
شبكة النبأ: يرى بعضهم ان محو القضايا،
او الحوادث، او الوقائع المؤلمة، من سجل التأريخ سيساعد على نيسان
الماضي المؤلم، ويفتح المجال أمام الوئام والسلام بين الامم والشعوب،
واذا كان هذا الرأي يصح مع نسيان المعارك والحروب والاحتدامات التي
تحدث عشوائيا، ولا تخلف وراءها سوى الدمار والقتل والآلام، فإنه لا يصح
حين يكون الصراع، بين المنهج الواعي المتحرر وبين المنهج الضال.
هذه التوطئة تقودنا الى يوم الغدير، ومنهجه الذي يشكل خطا واضحا
للاسلام المتحرر، والذي يدعو بدوره الى التسامح والعدل والمساواة
وانصاف الضعفاء، متمثلا بمنهج الامام علي بن ابي طالب (ع)، ودوره
الكبير في ارساء قيم العدالة، من خلال قيادته للامة الاسلامية، حيث
انتفى الفقر وازدهرت الزراعة، وحلّ العدل بدلا من الظلم، والمساواة
بدلا من الغبن، وتفوقت قيم المؤاخاة على غيرها، إستنادا الى القول
الانساني المأثور للامام علي بن ابي طالب عليه السلام الذي يقول فيه (الناس
صنفان اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق)، وهذا القول يشكل
بدروره جوهر السياسة التي انتهجها الامام حيال الجميع، ولهذا توافرت
اجواء الحرية للجميع وهو ما يسعى اليه بنو البشر في الماضي والحاضر
والمستقبل عبر ترسيخ القيم المتحررة من خلال ترسيخ منهج التحرر الذي
كان مسارا فكريا وعمليا لقيادة الامام علي عليه السلام.
إن أمير المؤمنين عليه السلام كان سباقا الى طرح المفاهيم الحضارية،
مثل الحرية والعدالة وحرية المعارضة والضمان الاجتماعي، وغيرها مما
يشغل العالم اليوم، كما يؤكد ذلك الفقيه الشيرازي (أعلى الله درجاته)
في كتابه (منهج الغدير)، ولهذا فإن ما تنشغل البشرية هذا اليوم كان قد
حققه الامام (ع) قبل قرون خلت، من خلال المنهج التحرري الذي كان سائدا
في ظل قيادته للامة الاسلامية آنذاك.
لهذا لايمكن ولا يصح أن نتناسى الغدير بحجة تناسي الماضي وآلامه،
فالامم الحية هي التي تتصدى لأخطائها وازماتها التأريخية بحنكة ومعرفة
عالية، لكي تضع الحلول الناجعة لأزماتها وتصحح مساراتها الخاطئة، لا ان
تتناسها أو تضعها خلف ظهرها كي تتنامى وتتصاعد افرازاتها ومساوئها
أضعافا، كما أن اللجوء الى تناسي المواقف والازمات والوقائع التأريخية
الصعبة، ينم عن قبول بتلك الأخطاء والتوجهات حتى لو كانت وما زالت تلحق
الضرر بأصحابها، وهذا منطق خاطئ جملة وتفصيلا، إذ لابد من وضع الامور
في نصابها الصحيح لكي يتسنى للمعنيين معالجتها كما ينبغي.
ولابد أن نفهم بأن مجافاة المسار الانساني السليم، ممثلا بالمنهج
المتحرر للامام علي بن ابي طالب عليه السلام، يُعد خطأً كبيرا مضافا
الى الاخطاء التأريخية السابقة، ولهذا ليس مقبولا أن نبارح الحق الى
خلافه، بدعوى تناسي آلام الماضي وإشكالاته، التي لا تزال تلقي بظلالها
على الامة الاسلامية جمعاء.
لقد كان واضحا ذلك الغبن البيّن الذي أُلحق بمنهج الحق والحرية الذي
تمثّل برفض اختيار الرسول الاعظم (ص) لأمير المؤمنين علي (ع) قائدا
للامة من بعده، وهو وما حدث من التفاف على هذا الاختيار الذي لم يختلف
عليه سوى الذين حاولوا وأد المنهج الاسلامي الانساني التحرري، وتكريس
منهج القمع والظلم والحكم السلطوي المتفرد.
لهذا نقول أن من يدعو الى نسيان دروس الماضي (بحجة آلامها)، فإنه
كالنعامة التي تحاول أن تدس رأسها في الرمال وتبقي جسمها مكشوفا
بالكامل للخطر، فالعلاج لايكمن قط في هذه الحلول الناقصة، بل الحل
الأكمل يتمثل بالعودة الى الجذور الصحيحة، ومعالجة الاخطاء بصورة جذرية،
من خلال الرفض القاطع لمناهج القمع كافة، ورفض التسلط أيا كان مصدره او
تبريراته، والاصطفاف الى جانب منهج الحرية، والتسامح، والمساواة، ونشر
العدل، والعلم، والوفاق، والتعايش، وهي مبادئ نادى بها الامام علي (ع)،
وطبقها عمليا أبان قيادته للامة الاسلامية، التي ازهرت فيها آنذاك قيم
الحرية على غيرها، فوصلت في عهده (ع) الى أرقى المراتب الانسانية
وأعلاها شأنا بين جميع الامم. |