الانتخابات العراقية والغرق في خضم النتائج

تباطؤ النتائج وتصاعد التشكيك وحِدّة التحذير والاتهامات

 

شبكة النبأ: قالت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات العراقية أن المركز الوطني للعد والفرز سيدقق جميع البيانات من جديد في كل المحافظات العراقية. وأوضح عضو المفوضية إياد الكناني إن عملية مراجعة شاملة ستجري على كافة أوراق الاقتراع بعد الانتهاء بشكل كامل من عمليات فرز صناديق الانتخاب العراقية.

وجاء هذا بعد أن طالب رئيس الوزراء نوري المالكي زعيم ائتلاف دولة القانون بإعادة فرز الأصوات في بعض المناطق في أعقاب الإعلان عن تقدم قائمة العراقية بزعامة اياد علاوي بعد فرز أكثر من ثمانين بالمئة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية.

من جهته أعرب اياد علاوي عن امله في ان تنظر المفوضية العليا للانتخابات في المخالفات التي تقدمت بها الكتل المختلفة على راسها كتلته في الانتخابات العراقية، وطالب علاوي في حديث لبرنامج هارد توك على شاشة بي بي سي، الحكومة بتقديم ايضاحات بشأن بعض الامور والمخالفات التي جرت خلال العملية الانتخابية. وأعرب عن أمله في أن يتمكن العراقيون قريبا من تشكيل حكومة تعمل على تحسين أوضاعهم الاقتصادية والأمنية.

ويبلغ عدد مقاعد البرلمان المقبل 325 بينها 15 مقعدا مخصصة للاقليات والمقاعد التعويضية, وهي خارج حلبة التنافس. وتم تخصيص ثمانية مقاعد للأقليات بينها خمسة للمسيحيين وواحد لكل من الصابئة المندائيين والايزيديين والشبك.

يذكر ان النظام الانتخابي النسبي المعقد يشدد على ضرورة حصول المرشح في بغداد على 35 ألف صوت حدا أدنى. ويخصص 68 مقعدا لمحافظة بغداد، فضلا عن مقعدين للمسيحيين والصابئة.

ومن المبكر للغاية معرفة من ستضمه الحكومة الائتلافية العراقية القادمة كما أن المفاوضات المشحونة التي ستستمر لأسابيع أو أشهر قادمة قد تصبح مشحونة أكثر اذا طعن الخاسرون في نتائج الانتخابات وهو ما يشير اليه تقارب نتائج السباق المحتدم.

وقال علي الأديب وهو حليف مقرب للمالكي ان موظفين في الانتخابات أبلغوا قائمة ائتلاف دولة القانون أنه يجري التلاعب في الأصوات لصالح منافس رفض أن يكشف عن اسمه. وطالبت الكتلة بإعادة فرز الأصوات في بغداد حيث يتقلص التقدم الذي حققه المالكي بشكل مستمر.

وقال الأديب "نستطيع فقط عندما تظهر نتائج إعادة العد والفرز أن نقول أن النتائج التي أعلنتها مفوضية الانتخابات كانت دقيقة أو لا."بحسب رويترز.

وقالت صفية السهيل وهي مرشحة للانتخابات البرلمانية على قائمة دولة القانون ان القائمة تدرس التحالف مع الائتلاف الوطني العراقي والاكراد اللذين قد يثبت أن تأييدهما حاسم لكنها قالت ان تشكيل حكومة ائتلافية مع قائمة العراقية غير مرجح.

وقال وين وايت من معهد الشرق الاوسط "اذا تشكلت جبهة سياسية قوية بشكل واضح ضد (قائمة) العراقية تحرم زعماءها من لعب دور ذي مغزى في حكم العراق بعد الانتخابات أو اذا اثيرت من جديد عملية اجتثاث البعث المثيرة للجدل بشدة وجرى استغلالها بدرجة أكبر وهذا هو الاسوأ... فان الوضع الداخلي يمكن أن يصبح أكثر قتامة."

وفي كركوك وهي محور نفطي مهم في شمال العراق يتقدم علاوي بأقل فارق على تكتل للحزبين الكرديين اللذين يرغبان في ادماج كركوك ضمن منطقتهم التي تتمتع بشبه حكم ذاتي.

