مجلة النبأ - العدد61

 

 

الشيخ حيدر مصطفى عبد الكريم

قبس من ذكرى الشهيد الشاهد

سنوات مرت كالطيف العابر الذي استوحش من دنيا الفناء هذه، فغادر إلى حيث السعادة والخلود، هذه السنوات أيقظت في نفسي وعياً وأدخلتني إلى فضاء رحب فيه كل معطيات الحياة.

كان كل شيء يدعوني إلى الحديث عن الشهيد الشيرازي، عن رجل حمل في قلبه طهر الأولياء ونقاوة الصالحين، فلم أكتب شيئاً من عندي، بل تركت سيرته العطرة هي التي تعبر عن كل ما جرى من أحداث وصور.. وقد حرصت أن تكون هذه الذكريات مطابقة لواقع الحال الذي قضيته في ظله في بيروت، وكم كنت أحب أن تكون هذه الذكريات وقفة ضوء في حياته لا في مماته، لأنه (رحمه الله) كان حريصاً على تربية جيل تتوفر فيه كل مواصفات وشمائل القدوة الحسنة التي ارتآها واختارها لتكون اللسان الذي يحمل إلى الناس الخير وينشر بينهم العدل والفضيلة.

مدرسة الإمام المهدي (ع) الدينية:

كان كل شيء هادئا والصمت يقرع آذان الوافدين الجدد إلى (مدرسة الإمام المهدي (عج) الدينية)، وضعنا أمتعتنا عند باب الإدارة وانتظرنا تسجيل أسمائنا في سجل المدرسة، وكنا على التوالي:

ثلاثة من حلب (سوريا)، واحد من إيران، أربعة من بيروت، خمسة من الجنوب، ستة من البقاع، سبعة من طرابلس،

في الصباح الباكر لليوم الثاني أيقظنا ناظر المدرسة وقال هيا هبوا إلى الصلاة، إن السيد الشيرازي هنا وهو صاحب المدرسة ويريدكم في قاعة المدرسة جميعاً، وعلى باب القاعة وقفت لأشاهد السيد الشيرازي جالساً في صدر القاعة، فاقتربت منه وأنا أنظر إليه بوقار وهيبة وقد تمثل لي كأنه من زهاد القرون الأولى، تسمّرت في مكاني حياءً وخوفاً وقلت السلام عليكم يا مولانا، فردّ علي السلام ثم اقتربت منه فأخذت يده وقبلتها وبعد الصلاة بقي في المدرسة من الخامسة حتى السابعة يتفقد أحوالنا ويلاطفنا ويحاورنا.

وبعد أيام اكتمل نصاب الأساتذة، وكان السيد حسن الشيرازي يعلمنا الفقه والمنطق، وكان لكل أستاذ شخصية ونفسية، وكل واحد منهم يختلف عن الآخر بالوعي والفهم والإدراك وكلهم يرجعون في أمورهم الدينية والدنيوية إلى السيد (رحمه الله).

كنا نتسابق مع الزمن لخلق جيل جديد دأب السيد الشيرازي على تنشئته وتحضيره ليقدمه إلى المجتمع، كان كل شيء على نفقة المدرسة فهي بالفعل مسؤولية كبيرة حملها السيد الشيرازي على عاتقه.

لقد كان برنامج الدرس مكثفاً بشكل غير طبيعي، والسيد الشيرازي لم نعد نشاهده إلا مرة في الأسبوع وذلك نهار الأربعاء أو قل ليلة الأربعاء حيث كنا نذهب إلى بيته في (الشيّاح) لنأخذ درس المنطق، وعددنا ثمانية تلاميذ أو تسعة على الأرجح، كنا صغاراً على الفهم، ورغم جهلي بطبيعة ما يدور وما أشاهد كنت قلقاً مشدوداً بكل كياني لكل هذه الحركات، لقد نضج عقلي فجأة وسمت في داخلي معرفة الأشياء، ولم أعرف سر تلك الدهشة إلا بعد أعوام!!.

وذات مرة تحاورت مع نفسي لعلي أستطيع الإجابة على هذه التساؤلات فقلت: يا ترى لماذا يقدم السيد الشيرازي على هذه التضحية الكبيرة؟!، ما هي الدوافع وما هي الأهداف؟ وما معنى أن يبذل العلم مجاناً لكل طلاب العلم، وهل هناك أناس يفكرون على طريقته؟ وهل الدين الإسلامي أغرقه في بحر المحبة وتاه في ظلال العطاء فكان يعطي بلا ثمن ولا يطلب جزاءً ولا شكورا؟.

