جمهورية في الصحراء

عباس يوسف آل ماجد

يعتبر الطابع الصحراوي سمة من سمات الواقع الجغرافي والإرث التاريخي في بلدان المغرب العربي لما يمثله من عادات وتقاليد تمثل الحضارة المغربية، لطالما قاطع أهل الصحراء السلطات المغربية لانهم وفق تقاليدهم يرون في سلطات الحكومة فيها ما يتعارض وتوجهاتهم وعاداتهم ونزعتهم البدوية لذلك استغلت دول المعسكر الاشتراكي ذلك التوجه المعارض للحكومة المغربية المحسوبة على التوجه الغربي لتصفية حساباته مع الغرب، وذلك بتقديم الدعم المادي واللوجستي والعسكري لجماعة الصحراء والتدريب عبر حلفاءها في الجزائر وليبيا ذلك الحين في بداية السبعينيات من القرن الماضي.

 حيث انبثق بما يسمى( جبهة البوليساريو ) في 30/5/1973  في مؤتمر دعا الى الانفصال عن المغرب والاعتراف بدولة البوليساريو بدأت الجبهة نشاطها الأول بضرب الحامية الإسبانية  في منطقة الخنكة، مما زاد الوضع تعقيدا على حكومة الرباط وقد كان المغرب يطالب أيضا بجلاء الاحتلال الإسباني من الإقليم، ويطالب باسترجاعها في المحافل الدولية والأمم المتحدة، وقام بالمسيرة الخضراء حيث توغل متطوعون مغاربة داخل الصحراء رغم الاحتجاجات الإسبانية على المسيرة وتهديدها برد عسكري، لكن الدعم العربي والدولي ونجاح المسيرة أدى بإسبانيا إلى التفاوض والتخلي عنها لصالح المغرب وموريتانيا بموجب معاهدة مدريد.

 كما اعترفت محكمة لاهاي الدولية بوجود روابط تاريخية بين سكان الصحراء والمغرب، اقتسم المغرب وموريتانيا الحرب ضد أهل الصحراء بموجب الترسيم الإسباني، الأمر الذي أدى الى فتح جبهتي قتال من طرف الصحراويين ترأس جبهة البوليساريو الولي مصطفى السيد الرقيبي  وقد دام حكمه لمدة ثلاث سنوات وبعدها قتل في ظرف غامض عام 1976 بعد هجوم على العاصمة الموريتانية نواكشط وقد أصبح محمد عبد العزيز أمينا عاما للجبهة ورئيسا لمجلس قيادة الثورة من أغسطس/ آب 1976 ولحد الآن كان جل عمل الجبهة شن هجمات متفرقة ضد حكومتي المغرب وموريتانيا واتباع أسلوب حرب العصابات، الكر والفر وأسلوب الخطف وكذلك  خطف الرهائن والمساومة عليهم.

 بدأ الغربيون يفكرون مليا في القضاء على هذه الحركة التي تنتهج من الصحراء مخبأ لها وذلك بالاتصال مع أحد قيادي الجبهة واستمالته وتشكيل جبهة منشقة من داخل خط البوليساريو وبالفعل نجحوا في ذلك وأسسوا ما يسمى ( بوليساريو خط الشهيد ) ومنذ ذلك الحين أخذت قضية الصحراء طابعا دوليا إذ تمسك الصحراويين بإعلان الحكم الذاتي  عن المغرب حتى تم فعليا تدويل القضية برعاية الأمم المتحدة بعقد اتفاق لوقف إطلاق النار بين المغرب والجبهة عام 1991  وفقا لقرار مجلس الأمن ذي الرقم 960 في 1991  أعطى فيه  للبوليساريو حق تقرير المصير عن طريق الاستفتاء الشعبي، لكن هذا الاتفاق ضل حبرا على ورق لحد الآن، دخلت الولايات المتحدة الأمريكية على خط الأزمة وقد أرسلت عدة مبعوثين لحلحلة الوضع وإنهاء الأزمة، وجاء بمقترح من وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جميس بيكر والذي ينص على منح الصحراء الغربية حكما ذاتيا واسعا تحت الإدارة المغربية، فرفضت البوليساريو الاقتراح‏‏ وتضامنت معها الجزائر في حين وافق عليها المغرب واعتبرها آخر ما يمكن أن يقبل به في سبيل الحل النهائي.

 لكن المغرب استمر وبغطاء دولي عرقلة أي جهد يهدف الى استقلال جمهورية الصحراء, بينما عرض البوليساريو حسن النية من قبله من خلال منح الجنسية للمستوطنين المغاربة في حال جائت نتيجة الاستفتاء على حق المصير لصالح استقلال إقليم الصحراء الغربية، أرسلت الأمم المتحدة مبعوثا للسلام عام 2006 وهو السفير روس كريستوفير لكن جهوده لم تعطي ثمارها بسبب قلة الثقة به من الأطراف الصحراوية  ودعمه للرباط، وعلى الرغم من انعقاد مؤتمر أخر بين الرباط والبوليساريو في نيويورك عام 2008 إلا أن نتائجها لم تثمر لتستمر الأزمة لحد الآن.

abbasmajedy@yahoo.com

شبكة النبأ المعلوماتية- الثلاثاء 1/أيلول/2009 - 11/رمضان/1430

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1430هـ  /  1999- 2009م