لكن الصورة في كركوك قد تتغير شأنها في ذلك شأن بقية العراق. ولم تعلن المفوضية العليا بعد نتائج فرز أصوات العراقيين في الخارج ومن لجان الاقتراع "الخاصة" التي تشمل الجنود والشرطة والمسجونين والمرضي والعاملين في المستشفيات.

ممثل السيستاني ينتقد التضارب في تصريحات المفوضية

من جانب آخر انتقد ممثل المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني الشيخ احمد الصافي التصريحات المتضاربة حول نتائج الانتخابات العراقية، واعتبرها تلاعباً بمشاعر الناخبين، فيما حض خطباء الجمعة في بعقوبة على تشكيل تحالفات وطنية بعيداً من الطائفية والعرقية لتشكيل الحكومة الجديدة.

وقال الصافي «اتمنى من الاخوة الذين سيفوزون ويتشرفون بالجلوس تحت قبة البرلمان، من أي جهة كانوا، أن ينظروا بعين الواقعية للبلد».

وأضاف «عندما يتشرف الاخوة بالجلوس على المقاعد البرلمانية معنى ذلك انهم تحملوا مسؤولية وهذه المسؤولية لم تأتِ مجاناً وإنما أعطيت لهم بمرارة وألم وتعب، وصيانة المسؤولية ليست بالأمر المستحيل».

وزاد: «نرجو من الاخوة ان ينظروا الى مسألة تشكيل الحكومة وكل المواقع المهمة بعين المصلحة العامة للبلد وهي تستدعي من فلان ان يتنازل وفلان ان يتراجع وفلان أن يتقدم وفلان أن يتأخر».

وانتقد «بعض التصريحات المتضاربة التي تصدر من مفوضية الانتخابات التي تجعل مشاعر الناس تتأرجح بين هذا وذاك»، داعياً الى ان «يكون هناك شخص محدد هو الذي يسمح له بالتصريح في خصوص هذه المسائل كون البلد يمر بتغيرات سياسية مهمة». بحسب صحيفة الحياة.

وقال أن «الإخوة في المفوضية عندما نتابع ما أفرزته تصريحاتهم نجد فيها تضارباً». وأضاف «يفترض الإعداد لعملية الفرز وسائل تقنية حديثة أو يجند لها مجموعة من المختصين لأن الناس تريد أن ترى حقيقة أصواتها أين ذهبت وما هي الأسباب الحقيقية وراء التأخير».

وكانت مرجعية النجف أكدت حيادها خلال الانتخابات، فيما أغلق السيستاني أبوابه في وجه المرشحين خلال فترة الدعاية الانتخابية حتى لا تستخدم زيارات المسئولين في الدعاية.

إلى ذلك، حض خطباء المساجد في محافظة ديالى الكتل السياسية على تشكيل تحالفات وطنية بعيدة من الطائفية والعرقية تمهيداً لتشكيل حكومة تحظى برضى المكونات والطوائف كافة.

وشدد خطيب مسجد الخلفاء الأربعة الشيخ عبد الرحمن الجبوري على ضرورة ان «تتجه الاحزاب والكتل السياسية الرئيسة الى تشكيل تحالفات بعيدة من الانتماءات التي تسببت بتردي الأوضاع الأمنية وانتشار ظاهرة الفساد في المؤسسات والمرافق الحكومية»، ودعا إلى «نبذ التحالفات ذات الطابع المذهبي والعرقي وتغليب مصلحة الوطن بتشكيل حكومة تحظى برضى الشعب».

النتائج المحتملة وخارطة التحالفات

يُنظر للانتخابات البرلمانية التي أجريت في السابع من مارس آذار على أنها لحظة فارقة بالنسبة للعراق حيث يحاول الخروج من عقود من التراجع الاقتصادي والدكتاتورية وحرب أبعد ما تكون عن الانتهاء.

وعلى الرغم من انخفاض وتيرة العنف على مدى العامين الاخيرين لا يزال العراق مكانا خطرا يشهد تفجيرات يومية تستهدف قوات الامن والمواطنين العاديين على حد سواء كما يشن المقاتلون السنة من الاسلاميين المتشددين مثل تنظيم القاعدة هجمات تحدث دويا.

