لكي لا ينام القلب

 السيد محمود الموسوي

كالزّر الصغير الذي يحرّك صاروخاً نحو الفضاء، كذلك يتم تحريك الحب في القلب، إنه يحتاج لمجموعة من الأفعال الصغيرة المدروسة، لكي توقظه من غفوته إذا ما غفا ونام، عبر تطويع الكثير من الأفعال والأقوال التي تتداول بين الزوجين يومياً، بخصوص العمل، أو المطبخ أو الأولاد أو حديقة المنزل،أو التسوّق.

 وكذلك الكثير من العبارات التي يحتاجها كلّ من الزوجين للتعبير عن ما يريداه، يستطيعان أن يعزّزا حبهما من خلاله، ونود أن نضع قاعدة ذهبية لهذه الحالة، تقول القاعدة: (استفيدا من أي قول أو فعل لتعززا حبكما).

 لأن القلب مع تعاقب الأيام والسنين، وتراكم الأعمال وكثرة المسئوليات، قد يغفو وينام إذا ما نسيناه، بل قد يموت ويقبر، عندما يقع ضحية الإهمال، فهو كائن حي يحتاج إلى

إيقاظ بشكل مستمر، ليرتوي بالحب، ويرتدي حلّته الجميلة، كالشجرة المثمرة عندما تمنع عنها الماء والضوء والهواء، فإنها لن تؤتي أوكلها، وستذبل وتموت، فإنك تحتاج إلى بعض العبارات والأفعال المدروسة، لتصنع لك المعجزات، وتجعل قلبك دائماً يقضاً لحبك..

 وإليكم بعض هذه التعزيزات..

(1)

انتبهوا للرغبات الصغيرة

 خلال الحديث الطويل الذي تتجاذبه مع زوجتك أثناء السفر أو أثناء رحلة عائلية، أو في جلسة شاي، عادة ما تتناثر من ثغرها رغبات صغيرة بين الفينة والفينة، تستحق تلك الرغبات أن تتلقفها وتصطادها، خصوصاً تلك التي تخرج أثناء الحديث الودّي في خلوة زوجية خاصة..

 تقوم أنت بلملمتها، ودراستها، ومن ثم تلبيتها وتقديمها كمفاجئة في وقت آخر، كباقة ورد نقطف أزهارها من أفنية البستان لتقدمها فيما بعد..

((تقول باربارة: ناداني زوجي، (هديتكِ للعيد في الثثلاجة وقد أخذتني الحيرة وفتحتها وأنا أضحك، فقد وجدت داخلها علبة جيلاتي وآيس كريم كبيرة ملفوفة بعناية، كان حبي للجيلاتي مضرب مثل في بيتنا.

انفجرت ضاحكة بعدما نزعت اللفافة عن الهدية، فبدلاً من الجلاتي وجدت في العلبة أربعة أرقام خشبية كبيرة لمدخل المنزل، محفورة باليد.. كان زوجي بيل سمعني أقول قبل شهر، إنني أرغب في أرقام للمنزل تسهل قراءتها.

تحرّكت مشاعري وأحببت اللفتة المرحة في مفاجأته المزدوجة))[1].

والحال هذه بالنسبة للزوجة.. فقد يرغب زوجكِ في شيء ما، فلا تترددي في تحقيقه له، وقد تكون تلك الرغبات ثانوية في حياتكم، لكنها ستكون سبباً لتعزيز الرغبات الأساسية وأولها العلاقة الودية بينكما.

(2)

قدّموا هديّة حيوية

اغتنم مناسبة سعيدة على قلبيكما لتقدم لزوجتك هدية تذكرها بأنك قصدتها بشيء، فتجدد إحساسها نحوك. ففي الحديث: (( تهادوا تحابوا))[2].

إن أغلب الناس يقدّمون هدايا لشريكهم الزوجي، لكنها قد لا تكون ذات مفعول في تعزيز علاقتهما الودية، إذ تعتبر عطية وليست هدية، وشتان بين هذه وتلك، فالعطية لا تحمل بين طياتها الإحساس الحبي، ولا تعبر عن الخصوصية الزوجية، أما الهدية فهي كذلك..

