المثقفون والانتخابات النيابية المقبلة

 

شبكة النبأ: يؤكد المعنيون أن دور الشريحة المثقفة في الاسهام بعملية الانتخاب يكون مضاعفا بالقياس الى غيرهم من الشرائح والافراد، ويعزو هؤلاء، السبب الى ان المثقف كما هو متعارف يكون اكثر وعيا في التعامل مع الامور الحساسة التي تتعلق بمصير الامة او المجتمع إستنادا الى سعة الآفاق التي يتمتع بها في قراءته للواقع السياسي لبلده، لهذا تكون مسؤولياته السياسية والاخلاقية مضاعفة بالقياس الى غيره.

ولكن ثمة من يؤشر تراجع الشريحة المثقفة في اداء دورها كما يجب، وهناك من يتهم المثقفين بأنهم فضلوا العزلة والابتعاد عن المعترك السياسي او الاجتماعي وانشغلوا بذواتهم او كتاباتهم الفردية التي لا تدخل في مجال توعية الناس وتنويرهم وفتح ملفات الحقائق أمام بصائرهم لكي يتعاملوا مع الامور بوعي ودقة.

لذلك نرى خفوتا لدور المثقف لاسيما حيال المجريات المصيرية التي تتعلق بالمرحلة، مع أن المطلوب هو التفاعل القوي والواضح في هذا المجال لدرجة ان المكان الصحيح للمثقفين -كما يرى كثيرون- هو الصدارة في التوعية والتنوير، إستنادا الى درجة الوعي التي يتحلى بها المثقف، وأهمية نقل ذلك الى العقول الأخرى التي لم تستطع تحصيل الوعي اللازم لهذا السبب او ذاك.

وحين تسأل المثقف عن الاسباب التي تقف وراء تردده وانعزاله وابتعاده عن المعترك الذي يجب أن لا يخلو من فعله وصوته، فهو سرعان ما يتحجج بعدم ملائمة السياسة لتوجهاته ومسار حياته، وهو تبرير لايعتقد بصحته كثيرون، بل يرونه حجة واهية حيال الواجب الملقى على عاتق المثقفين لاسيما عندما تمر بلدانهم وشعوبهم بمراحل مصيرية، كالتي يمر بها العراق الآن، وهي مرحلة تأسيس غاية في الدقة والخطورة، كونها تشمل الخطوات التأسيسية في معظم مجالات الحياة، كالمجالات السياسية والاقتصادية والتعليمية والثقافية وغيرها.

واذا كان المثقف لايجيد السياسة كما يقول معظمهم، فإن هذا لايعني انعزاله وابتعاده عن المشاركة والتدخل والتنوير، ولايعني انسحابه الى الخطوط الخلفية من (معركة التأسيس) بل يتطلب الامر -استنادا لتحلي المثقف بالوعي والثقافة- الى أن يتواجد في الصدارة بين من يتصدى لعمليات التأسيس وفق اسلوب التشاور والمشاركة الجماعية لترسيخ المنهج السليم في بناء الحياة.

إذن فالدور الصحيح لشريحة المثقفين يكمن في المشاركة الفاعلة وليس الانعزال بحجة عدم إتقان فنون السياسة (وألاعيبها) كما يقول بعضهم، لأن تنازل المثقف عن هذا الدور يعني إقراره بالتنازل عن دورين مهمين يقعان على عاتقه، وهما الواجب الشخصي كونه مواطن لايختلف عن غيره من المواطنين في اداء واجباته حيال الدولة والمجتمع الذي ينتمي له، والثاني هو واجب التثقيف الدائم لمن يحتاجون التوعية على أهمية مشاركتهم في صنع القرارات من خلال انتخابهم السليم لمن يمثلهم في تشكيل نظام الحكم.

ولهذا ليس ثمة عذر لمن يحاول أن يتفادى الخطا بخطأ آخر، وفي كل الاحوال تبقى مسؤوليات الشريحة المثقفة واضحة بل جلية للعيان، ولعل تجربة الانتخابات الماضية كانت دليلا كافية على صحة هذا القول، حيث مثل المثقفين في كثير من الحالات وزراء لاتهمهم الثقافة من بعيد او قريب كونهم لا ينتمون لهذه الشريحة، حتى بلغ الامر ببعض السياسيين أن يصف وزارة الثقافة بـ (الوزارة التافهة) مع انها ينبغي أن تتصدر الوزرات في تعميق الوعي الجمعي في المجالات كافة، والسبب كما يبدو هو تخلي المثقفين أنفسهم عن القيام بدورهم الأمصل في هذه المرحلة.

لذلك فإن القضية لاتتعلق فقط بالمواطن او بشكل الحكم او بدرجة الوعي فحسب، بل تتعلق بماهية وطبيعة دور المثقف وما يجب ان يكون عليه هذا الدور في ظل حساسية الراهن وما ينطوي عليه من تداخلات وتشعبات تتطلب التدخل والتوضيح، لكي تبدو الحقائق جلية وواضحة للجميع سواء في الجانب السياسي او الثقافي او غيرهما.

فالمطلوب هو تفاعل المثقفين مع الاحداث ومعرفة حدود المسؤولية الملقاة على عواتقهم، والايمان بأن دورهم لايقل عن دور السياسي في رسم حاضر البلد ومستقبله، إن لم تكن المسؤولية أكبر وأدق، ولاينبغي في كل الاحوال التخلي عن هذا الدور المضاعف، ومن غير الملائم أن يتحجج المثقفون –في ضعف دورهم- بعدم ملائمة السياسة لتوجهاتهم، فهم في كل الاحوال لا يختلفون عن غيرهم من المواطنين فيما يخص الواجبات، هذا إذا أردنا أن نغفل دورهم التثقيفي الغائب عن واقع الحال.

شبكة النبأ المعلوماتية- الأربعاء 3/آذار/2010 - 16/ربيع الأول/1431

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1431هـ  /  1999- 2010م