وبعد الانتهاء من فرز نحو 80 في المئة من الاصوات وتقدم ائتلاف دولة القانون الذي يقوده رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي في سبعة من 18 محافظة في المجمل ويليه تحالف القائمة العراقية ما زالت النتائج تتوالى وقد تبدو الصورة النهائية مختلفة تماما متى تظهر النتائج النهائية بعد أسابيع من الان.

وفيما يلي بعض السيناريوهات المحتملة، بحسب رويترز:

إذا لم تحسم النتيجة لصالح أحد الأطراف:

في وجود فارق طفيف بين المالكي وعلاوي يبدو أن هذا السيناريو يتكشف. هذا يعني أن من المرجح أن يستغرق بناء التحالفات عدة أشهر مما سيوقع العراق في مفاوضات سياسية ربما تزيد زعزعة الامن اذا أدت المشاحنات بين الساسة الى فراغ سياسي طويل.

وقد تشهد الازمة تزايدا في المناورات من وراء الكواليس من قبل جيران العراق حيث تأخذ ايران صف الشيعة وتدعم دول الخليج السنة ليضغطوا لتشكيل تحالفات مثالية بالنسبة لمصالحهم.

وفي هذا السيناريو ربما تسعى الجماعات السياسية المهيمنة بالعراق الى الوصول الى مرشح تعتبره طيعا.

ويعتبر محللون أن الجدل لفترة طويلة بشأن الحكومة وصفة سحرية للمشاكل. واستغرق الساسة العراقيون اكثر من خمسة أشهر لتشكيل حكومة بعد الانتخابات البرلمانية عام 2005 أعقبها عامان من الصراع الطائفي الدموي.

واذا تحالفت الاحزاب الشيعية المهيمنة بالعراق ونحت علاوي جانبا فان السنة الذين صوتوا بكثافة لقائمة العراقية قد يعتبرون هذا حرمانا لهم من حق التصويت وهو سيناريو مثير للقلق.

أن يصمد ائتلاف المالكي:

حقق ائتلاف دولة القانون الذي يقوده رئيس الوزراء نوري المالكي مكاسب كاسحة في الانتخابات المحلية العام الماضي مستخدما رسالة تعتمد على حفظ القانون والنظام لكسب أصوات العراقيين القلقين من التسييس الطائفي. وهو متقدم في سبع محافظات من جملة 18 محافظة في هذه المرحلة لكن الفوارق بينه وبين كتلة الائتلاف الوطني العراقي الشيعية المنافسة في أربع من تلك المحافظات ضعيفة.

وفي حين قوضت صورة المالكي بسبب تفجيرات كبيرة فضلا عن جهود حلفاء سابقين عقدوا العزم على هزيمته فانه لا يزال يحمل أوراقا قوية. ويقول بعض المحللين انه اذا خرج ائتلاف دولة القانون متقدما فانه يستطيع اعلان تفويض شعبي ومن غير المرجح أن يحاول الائتلاف اسقاطه.

وقد يحاول ائتلافه التحالف مع الائتلاف الوطني العراقي منافسه الرئيسي على أصوات الشيعة. وربما يدق هذا اسفينا بين عناصر الائتلاف الرئيسية وهي المجلس الاعلى الاسلامي العراقي والتيار الصدري الذي يتزعمه رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر. ويعارض الصدريون المالكي وربما يتمتعون بنفوذ لانهم قدموا أداء جيدا للغاية فيما يبدو في الانتخابات ببغداد.

وفي هذه الحالة قد يسعى المالكي والمجلس الاعلى الاسلامي العراقي الى التحالف مع أحزاب أصغر مثل جبهة التوافق ذات القاعدة السنية والتي كانت ذات يوم التحالف السني الرئيسي بالبلاد.

وسيكون الدعم الكردي أساسيا ايضا لكنه قد يتطلب مساومات شاقة من قبل ائتلاف دولة القانون لان الاكراد الذين يتمتعون بحكم شبه ذاتي غاضبون من المالكي بسبب أراض متنازع عليها فضلا عن مصير عقود النفط في منطقتهم بعد أن وصفت الحكومة العقود بأنها غير قانونية.

خروج قائمة رئيس الوزراء الاسبق علاوي قوية من الانتخابات:

تقدمت قائمة العراقية التي تضم نائب الرئيس السني طارق الهاشمي بفارق طفيف للغاية في الانتخابات العامة الاربعاء لكنها احتلت مرتبة متأخرة بعد ائتلاف دولة القانون في المحافظات.