 ومن أجل أن تأخذ الهدية بعداً كبيراً أو تعزيزاً أكبر، احرصوا على أن تكون ذات معنى خاص في قاموس شريككم، لتأخذ مفعولها في تحريك الحب وتألقه.. فقد تكون للشريك رغبة فيها، أو تذكّره بحادثة لطيفة، أو بوقت ممتع، أو يكون بحاجة ماسّة إليها..وقد تقوم الهدية مقام رسالة ذات مضمون حبّي..

 عندما قدّمت عبير هديتها لزوجها قبل خروجهما بوقت قصير لقضاء سهرة عشاء في أحد مطاعم المدينة، كانت تعلم مدى حاجة زوجها عادل إليها، فقد أبدى أناقته ووقف يسرّح شعره أمام المرآة استعداداً للخروج.

 أقبلت عليه من الخلف بالهدية التي اكتشف بعد رفع اللفافة عنها، أن بداخلها زجاجة عطر من النوع المفضل لديه.

 يقول عادل: لقد سعدت جداً بهدية زوجتي، خصوصاً أن زجاجة عطري كانت فارغة منذ أسبوع تقريباً، وتعطرت بها وخرجنا لقضاء أمسية جميلة تصحبنا رائحة الهدية..

 فهنا ستكون قد قمت بإهداء شريكك بإضافة لفتة اهتمام، عندما فكرت في أن تكون تلك الهدية ذات معنى له أهمية لدى الطرف الآخر، ليشكل تفاعل من المشاعر تؤدّي نتيجتها تعزيز الحب و إثارته من سباته.

(3)

امتدحوا شريككم

 كيف يمكن أن تقدّر حسن التصرّف الذي أبدته زوجتك عندما كنت إزاء موقف حرج.. وقد أنقذت الموقف ببعض اللباقة ؟

 وكيف تقدّرين زوجك الذي جاء تعباً من جرّاء إصلاح تسرب الماء الذي طالما أزعجكِ ؟

 إن التقدير في مثل هذه المواقف أمر يسير، امدحوا تلك الجهود فإن ذلك سوف يعطي مفعولاً أكثر من التقدير، لأنه يعطي تعزيزاً قوياً لحبكما في ذلك الوقت بالذات.

 فإن الأزواج والزوجات عندما يقومون بعمل ما، ينتظرون ردّة فعل ما فلا تجعل المواقف الجميلة والرائعة تتراكم عليك ثم تقوم بعد ذلك بأداء تقديرك لها جملة واحدة في جلسة منفصلة في آخر الاسبوع فتقول: لقد أعجبني ما قمت به طيلة هذا الاسبوع من كذا وكذا … بل لا بد أن يكون لك رد فعل في حال حدوث العمل، فتقول: لقد أعجبني هذا العمل، وأشكرك على كأس العصير إنه رائع بالفعل..

 فقد جاء في رسالة الحقوق للإمام زين العابدين (عليه السلام ): (( وأما حق ذي المعروف عليك.. فأن تشكره، وتذكر معروفه، وتنشر له المقالة الحسنة ))[3].

 وأن تقديركِ لما قام به زوجك من فعل، سيكون أفضل من الفعل نفسه، يقول الإمام علي (ع): ( الشكر أعظم قدراً من المعروف لأن الشكر يبقى، والمعروف يفنى)[4].

 يبقى لأنه يخاطب القلب، وما يخاطب القلب يسكن فيه معززاً ومكمّلاً لما في القلب من مشاعر ودية..

(4)

امرحوا

 قد يظن البعض أن المرح والمزاح مع الزوجة أمر يتنافى وقوة الشخصية، ويتنافى والجد، والصحيح أن تلك الشخصية التي تمارس الهزل والمزاح بشكل دائم وفي كل الأوقات حتى في تلك التي تتطلب شيئاً من الحزم والجد، هي التي تتصف بالضعف..

 فمن يعيش حياته الزوجية دون تقصير في أداء واجباته، ويهتم بجميع المتطلبات، يحتاج إلى شيء من المرح والمزاح بين الحين والآخر، حتى يضفي على الأجواء شكلاً من السرور، الذي يقوم بدوره بتغذية المشاعر الحبية ويخرجها من حالة الذبول..