عطاؤه كان يخترق الحدود والآفاق ليخضع الإنسان والواقع إلى تجربة دقيقة مدروسة، ربما نجحت ونجح معها في حركته وإحساسه، لكني كنت بالرغم من هواجسي اقرأ كل مقومات التحدي والصمود التي تتجلى في عينيه.

ولم يقتصر نشاطه(رحمه الله) على مدرستنا، بل كان يوزع جهوده يميناً وشمالاً، ولقد سألته ذات مرة ونحن في داره، فقلت له: يا مولانا ألا تستريح؟ ففي النهار عمل وفي الليل عمل أليس لجسدك عليك حق؟، قال لي:

(الإنسان لم يخلق في هذا الكون للراحة، وغداً سوف نموت ونخلد إلى الراحة الأبدية، وأما اليوم فعمل وعلينا أن نتغلب بوعينا وبمعرفتنا على كل الأشياء كي تنتصر فينا تجربة الروح المدفونة في هذا الجسد، على المادة، فالكون بما فيه، صراع بين الروح والمادة، بين الحق والباطل والإنسان هو الفارس الجلي في هذه الحلبة، إما أن ينتصر فيرتقي وإما أن يستسلم لمغريات المادة فيفشل في تجربته ويخضع لشهوات المادة والنفس وينتهي روحاً وجسداً).

صدمتني هذه اللغة وهذه الرؤية العميقة التي يكتمها، ورحت أتحدث مع نفسي ترى أي روح تختبئ خلف هذا الجسد النحيل الرقيق؟!.

سألت الأستاذ (كمال) ناظر المدرسة عن السيد حسن الشيرازي، قال لي:

إن السيد حسن الشيرازي هو واحد من أربعة أخوة كلهم علماء ومجتهدون، يأتي السيد محمد الشيرازي المرجع الأعلى بالمرتبة الأولى، والسيد حسن بالمرتبة الثانية، ومن ثم السيد صادق والسيد مجبتى الشيرازي، وهذه العائلة ورثت المجد والفضيلة عن سلالة عريقة بالشرف والكمال والمؤهلات العلمية، وقد نشأ السيد حسن على غرار المواهب الفذة التي تمتلك قدرات عالية، درس وحصّل من العلم ما يجعله في عداد المجتهدين في سن مبكرة.

وكان أحد الرجال الذين وقفوا وجهاً لوجه وعارضوا بشدة السلطة العراقية الحاكمة، وحيث كتب في كل الجرائد والمجلات مهاجماً ومندداً بطغيان وتجاوزات الحكام في بغداد، فاعتقل وتعرض لمختلف أساليب التعذيب والتنكيل، ولم يطلق سراحه إلا منذ فترة وجيزة، وأذكر أنه أنشدني أحد الأبيات الشعرية قبيل اعتقاله:

واسحق جباه المعتدين مردداً لا السجن يرهبني ولا الإعدام

إن السيد حسن ذكر لنا بعضاً من هذه الذكرى المؤلمة، قال:

(كان عندي الكثير من المؤلفات التي أتلفتها المخابرات العراقية الذين كانوا يداهموننا في الليل والنهار في الصباح والعشاء لا يستقرون على حال ولا يهدأ لهم بال سعياً وراء خنق صوت الحق، وكان لدي مجموعة من كتب المنطق وهي من تأليفي أحرقوها وأتلفوها وأنا أنظر إليهم).

لم يكن(رحمه الله) ينتبه إلى راحة جسده ولم تقلقه سويعات الغد بل يبقى مبتسماً ضاحكاً رغم كل الآلام التي كانت تعتصر جسده النحيل.

فالشهيد الشيرازي لم يكن عالماً وأديباً وشاعراً وفقيهاً فحسب بل كان مجاهداً وثائراً ضد الظلم والطغيان.

الشيرازي مع العلويين:

في أحد الأيام استأذن أحد التلاميذ السيد حسن بالسؤال وقال: أليس هؤلاء العلويون هم الغلاة؟.

