التفكير السلبي وإنتاج الأحكام المسبقة

علي حسين عبيد

 

شبكة النبأ: التفكير السليم ينتمي بمعناه اللغوي الى الفكر الذي ارتفع بالانسان من مراتب الحضيض الدنيا الى قمم السمو، لذا فإن مجمل ما حققته الانسانية من قفزات متواصلة نحو الأفضل إنما كان للفكر دوره الكبير في ذلك الى جانب الأديان والاعراف والاخلاق وما شابه، ويقول المعنيون، ما كان للانسان أن يحقق ما وصل إليه في مختلف العلوم لولا الدور الجوهري للتفكير الانساني السليم.

إذن فإن نجاح الانسان لابد أن يرتبط بتفكيره المسبق، ولابد أن يكون هذا التفكير إيجابيا، ولا ينطوي على التوقع السلبي مسبقا، لأن توقع النتائج السلبية من دون الاستناد الى الحقائق والمعايير الدقيقة القائمة على الارض سيؤدي بالضرورة الى قتل الامل بالنجاح والتطور.

وحين يرصد المراقب أنماط التفكير في عموم أنشطتنا الحياتية المتعارفة، سيلحظ من دون شك شيوع السلبية في الكثير من توقعاتنا وتفكيرنا، بمعنى أن الانسان الذي يفكر ويخطط لاقتحام هذا المجال الحياتي او ذاك غالبا ما يكون محددا بسلبية النتائج المتوقعة، مما يكبح فيه حالة الاندفاع والدخول في هذا المعترك او ذاك، وهذا بدوره يبلور حالة من التردد قد تشيع لتصبح نمطا راسخا في حياة الانسان.

لذلك فإن أهمية الابتعاد عن التفكير السلبي المسبق تكمن في إتاحة الفرص للانسان كي ينشط في مجالات عدة تؤدي بالنتيجة الى حراك فكري او عملي منتج وقادر على الاسهام في تحريك عجلات الحياة الى أمام، على العكس من النكوص والتردد واحتمال وقوع النتائج السيئة مسبقا، حيث يُصبح الانسان إلعوبة بيد مثل هذه الافكار السلبية القاتلة للارادة الانسانية.

ويقول المختصون في هذا المجال، أن الانسان الذي يعتمد إرادة فاعلة قادرة على التخلص من التفكير السلبي المسبق غالبا ما ينجح في تحقيق أهدافه المبتغاة بغض النظر عن المصاعب التي قد يواجهها وهو يحث الخطى في هذا الاتجاه، لكنه بمجرد أن يقع ضحية للتردد وهيمنة التفكير السلبي، فإنه سيكون مشلول الارادة وضعيف الهمة لدرجة تجعله أقرب الى الفشل من غيره.

لذا يؤكد الحكماء والمعنيون بهذا الامر على أهمية أن يبتعد الانسان ما أمكنه ذلك عن سلبية التفكير، الذي سينعكس بدوره على مجمل علاقاته ومفردات حياته، حيث لا يكون بمقدوره مثلا أن يقيم العلاقات الانسانية السوية مع الآخرين كونه يظن بهم السوء مسبقا، أي أن صاحب التفكير السلبي لا يرى في الآخر ما هو جيد، بل يرى ما هو سيء متخيَّل، لأنه يعتمد أساسا على التفكير السلبي، وهذا ما يجعله بعيدا عن الآخرين، هشا، وغير متفاعل، بل وغير قادر على تحقيق إنسانيته في العيش السوي الذي يتطلب إقامة علاقات متوازنة تنحو الى الإيجابية سواء في المقدمات او في النتائج.

 ولا ينطبق هذا الامر على الانسان الفرد حصرا بل يمكن أن يتعداه الى الجماعات السياسية وغيرها، إذ قد يكون هذا الحزب السياسي او ذاك قائما في أفكاره على الاحتراز القوي وغير المبرر في تعامله مع الآخرين من الأحزاب او الكتل او الشخصيات السياسية وغيرها، وقد ينظر إليهم كأعداء يتربصون به الشر بدلا من أن يجعلهم في مرتبة الشركاء والمتعاونين معه لتحقيق الاهداف السياسية التي تسهم في تقدم وتطوير المجتمع.

لهذا ينبغي التعاون بين الجميع، أفرادا وجماعات، من كل الشرائح والمستويات، من أجل القضاء على ظاهرة التفكير السلبي المسبق، او سوء الظن المسبق كما يُقال، ونشر الحالة المعاكسة التي تتمثل بمد جسور الثقة بين الجميع والنظر الى الآخر على أنه عنصر مشارك وليس عنصرا مناوئا يضمر الشر ويبيّت العداوة، لأن العمل المشترك في مثل هذه الاجواء المحتقنة يكون صعبا إن لم يكن مستحيلا.

لهذا مطلوب من المعنيين مثقفين ورجال دين ووجهاء وعقلاء ومنظمات رسمية وأهلية مختصة، العمل على نشر الفكر المتوائم مع الآخر والسلوك الذي يحترم الآخر سواء بين الافراد او الجماعات، وإشاعة الثقة بين الجميع، والنظر الى الآخر على أنه عنصر معاضد وغير مضاد، وترسيخ هذا النمط الحياتي بين النشء، ونعني بهم أطفالنا، إبتداء من البيت وحتى المدرسة صعودا الى المراحل اللاحقة، لكي نمحو التفكير السلبي المسبق وتبعاته السيئة، ولكي تنمو حالة من الوئام الاجتماعي ثم السياسي ثم رسوخ حالة التوافق القائمة على احترام الانسان لغيره في صورة حضارية متبادلة، تمحو سوء الظن بالآخر وتضع حسن الظن بديلا له.

وهذا ما ينبغي أن يدفع الجميع، أفرادا وجماعات، الى التعامل الانساني المتحضر القائم على توازن المصالح حتى في حالة تضاربها او اختلافها كونها ترتكز الى قاعدة فكرية قوية تعتمد الثقة المتبادلة والتعامل مع الآخر على أساس كونه عنصر دعم وتعضيد وليس عنصر هدم وتقويض.

شبكة النبأ المعلوماتية- الاثنين 1/آذار/2010 - 14/ربيع الأول/1431

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1431هـ  /  1999- 2010م