 يقول الرسول الأعظـــم (صلى الله عليه وآله وسلّم ): (( إنـي لأمزح ولا أقــــول إلا حقا))[5]، ويقول (صلى الله عليه وآله ): ( المؤمن دعب لعب))[6].

 تحوم في أجواء العلاقة الزوجية الكثير من الأفعال والأقوال التي يتداولها الطرفان بشكل يومي وروتيني، فلماذا لا تفكر بطريقة مرحة لإعطائها الهدية.. أو تبادل النوادر، أو الأحاجي و المسابقات..

 تقول آنت بكسمان، كاتبة مقال (غذاء الحب) في مجلة المختار: عندما سألتني صديقتي: ما الذي يؤمن استمرار حبي الجديد ؟، عرضت لها جميع الأساليب البديهية، من تعاهد وتواصل، وتجاذب جسدي، واهتمامات مشتركة ونكران الذات، لكن تبين لي لاحقاً أن هناك أسباباً أخرى، فنحن مازلنا نمرح ونمضي أوقاتاً عفوية طيبة.

 البارحة مثلاً، نزع زوجي سكوت رباط المطاط عن الصحيفة الملفوفة وقذفني به ممازحاً.. فدارت بيننا حرب ضروس.

 والسبت الماضي ذهبنا معاً إلى المتجر وتقاسمنا لائحة المشتريات ورحنا نتسابق لنرى من يصل أوّلاً إلى الصندوق، حتى غسل الصحون بات بالنسبة إلينا متعة كبيرة.

 فنحن ببساطة، نتمتع بمجرد وجودنا معاً.

 وهناك مفاجآت أيضاً، فذات يوم عدت إلى المنزل ووجدت ملاحظة ملصقة على الباب فقادتني إلى ملاحظة ثانية، فثالثة، حتى وصلت إلى حجرة المؤونة، ففتحتها لأجد سكوت واقفاً ممسكاً قِدراً فيها هدية، كمن يمسك كنزاً في وعاء من ذهب، وأنا أترك له أحياناً رسائل موجزة على المرآة وأخبئ له هدايا تحت وسادته[7].

 حقاً أن المرح والضحك يساهمان في التقارب والألفة وهناك مقولة معبرة لمؤلف كتاب (فن الترويح عن النفس) يقول فيها: (( الضحك هو أقرب مسافة بين شخ

(5)

اهتموا بالمواعيد

إن للحفاظ على الموعد دلالة واضحة على أهمية الموعود، فعندما تعطي زوجتك هذه الأهمية، فسوف تأخذها لتترجمها إلى مزيد من الدفعات الحبية..

 يقول أحد المتزوجين إنني عندما أضرب موعداً مع زوجتي، أعمد لمخالفته، فأتأخّر ساعة أو ساعتين، لأبين لها قوة شخصيتي وأهميتي !!

 والحق أنه بهذا التصرّف إنما يهمّش شخصيته لدى زوجته، وهكذا عرف بعدما رأى تأخّر زوجته عند خروجها من منزل عائلتها وهو بدوره يضطر للانتظار طويلاً.

يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم ): (عِدَة المؤمن دَيْن، وعِدَة المؤمن كالآخذ باليد)[8].

 إذاً فالاهتمام بالموعد، والدقة في إنجازه مع الشريك له دلالة المودة، فمن أحب أحداً أحب لقاءه، ومن أحب لقاءه أسرع إليه..

فالمردودات السلبية نتيجة تأخرك عن الموعد المضروب قد لا تحمد عقباها، فالوقت الذي يضطر فيه الشريك للانتظار يحتسب تراجعاً في علاقتك مع الشريك، لأن الأفكار السيئة التي من الممكن أن تتوارد على قلب المنتظر تتزايد بمقدار ضربات القلب، ويسهل عندها دخول الوساوس.. أتدري لماذا ؟

ببساطة لأنك عندما أعطيت موعداً، فإنك أخليت شريكك من كل ارتباطاته، وجعلت الرباط الوحيد بك أنت، فالتفكير لا يتوجه لشيء آخر سواك، فأنت في دائرة تركيز، فأحرص على أن تنجح في إعطاء صورة مشرقة وأن لا تخيّب الآمال في ذلك الوقت الحسّاس.