فرد عليه الشيرازي بلطف وقال: (الغلاة تقريباً انقرضوا ولا يوجد أحد منهم، والعلويون هؤلاء هم شيعة لآل البيت (ع)).

قام السيد (رحمه الله) بزيارة لبلاد العلويين في سوريا حيث شاهد العلماء والمثقفين وأرباب الفكر، بقي ثلاثة أيام أو أربعة بين حمص وصافيتا واللاذقية، وقد تبرع ببناء مسجد في مدينة حمص سمي بمسجد الزهراء (ع) وآخر في صافيتا باسم مسجد الإمام الصادق (ع) ومثله في اللاذقية، ولما عاد إلى بيروت كان حصيلة زيارته إخراج كتاب اسمه (العلويون هم شيعة أهل البيت(ع)) وقد وزع مجاناً في كل من لبنان وسوريا، وفيه توقيع علماء العلويين على انتمائهم إلى المذهب الشيعي الاثني عشري، وفي أول احتفال للعلويين في طرابلس بميلاد حركة الشباب العلوي كان السيد حسن في قائمة المدعويين، وبالفعل أرسل الشيخ الوقائي ممثلاً عنه، وألقى كلمة بالنيابة عنه.

وقد وزع السيد حسن الكتب الكثيرة على الناس مجاناً، ابتداءً من كتاب (المراجعات) للسيد عبد الحسين شرف الدين، و(تسهيل الأحكام) للشيرازي، و(أصل الشيعة وأصولها) و(علي من المهد إلى اللحد) إلى الكثير منها التي كان يهديها إلى الناس كي يوقظ فيهم حس القراءة والمطالعة والنظر في قضايا الإسلام واهتماماته، وفي أوقات الفراغ كان يرسل المجتهدين منا إلى مناطق مختلفة لإيصال كلمة الله سبحانه وتعالى إلى كل بيت وكل مكان.

بعد الامتحان النهائي للفصل الدراسي كان ترتيبي الأول على التلاميذ، وقد رفضت بشدة مزهرية الورد التي أهدتها المدرسة لي، فكنت أرغب بمجموعة من الكتب المفيدة لي، فأعطاني السيد حسن ورقة إلى دار صادر في بيروت لأختار منها ما شئت.

وعند ذهابي لتوديعه في البيت، سألني السيد حسن قائلاً: كيف ستقضي العطلة الصيفية يا سيد حيدر؟ وأردف قائلاً: هناك ثلاثة أشهر هل يعقل أن تجلس دون عمل معين أو بذل أي جهد مادي أو فكري؟ ثم سألني: هل بإمكانك كتابة كتاب على منوال كتاب (أصل الشيعة وأصولها) للشيخ المظفر دون الاستعانة به أو الأخذ عنه؟، وراح يشرح لي خصائص الموضوع وجوانبه وفوائده، ووعدني إذا كان كتابي يصلح للنشر فسوف يطبع لي الكتاب على نفقته.

فرحت كثيراً وعندما هممت بالخروج قال: خذ هذه فسوف تساعدك على عناء الطريق وكان بيده مقدار من المال، وقد أعطاني بعض الكتب المساعدة على الكتابة والبحث، ولما كانت رغبتي شديدة فقد نجحت في كتابة أربعين صفحة في موضوع الشيعة، وعند زيارتي له مع والدي دفعت إليه الصفحات التي حملتها له، وراح يوجهني لتحسين الأسلوب الأدبي، وإشاعة جو الألفة بين القارئ والكاتب وعدم التمادي في تصوير الخيال والابتعاد عن الواقع، وقال لي: (كلما كان الموضوع مدعماً بالشواهد التاريخية الثابتة والأدلة العقلية التي لا تقبل الجدل كان النجاح حليفك).

ذكريات السنة الثانية:

لقد شجعني السيد كثيراً على طلب العلم وراح بوعيه يفتح مغالق ذهني ويجذب الجانب الإيجابي إلى عالم فكري أرحب وأوسع من الكون.

وذات مرة سألني عن طموحي في المستقبل ومن أحب أن أكون، فوجدت نفسي عاجزاً عن الإجابة عنه، قال: (لا أريد لك أن يقف طموحك عند حدود الأشخاص، وكنت أظن أنك ستقول مثل الشريف الرضي أو المتنبي أو غيرهم من العلماء والمفكرين الذين كانوا شغلوا الدنيا ولا تزال ذكراهم خالدة إلى أبد الدهر).

