معطر) وذلك في حقبة السبعينات بالماضي وقد دخل هذا المقهي في تأريخنا الثقافي كما في بعض الأعمال الأدبــية، والمدمن علي الشاي نسميه في العراق (ترياقجي) من (الترياق) وقيل (الترياق لا يأتي إلا من العراق).

للشاي طقوس ونواميس، منها مثلاً أن يتم شرب الشاي بطريقة (الدشلمة) أو بطريقـــة (الشكرلمة). وطريقة (الدشلمة) تتلخص في أن يتم تناول الشاي بدون سكر مذاب، حيث يقدم (استكان) الشاي المر على (طبق) بدون ملعقة، بينما يقدم في آن واحد (الشكردان) الذي يحتوي علي قطع من السكر المكعبات أو من قطع (شكر الكله) أي ذلك القالب المخروطي من السكر الأبيض الصلب، ثم يكسر الي قطع صغيرة توضع في (الشكردان) فيعمد الشارب إلي تناول قطعة سكر يضعها تحت لسانه ويبقي لفترة طويلة يرشف رشفة من الشاي المر بينما هو يمص ببطئ قطعة السكر تحت لسانه.

وهذه الطريقة مازالت قائمة في بعض مدن وقري شمال العراق، وعملية تكسير قالب (الشكرلمة) تقوم بها ربة البيت بعناية ودقة حيث يجب أن تكون القطع منتظمة غير مفتتة لتصلح تحت اللسان، وهذه العملية متممة لطقوس الشاي وأدواتها فأس صغير وسندان مثله، الفأس تكون قبضته عادة من خشب عادي أو منقوش يدل علي مستوي العائلة، ويسمي (دقاقة) وتستخدم العوائل الفقيرة فؤوساً عادية. وقد دخلت هذه الفأس (الدقاقة) في إحدي روايات (أجاثا كريستي) البوليسية التي تحولت إلي فلم حيث ترتكب بها جريمة قتل.

اما (الشكرلمة) فتتم عبر تناول استكان الشاي المذاب فيه مسحوق السكر أو قطع من سكر المكعبات، وهذه الطريقة هي المألوفة اليوم والغالبة في المقاهي والبيوت.

وهناك اهزوجة شاعت وذاعت أثناء الحرب العالمية الثانية 1939 - 1945 حين عز الشاي وفقد من الأسواق وأنقطع استيراده بسب ظروف الحرب، فعملت وزارة التموين علي إدخال مادة الشاي بالبطاقة التموينية آنذاك شأنه شأن الحنطة وقماش (الجابان) والسكر الأسمر، الخ وفي تلك الأيام العصيبة غني المطرب الريفي حضيري أبو عزيز أغنية تقول كلماتها:

أمضي العريضة

أمضي العريضة

عيني يا أبو التموين

أمضي العريضة

الحلوة علي الجاي

طاحت مريضة).

قال فيه الشاعر أحمد الصافي النجفي متغزّلاً واصفاً الشاي:

لئن كان غيري بالمدامة مولعاً فقد ولعت نفسي بشاي معطرٍ

إذا صب في كأس الزجاج حسبته مذاب عقيق صب في كأس جوهرِ

به أحتسي شهداً وراحاً وسكراً وأنشق منه عبق مسك وعنبرِ

يغيب شعور المرء في كؤوس الطلا ويصحو بكأس الشاي عقل المفكر

يُجدُّ سرور المرء من دون نشوة فأحبب به من منعش غير مسكر

خلا من صداع أو نزيف كأنه سلافة أهل الخلد أو ماء كوثر

فمنه إصطباحي واغتباقي ولذتي ومنه شفائي من عناء مكدر

اما عند الأتراك، فيسمى (تشاي) ويطبخ على بخار ماء يوضع في سموّر كبير ويوضع الشاي في إبريق ويكون مركز، ويصب قليلاً من الشاي المركز ويملأ بقية الكأس بالماء الذي يغلي، يقدم في كأس مموج كجسم عارضة فاتنة في صحن صغير ويوضع في داخل الكأس ملعقة صغيرة ويوضع على جانب الصحن كسرتين من السكر.

وفي تركيا تترافق أحاديث لمواضيع مهمة في مأثور تناول هذا المشروب، والعادة المتبعة أن يقدم الشاي بعد تناول أية وجبة غذائية. وفي جلسات المقاهي لتناول كأساً من الشاي فرصة لمقابلة أو التعارف على أشخاص جدد.