(6)

تشاركوا في الأعمال

 لا أحد يجهل أن العمل المنزلي كالطبخ والكنس ليس من واجبات المرأة، إنما تقوم به تطوّعاً أو نتيجة لتوزيع الأدوار في ما بين الزوجين أو ما إلى ذلك..

 والمشاركة في العمل المنزلي يحمل في معانيه صفة التعاون والتقدير لهذا العمل الذي تقوم به الزوجة، وكما تحب أن تتفهّم زوجتك ظروف عملك، كذلك هي تحب أن تتفهم ظروف عملها، فلا تراك متعالياً على ما تقوم به من أعمال هي في الأساس أعمال مرتبطة بكليكما، وإنما ينبغي أن تكون قريباً منها ومن قلبها عن طريق الأعمال التي تؤديها..

 وكذلك بالنسبة لعمل الرجال، فعلى النساء أن يتقرّبن من أزواجهن عن طريق مساعدتهم ومشاركتهم أعمالهم التي يقومون بها، فإنه أقرب للثقة وأوثق للحب.

( يرى العالم النفسي ألبرت مول، أن الرابطة بين الزوجين تقوى وتتوثق حين تجد المرأة نفسها قادرة على مساعدة زوجها في عمله. وحين تكون هذه المساعدة بناءة بارعة، وأتت بطريق غير مباشر، مثل هذه المجالات تخلق الزواج السعيد، خصوصاً بين صغار التجار حيث تشارك زوجها عمله التجاري، أو الفنانين حيث تساهم المرأة في العطاء والبذل من تشجيع ومساندته)[9].

 وعلى ذلك ينبغي أن يُشعر كلٌ الآخر بأن شريكه قادر على مساعدته و معاونته فيما يقوم به من عمل، لأنه سوف يحس بأنه قد قام بإنجاز عظيم وهو التخفيف والإعانة.

 وإذا نظرنا سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم)، فسنرى أنه كان يقوم بعمل أهله، ويقوم ببعض الأعمال المنزلية كالخياطة وحلب الشاة وغير ذلك..

(7)

احترموا شريككم أمام الآخرين

 في لحظات اجتماع الناس في مناسبة من المناسبات، كل فرد ينشد احترام الناس إليه، ليشعر بقيمته وأهميته لا أقل كإنسان، ومن يبد ذلك الاحترام فسوف يفوز بالرضا والحب من قبل الشخص الذي وجّه إليه الاحترام.

 فكيف إذا كانت الزوجة هي التي أبدت احترامها الكبير لزوجها، فإن الزوج سيكون أكثر سعادة ورضا، وأنه سيعتز باحترامها له أكثر من أي أحد آخر..

 كذلك الحال مع الزوجة، تحتاج دائما أن تعّرف الآخرين أنها تساوي شيئاً عند زوجها.. ليست مجرد مرافقه شكلية روتينية، وأفضل ما يعبرّ به هو عبارات الاحترام أمام الآخرين.. ويخطئ من يعتقد أن التعنّت والتعامل القاسي لشريكه أمام الآخرين إثابتاً لقوة شخصيته، وفرضاً لإحترام ذاته، كما قد ينظر في تعامله هذا للآخرين دون الاهتمام لشريكه، إلا أن ما ينبغي ملاحظته هو العكس تماماً بالنسبة للطرفين، للناس والشريك، فالاحترام والتقدير هو الأسلوب الأمثل في إثبات الذات واحترام ذوات الآخرين.

 يقول الدكتور يسري عبد المحسن:

 (( المرأة تهتم أكثر ما تهتم بكرامتها وكبريائها وعزة نفسها ولذلك يجب على الزوج أن يحافظ دائماً على تأكيد هذا الإحساس بالكبرياء والذاتية والعزة لدى زوجته مع البعد تماماً عن سياسة التحقير أو التوبيخ أو التقليل من شأنها))[10].

 فينبغي أن تعطي لزوجتك مكانة في تصرفاتك معها أمام الآخرين، لتعطيك ثمار الحب الطيبة، فإن (القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها) كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام)، فكيف إذا كان ذلك الإحساس احتراماً وتوقيراً أمام الناس، فستكون نتيجة مؤكدة وسريعة.