فالسيد الشيرازي كما عرفته وعاشرته عن قرب كان يحترم الصغير والكبير والعالم والجاهل، كانت فيه صفات الأولياء وسماحة الأتقياء وهو صورة للإنسان الذي راح يتسلق بروج الكمال بأناة وصبر بدون كلل أو ملل.

ارتداء الزي الديني:

كانت انطلاقتي من مجتمع بسيط بأفراده وعاداته، يمتاز بمناخ رتيب جعلني محدود الفكر والأفق والرؤية ورغم أن اعتمادنا على القرآن في كل شيء قرأناه، إضافة إلى بعض الأحاديث النبوية الشريفة ونتف من أحاديث أهل العصمة (ع)، فلم أتصور أن خلف هذا المكان عالماً رحباً مزدحماً بالعلماء وأهل الفكر، وعلى كل لسان ثورة متحركة تنطلق من قيود الزمان والمكان.

وكان الحلم الكبير أن أجد نفسي مرتدياً الزي الديني، وهو حلم كل تلميذ في مدرسة الشيرازي وفي تجمع بقاعة المدرسة ذات مرة، وضمن كلمة ألقاها السيد حسن الشيرازي قال:

(لمست فيكم وفي بعضكم النشاط الديني، وأحببت أن أقدم مفاجأة لبعض المجتهدين وقد شملت هذه المفاجأة حيدر عبد الكريم وعلي عبد الكريم)، وفي مناسبة عيد المولد النبوي ألقينا بعض الكلمات وقد ختم الاحتفال السيد حسن بكلمة عن المولد الشريف، وعرج على موضوع العمل الديني وكيف يجب القيام به، وبعد كلمته ناداني فاقتربت منه ثم قرأ الفاتحة وألبسني الجبة والعمامة، وقال لي: (أنت علوي ونسبك ينتهي إلى رسول الله (ص) فلذلك ستكون عمامتك سوداء، وأرجو أن تكون على مستوى المسؤولية).

زيارة السيد حسن(رحمه الله) للحج:

في تلك السنة نوى السيد الحج إلى بيت الله الحرام، وكنا بمعيته حين ذهابه إلى المطار لتوديعه.

في فجر اليوم الثاني فوجئنا بالناظر يوقظنا لصلاة الصبح مع السيد الشيرازي!.

هل حقيقة ودعنا السيد الشيرازي في المطار أم هو حلم، كيف ودعناه في منتصف الليل ولم نبرح بهو المطار حتى أقلعت الطائرة أمام أعيننا؟!!.

في الساعة الثامنة وصل السيد محسن الخاتمي إلى المدرسة، وبعد إصراري عليه قال إن الموضوع وما فيه أن السيد حسن الشيرازي توجه بالأمس إلى الديار المقدسة بأمان الله ورعايته وعند وصوله إلى المطار، استدعته السلطات السعودية وأخبرته أن هناك مؤامرة مبيّتة لاغتياله وطلبوا منه العودة إلى لبنان!.

قلت: ومن وراء هذه المؤامرة؟.

قال: المخابرات العراقية.

قلت: المخابرات العراقية تطارده في العراق وفي لبنان وفي السعودية أيضاً؟ قال: نعم وفي كل مكان إن استطاعوا.

أمة تجسدت في رجل تتحرك في كل الاتجاهات، ولو لم يكن كبيراً في روحه وإيمانه وفكره لما اهتمت السلطات السعودية لشأنه وسارعوا إلى تحذيره، ولما بقي في ذهن المخابرات العراقية طوال هذه المدة؟.

من هو السيد حسن الشيرازي؟

هو الإنسان القادم إلينا من ضباب الغربة، من غرف التعذيب ومعقل الإرهاب، انطلق ليحقق في نفسه معنى الأمانة والدعوة، ففي صمته تقرأ معنى العشق الصوفي الذي كان يملك عليه كيانه وإحساسه، وعند انطلاقه يترجم حركة السمو والارتقاء في عالم قعد الناس فيه عن ممارسة الحركة والسعي إلى تحقيق الكمال والارتقاء إلى رحاب الله.