وفي العرف التركي فإن تقديم الشاي هو تعبير عن الحب والمعزة، التحضر والاحترام. ويقدم الشاي بكؤوس من النمط التركي التقليدي آخذاً من عشق الأتراك له شرابا مفضلاً في كل الأوقات في حياتهم اليومية.

تستهلك كل عائلة تركية ما لا يقل عن 8 كيلوغرامات من الشاي سنويا، حيث يعد الشاي المشروب الأساسي في تركيا، ولا يخلو منه بيت، إذ ينطوي على فلسفة مفادها أن الذي يشرب معك الشاي لا يضمر لك الشر.

وشرب الشاي من التقاليد العريقة عند الأتراك، حيث يتحلق أفراد العائلة والجيران والعمال في أماكن العمل حول الشاي في أوقات محددة، ومناسبات معروفة. وتختلف طرق إعداد الشاي من منطقة إلى أخرى وأحيانا من عائلة إلى أخرى، فهناك من يريده خفيفا، بينما يسعى بعض القرويين إلى جعله داكناً وقوياً.

وهناك من يكتفي بكمية قليلة ولمرة واحدة، وهناك من يضع كمية كبيرة من الشاي، وكلما نفدت كمية الماء بعد صبها في الفناجين يتم إضافة كميات أخرى من الماء على نفس الكمية من الشاي السابقة لمرتين وثلاث، ثم يترك الباقي للأطفال بعد أن يفقد قوته ويصبح مجرد ماء محلى بالسكر بنكهة الشاي ولونه البرتقالي.

وللإنكليز ايضا شايهم (المقدس) حيث يقدِّسون شاي الساعة الخامسة مساء والذي يقدم في إبريق من البورسلان الأبيض رُسمت عليه زهور وعصافير ملونة ويغطونه بدثار قطني مشغول على الصنارة له بطانة اسفنجية رقيقة ليحتفظ بحرارة الماء في الإبريق. ويقال أنها عادة بدأها الانجليز أيام الحربِ العالمية الأولى واستخدَموها لتوفير الطاقة وللاحتفاظ بالشاي دافئا أطول فترة ممكنة. الشّاي الانجليزي تقليد يتمسك به الانجليز ويحافظون علَى طقوسه ويحتفون به، ولا تكتمل طقوسه إلا بتقديمه مع شطائر الحلوى المعروفة بالسكونز والتي تقدم مع الزبدة وأنواع المربى بمذاقِ التوت البري والكرز الأحمر والقشطة الطازجة حيث توضع على ثلاث صحون متفاوتة في الحجم ومثبتة على حامل من الفضة لتوفير مساحة على الطاولة تسمح للأشخاص المتواجدين بحرية الحركة، ذلك لأن الانجليز يعانون من ضيقِ المساحات في بيوتهم ومقاهيهم.

 اما في اليابان فيرتبط تناول الشاي بطقوس ومظاهر خاصة تنبع من التقاليد اليابانية، ويجري تحضير الشاي وفق طقوس معينة تتم وفق ترتيب وتلقين في معاهد متخصصة تقوم بالتعريف باحتفالات تقديم الشاي، وعند صب الشاي يجب الحرص دائما على استقامة الذراع وملء القدح الأول الى الربع والثاني الى النصف والثالث الى ثلاثة أرباع، ثم يعاد الصب لملء الأقداح بمنسوب واحد لضمان ان يكون الشاي في جميع الأقداح بلون واحد وقوة واحدة.

يصاحب تلك الدقة في طقوس تقديم الشاي الياباني الحرص على استخدام افضل أنواع الشاي وأكثر الأقداح أناقة بالإضافة الى الخدمة المتميزة. وتتميز الفنون التقليدية اليابانية بتناولها مختلف جوانب الحياة الإجتماعية ولعل أهمها ما يعرف باللغة اليابانية بإسم (سادو) ومعناها طريقة عمل الشاي أو حفل تقديم الشاي الأخضر للضيوف.

وترجع أصول طريقة (سادو) لتحضير الشاي الى القرن الثاني عشر منذ عودة أحد الرهبان البوذيين الى اليابان من الصين محملا بمسحوق الشاي الأخضر، فاقتصر تحضير هذا النوع من الشاي وشربه على المعابد ليتمكن الرهبان من المكوث فترات طوالاً في حالة من اليقظة اثناء فترات التعبد.