(8)

تعلّموا فن الإصغاء والمحاورة

 يقول الإمام علي (عيه السلام ): (عوّد أذنك حسن الاستماع)[11].

  ضمن مجريات الأحداث اليومية تقوم الزوجة بالتعامل مع الأولاد ومشاكلهم، ومع متطلبات المنزل، وكذلك لها علاقاتها الاجتماعية، أو قد يكون لها عملها الخاص بها، أمام هذا الكم الهائل من العلاقات والأحداث تودّ الزوجة أن تتحدث عنه مع زوجها، وتتناقش معه بعض المشاكل، وتحكي له الإنجازات التي قامت بها أو تفكّر أن تقوم بها، في هذه الحالة لا ينبغي من الزوج أن يتجاهل ويعرض عن زوجته التي هي بأمس الحاجة لإصغائه وتعاونه و محاورته في شأنه، ونتيجة الاهتمام هذا سيلاقي مزيداً من التقارب والامتنان.

 وكذلك الزوج عندما يتعامل مع محيطه الاجتماعي والعملي تتولّد عنده الرغبة الشديدة في المحاورة مع آخر، وسف يقدّر ويميل إلى الشخص الذي سيأنس بالإصغاء إليه.

 يقول أحدهم: ((حدثني أحد المحاسبين أنه تزوج من فتاة لا تعرف عن المحاسبة إلاّ كما يعرف البقّال عن النظرية النسبية، فقال: ((إنني أستطيع أن أحدثها بالمشكلات الفنية العويصة التي تصادفني في عملي، فيبدوا عليها كما لو كانت تدركها وتفهما حق الفهم بوحي من إلهامها!

أنني أعتبر ذهابي إلى المنزل متعة، لوثوقي من أنني سأجد هناك من يستمع إليّ استماعاً واعياً عطوفاً))[12].

وقد يكون أحد أهم الأسباب التي تدعوا للخروج من المنزل بشكل كبير وقضاء اليوم مع أصدقائه هو أنه لا يجد من يصغي لما يود أن يقوله عن الأحداث التي مر بها في يومه، والحل لاجتذاب الرجل إلى داره مطمئناً، هو أن تلجأ الزوجة للتوسّل بالأسئلة الهادئة عمّا يود الحديث عنه، ليلاقي في منزله أذناً واعية يركن إليها ويأنس بها.

يحتاج الزوجان إلى الإصغاء عندما يكون الطرف المقابل يريد أن يفرغ ما عنده من شحنات الكلام، ويحتاجان إلى المحاورة لاستخراج المطويات والمخبوءات من الهموم والهواجس التي تسكن قلب الطرف الآخر، والتي من شأنها تحطيم من يبتها، فهو أو هي سيخدمهما أن يعبّرا عن مكنونات النفس للتخلّص من ضيق الكبت..

جاء رجل إلى رسول الله (ص) فقال: إن لي زوجة إذا دخلت تلقتني، وإذا خرجت شيّعتني، وإذا رأتني مهموماً قالت لي: ما يهمك إن كنت تهتم لرزقك فقد تكفّل لك به غيرك، وإن منت تهتم لأمر آخرتك فزادك الله همّاً، فقال رسول الله (ص): إن لله عمّالاً وهذه من عمّاله لها نصف أجر الشهيد[13].

(9)

روّحوا عن أنفسكم

 إن لم تكن فكرة الترويح عن النفس قد طرحت بعد فقد حان الوقت لكي تبدءوا بالترويح عن أنفسكم في ما يحل ويجمل، كالتمتع بالمشي فوق الحشائش الخضراء ومداعبة أرجلكم للأمواج على ساحل البحر وممارسة الرياضة وغيرها، فمن شأن الترويح أن يجعل النفس تنبسط وتنشرح مما يبعث على الراحة وهدوء الأعصاب، وبالتالي الشعور بالسعادة..

 وهذه الأجواء هي مرتع الحب، فمشاعر الحب لا تأتي في أجواء التوتر والانقباض، إنما في الراحة والانبساط، و باستطاعتكم أن تتذكروا حبكم و تتحدثوا عن مشاعركم لتنساب في عروقكم انسياباً رقراقاً.. يقول الحديث الشريف: (( روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فان القلوب إذا كلّت، عميت))[14].