وقائمة العراقية متقدمة في خمس محافظات غير أنها قد تخسر احداها وهي كركوك حيث لا تفوق التحالف الكردي الا بحفنة من الاصوات.

غير أن الفوز في الانتخابات العامة يمكن أن يسمح لعلاوي بالمطالبة بالتفويض ويعطيه اليد العليا في المفاوضات بعد الانتخابات. كما صقل مسوغاته الوطنية بتقديم أداء قوي في كركوك التي تسكنها أعراق مختلفة حين حصل على دعم واسع النطاق من السنة الذين غضبوا بعد أن منعت هيئة المساءلة والعدالة التي يهيمن عليها الشيعة النائب السني البارز وعضو القائمة العراقية صالح المطلك من خوض الانتخابات.

ومن المتصور أن يتمكن علاوي -وهو شيعي علماني كان رئيسا للوزراء في عامي 2004 و 2005- من التحالف مع اي أحد تقريبا. غير أن ائتلافه ايضا يعتبر الاكثر هشاشة وقد يغريه خصوم للابتعاد عن شركائه ليصبح موقفه ضعيفا.

وكان ذات يوم منتقدا شرسا للتدخل الايراني لكن يعتقد أنه أصلح العلاقات مع طهران ومن ثم يمكنه أن يتحالف مع الائتلاف الوطني العراقي الذي عاش الكثير من زعمائه لسنوات في ايران.

لكن الكثير من الشخصيات الكردية البارزة تعتبر أعضاء ائتلاف علاوي معادين لمصالحهم.

وربما تكون اكبر ورقة يحملها للمساومة بزوغه كمرشح مفضل بالنسبة للسنة الذين صوتوا بأعداد كبيرة في محاولة لضمان مكانهم على الطاولة في بغداد.

وينسجم اتجاهه السياسي الوطني العلماني جيدا مع المواقف العربية الوطنية للكثير من السنة.

الاوراق التي يمكن أن يلعب بها الائتلاف الوطني العراقي:

ربما يكون دعم المالكي لمنع نحو 400 مرشح من خوض الانتخابات لصلاتهم المزعومة بحزب البعث المحظور الذي كان مهيمنا في عهد الدكتاتور صدام حسين قد قوض صورته كشخص يتبنى نهجا وطنيا غير طائفي.

والائتلاف الوطني العراقي الذي يضم المجلس الاعلى الاسلامي العراقي والصدريين وحزب الفضيلة ومقره البصرة واحمد الجلبي الذي كان من الشخصيات المفضلة لدى الولايات المتحدة فيما سبق متقدم بفارق طفيف الان على ائتلاف دولة القانون في ثلاث محافظات شيعية فقط ويعتبر عرضة للتمزق.

وقد يدعم أكراد العراق من ذوي الرأي المؤثر حصول المجلس الاعلى الاسلامي العراقي على منصب رئيس الوزراء. ورؤساء الوزراء المحتملون في هذا السيناريو هم وزير المالية بيان جبر ورئيس الوزراء السابق ابراهيم الجعفري او نائب الرئيس عادل عبد المهدي.

هل يلعب الاكراد دور صناع الملوك من جديد؟

يعد الاكراد أحد اكثر القوى السياسية تماسكا بالبلاد لكن ربما أضعفهم في هذه الانتخابات نجاح علاوي في منطقة كركوك الغنية بالنفط المتنازع عليها وظهور جماعة المعارضة الكردية المعروفة باسم جوران او التغيير.

والتحالف بين الحزبين المهيمنين على اقليم كردستان وهما الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني متقدم بفارق مريح في محافظتي دهوك واربيل.

لكن جماعة جوران مثلت تحديا خطيرا في السليمانية ويحتل التحالف الكردي المركز الثاني في كركوك وان كان بحفنة من الاصوات.

وابتعد الاكراد عن اي تحالفات مع اي جانب حتى يستطيعوا التحالف مع من يفوز أيا كان. غير أن الانقسام يمكن أن يضعف دور الاكراد كصانعي ملوك بالعراق. لكن كما يقول المحللون فان الجميع يريدون اجراء محادثات مع الاكراد.

شبكة النبأ المعلوماتية- الأحد 21/آذار/2010 - 4/ربيع الثاني/1431

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1431هـ  /  1999- 2010م