ومع نهاية القرن الخامس عشر، أصبح للشاي فن خاص لتحضيره على يد راهب يدعى (موراتا شوكو)،الذي كان يحضر الشاي لعائلة أشيكاجا الحاكمة في ذلك الوقت، فأصبح أول أستاذ يحضر الشاي أمام الضيوف وانما استكمل هذا الفن بتغيير أدوات التحضير من قدور وأكواب وملاعق من مصنوعات السيراميك الصينية الجميلة الى مصنوعات يابانية تتميز بطابع روحي خاص تضفي الهدوء على بيت الشاي وزواره.

وتعاقب عدة أساتذة على تطوير فنون تقديم الشاي الأخضر بعد شوكو الى أن وضع (سان ريكيو) مبادئ فنون تحضير الشاي وتقديمه في القرن السادس عشر وهي لاتزال سارية حتى الآن للذين يقدمون هذا الفن الرفيع.

ومن الواجبات التي يمليها بيت الشاي على الضيف أن يقوم بغسل اليدين بالماء وخلع الحذاء والدخول من باب صغير يشبه النافذة الى غرفة الشاي والجلوس بوضع ساكن الى أن يقوم المضيف بتحضير الشاي أمامه، ومن ثم تقديمه اليه ليستمتع بمذاق الشراب المحضر من مسحوق الشاي الأخضر الذي يتميز بمذاقه المر ويقابله شيء من الحلوى لتخفيف حدة هذا المذاق في الفم. وتنتشر بيوت الشاي في العديد من المدن اليابانية حاليا وخاصة في الحدائق اليابانية التقليدية التي عادة ما تحتوي على برك المياه، حيث تبنى هذه البيوت لتطل على هذه البرك.

وتعد مدينة كيوتو من أشهر المدن التي تحافظ على الكثير من العادات القديمة والآثار التاريخية ومنها بيوت الشاي.

وحظي مشروب الشاي في السعودية على اهتمام خاص حيث أثبتت الإحصاءات أن السعودية تحتل المرتبة الثانية عربيا وضمن أكبر 20دولة حول العالم التي تحتل فيها بريطانيا المرتبة الأولى في استهلاك الشاي.

ويستهلك العالم نحو 3.5مليارات كوب من الشاي يومياً يقدر استهلاك السعودية نحو 60مليون كوب من الشاي يومياً ويبلغ حجم ما تستورده من الشاي 3.5ملايين كيلو في السنة بسعر الكيلو 30 ريالاً لأصبح معدل الانفاق على الشاي نحو 105ملايين ريال سنوياً.

وتنفق مصر نحو‏3‏ مليارات جنيه سنويا علي الشاي وتستهلك ‏100‏ ألف طن من الشاي‏,‏ ويتراوح معدل استهلاك المواطن المصري بين‏3‏ و‏5‏ اكواب يوميا‏,‏ وتحتل مصر المركز الخامس عالميا في استهلاك الشاي ويعتبر الشاي هو المشروب الاول والوحيد لمحدودي الدخل في مصر.‏

وتعتبر صناعة الشاي من الصناعات الاساسية في اقتصاديات العديد من دول العالم حيث بلغت قيمة التجارة العالمية من الشاي‏9.87‏ مليار دولار‏2008‏ منها ‏5.204‏ مليار قيمة صادرات و‏4.511‏ مليار قيمة واردات و‏150‏ مليونا قيمة اعادة تصدير‏.‏

وفيما يتعلق بالدول المنتجة للشاي نجد ان اكبر الدول المنتجة للشاي في العالم هي الهند‏,‏ الصين‏,‏ كينيا‏,‏ تركيا وسريلانكا‏,‏ واندونيسيا‏,‏ حيث تنتج اكثر من‏75%‏ من الانتاج العالمي للشاي‏,‏ وتنتج افريقيا ما يعادل‏15%‏ من الانتاج العالمي‏,‏ في حين تغطي كينيا‏58%‏ من انتاج الشاي الافريقي‏.‏

شبكة النبأ المعلوماتية- السبت 22/كانون الثاني/2011 - 16/صفر/1432

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1432هـ  /  1999- 2011م