فالحياة العملية المستمرة دون انقطاع ودون التوقف للراحة،ليس من شأنها التسبب بتراجع العمل وحسب، بل من شأنها أن تؤثر على الحياة الزوجية كذلك، خصوصاً جانب المشاعر فيها، فقد تطحن أيام العمل الكئود كل المشاعر التي تحملها لشريكك، وتذروها في طي النسيان، نتيجة لما يسببه ذلك من غشاوة بعد غشاوة على القلب فلا يعود قادراً على الإحساس.

يقول الإمام علي (عليه السلام): ( للمؤمن ساعات ثلاث، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يروم معاشه، وساعة يروح عن نفسه في ما يحل ويجمل)، فلابد من التخطيط لبرنامج ترويحي يقوم بمهمة تعزيز العلاقة الودية فيما بين الزوجين ن ولا تفكّر في أن تتركها للصدفة والظروف، فهي ساعات كساعات العبادة في التأثير على الروح، وكساعات العمل في التطوير والتقدّم.

(10)

ممارسة الجنس

 إن الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان الرغبة الجنسية، إذ هو بحاجة لإشباعها عن طريق الممارسة الجنسية مع زوجته – الجماع – فهذه الممارسة لا يجب أن تكون مجرّد رغبة عارمة يتم تفريغها وحسب، إنما لا بد أن تضاف إليها أحاسيس الحب لكي تعطي إحساساً أكثر اتقاداً ومتعة..

 (( فلو أن هذه العملية تمت بإحساس ومحبة ممزوجة بحرارة العشق فإن ذلك يبعث على دفء الحياة، ويجعل رابطة الزواج لذيذة جداً))[15].

  إن (هيرمان شوارتز) في كتابه سيكولوجية الجنس يحدثنا عن خطأ كلمة جنس، وكيف أن صحة هذه الكلمة هي الجنس النفسي، ثم يستطرد قائلا: لابد وأن تكون ممارسة الجنس على قاعدة من الحب والذين يمارسون الجنس في غياب الحب يحسون بالإعياء والسأم والاشمئزاز بعد الممارسة أما الذين يمارسون الجنس في إطار الحب، فهم يشعرون بالسعادة كما ينظر كل منهما للآخر وكأنه يراه لأول مرة، كما يحس كلاهما إنه قد ولد من جديد.

  يقول تعالى: ( وعاشروهنّ بالمعروف)[16].

العشرة بالمعروف تشمل الحياة الزوجية بكل تفاصيلها بما فيها الممارسة الجنسية، ومن هذا نتعرّف على مصداقية خبراء العلاقات الزوجية اللذين يقولون أن الجنس، لا يقتصر على مساحة الفراش، وإنما هو مفهوم أعم، حيث يشمل العشرة العامة للزوجين، وما الفراش إلا مرحلة الذروة فيها، ومن تأتي أهمية العشرة المستمرة بالمعروف، لكي تلقي بظلالها على تلك الممارسة.

(11)

سخّروا هواياتكم

سخروا هواياتكم في مجال حبكم..

 لأن الهواية هي ما تهواه نفسك، وتمارسه بين الحين والآخر لتأنس به، فلا تبخل بتسخير شيء من هواياتك للتعبير عن حبك لزوجتك، فقد تمتلك هواية الرسم، فرسم صورة زوجتك فكرة مثيرة، لن تنمحي من ذاكرتها..

 وقد تكتب شعراً، فكتابة أبيات من الشعر تخاطب فيها قلب زوجتك، كفيلة بتأجيج مشاعر الحب لديها، وربط هوايتك بهواك في زوجتك أمر كفيل بجعل الحس العاطفي بينكما مترابطاً ومتشابكاً …

 في أحد ضواحي الأحياء الجديدة في إحدى المدن يسكن أحد المزارعين مع زوجته في منزل صغير تتقّدمه مساحة رملية صغيرة، وكان المزارع يتأخر في عمله أحياناً كثيرة، ففكر في فكرة تجعل من زوجته بصحبته أثناء غيابه، فقام بكتابة عبارة ( أنا أحب. م ) وهو حرف من اسم زوجته على الأرض أمام المنزل، وقام بزراعتها بالخضرة وكلّلها بتشكيلة جميلة من الأزهار، وأسعد ذلك العمل زوجته التي أصبح لديها عمل إضافي في كل يوم تسقي ذلك الزرع كل صباح ثم تجلس أمامه مستأنسة بعد الظهر في انتظار زوجها.

(12)

اخلقوا الاهتمامات المشتركة

 إن ما يوجب تباعد الزوجين في يومهم هو العمل، فالزوج يتوجه إلى عمله، والزوجة تقصد عملها، سواء أكان منزلياً أو غير ذلك.. والحال هذه عند تواجدهما في المنزل، فكثير ما ينشغل الزوج باهتماماته الخاصة وهواياته، والزوجة في انعزال عنه منصرفة إلى اهتماماتها ودورها في المنزل..

 وهذا ما يقلّل الصحبة بين الأزواج، ويقلل الاختلاط بينهم، مما يساهم قي إسدال ستار البرود العاطفي وذبول أوراق الحب لدى الطرفين، لأن الصحبة من مصاديق المعاشرة التي تعمّق العلاقة الحميمية بين الزوجين..

 وأفضل وسيلة لضمان هذه الصحبة هي إيجاد الاهتمام المشترك بين الطرفين، ويكون كل من الزوج والزوجة عاملاً فاعلاً في ذلك الاهتمام، فيمتزج حب هذا العمل بحب كل الآخر فيأنسا معاً..

وذلك يتم بالبحث في الهوايات في الأعمال التي يميل إليها كل طرف ليجدا شيئاً مشتركاً مثل حب الكمبيوتر والاشتغال عليه، فيقوما بالعمل معاً عليه وبمتابعة الجديد في مجاله، والحديث معاً عن آخر الإنجازات والتشاور في ما يمكن عمله.

 لقد أخبرني أحد الأصدقاء أنه يعرف كاتباً مكثر في كتابته مما يجعله منشغلاً عن زوجته أغلب الوقت، إلاّ أنه وجد في زوجته حب التدوين والتنسيق، فجعلها مكملة له في عمله، فعندما ينتهي من مسوّدة موضوع ما يوعز لها تبيضه، وتنسيق مجهوداته، فأصبحا مشتركين في اهتمامه..

 وقد يلجئ أحدنا إلى التعاون مع الآخر في الأعمال الخاصة به، فمثلا تستطيع تأجيل ترتيب أرشيفك إلى وقت آخر تكون زوجتك غير مشغولة بعمل ما.. وقد تطلب الزوجة من زوجها المشاركة في إعادة ترتيب أدوات المطبخ، والفكرة الأساس هي لكي نتحاشى الابتعاد اليومي الذي يسبب بدوره تباعد المشاعر ويجمّدها، ينبغي أن نخلق اهتمامات مشتركة أو أعمال فرعية مشتركة، تقرّب المسافة ويمتزج حب عملك بحبك لزوجك..

* فصل من كتاب الحب في العلاقات الزوجية

www.mosawy.org


[1] / مجلة المختار ديسمبر 1991م.

[2] / ميزان الحكمة، ج10 ص336.

[3] / رسالة الحقوق، للإمام زين العابدين

[4] / ميزان الحكمة، ج5 ص152.

[5] / ميزان الحكمة، ج7،ص140.

[6] / تحف العقول، ص47

[7] / مجلة المختار، يونيو 1992م.

[8] / ميزان الحكمة، للريشهري، ج10 ص531.

[9] / سيكولوجية المرأة، باسمة كيّال، ص47.

[10] / الأمراض النفسية وعلاجها – ص 91.

[11] / ميزان الحكمة – ج4 – ص553.

[12] / في العلاقات الزوجية، للسيد هادي المدرسي– ص63.

[13] / الآداب والسنن، الإمام الشيرازي، ج4، ص141.

[14] / فن الترويح عن النفس، السيد هادي المدرسي– ص72.

[15] / الأفكار والرغبات بين الشيوخ والشباب، الشيخ محمد تقي فلسفي – ص158.

[16] / سورة النساء، آية 19.

شبكة النبأ المعلوماتية- الاربعاء 22/نيسان/2009 - 25/ربيع الثاني/1430

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1429هـ  /  1999- 2008م