كانت الحياة في عقيدته تجربة قاسية تنزع إلى سلب الجسد كل معوقات المدح، لتعطي الجزء الإلهي في هذا الإنسان كل طاقة ليحقق معنى الإيجاد والتكوين، فالشيرازي الذي عرفناه داعية خير، وأب روحي ندين له بالمحبة وحسن الولاء، وخصاله ومزاياه أرفع من حدود الكلمة وأسمى من معنى العبارة، فقد كان كل شيء في حياتنا.

كان معهد الشيرازي هو الشرارة التي انطلقت من لبنان لتحمل للعالم بذور الفضيلة، وقد أراد السيد حسن لهؤلاء الفتية أن يكونوا نواة الخير ودعاة الدين، إذ لابد من منقذ لهذه الأمة يحمل راية الخلاص، فآثر الشيرازي أن يكون المنقذ لها عن طريق رسالته الإنسانية.

في فترة وجيزة كان الشيرازي قبلة هذا الشرق الغارق في أوهام المادية والتبعية، وكأنه ولد ليكون عبداً للذين سرقوا بريق عينيه بمظاهر كاذبة وأفكار بائدة.

صورة من الخلق النبيل والزهد الرفيع:

في مساء يوم توجهنا إلى دار السيد حسن، ونحن في غمرة فرحتنا بلقائه قرع جرس الباب، وإذا برجل بدت عليه علامات الثراء أسرع نحو الإمام الشيرازي يقبل يديه بخشوع وخضوع، لاطفه السيد حسن بقوله: تفضل بالجلوس هنا.

ثم ألقى الرجل التحية على الجميع، سأله السيد حسن عن حاله وصحته ثم قال له من أين حضرتك أيها الأخ الكريم؟ فقال الرجل: خادمكم يا سيدي من البحرين وقد جاء للتشرف بدعائكم والتمتع برؤيتكم ولقياكم.

وبعد تردد بدأ حديثه حول ثرائه وأمواله وأملاكه التي لم يدفع حقوقها من خمس أو زكاة، وكان المبلغ كبيراً ومغرياً بدرجة لا توصف، وتوسل إلى السيد أن يقبله، إلا أنه قال له: أنا لست بحاجة إلى هذا المال فتبرع به لجمعية خيرية أو ساهم في طبع كتب إسلامية، أو تصدق به على الفقراء أو المساكين أو أنفقه في أي عمل من أعمال الخير، أما نحن فلا ينقصنا شيء والحمد لله، وقد تغير وجه الرجل ووجد صعوبة في حل مشكلته، فبادره السيد قائلاً: أيها الأخ لا ترتبك ولا تحزن فليس الأمر كما تصورت، فأنت سلكت طريق التوبة والاستغفار وقُبلت منك كل خطوة بادرت بها في طريق الخير إلا أنه لا يسعنا قبول مالك لأننا لسنا بحاجة إليه وعندنا الكثير.

فلم أجد تحليلاً أو تعليلاً لهذه الحادثة وأمثالها، فالشيرازي رفض مال الرجل على الرغم من كثرة المصاريف والإنفاق الذي يبذله على أربعين أو خمسين فرداً من أكل وشرب وغير ذلك من رواتب الأساتذة والشيوخ.

خلال السنوات التي قضيت معه لم يتكلم عن حالة مادية أو يفكر بشيء اسمه المادة، بل كان حديثه يهدف إلى تربية الإنسان أولاً، ثم وضعه في إطار الحركة والهدف المنشود ليكون داعياً لله سبحانه، فقد صب حرصه على إيجاد تيار شبابي يدعو إلى فهم الإسلام وتشريعه.

لم يكن يهدف إلى تمييز تلميذ عن آخر من خلال انتمائه العقائدي، فكان معنا السني والشيعي والعلوي، إلا أنه لم يشعر أياً منا بغربة، لأن كلمة الإسلام قد جمعتنا على الألفة والمحبة، وإن الشيرازي وحّد بين قلوبنا واستطاع أن يغسل العداوة والأحقاد من نفوسنا فلم نتعصب لرأي ولم نتطرف لفكر ما، فالعقل والمنطق هما سلاح الإنسان الناجح.

الشيرازي في إفريقيا:

ذات مرة سألته عن نتيجة دراستنا وما هي المنفعة التي تعود على المؤسسة، قال:

(أنتم جنود الإمام المهدي (عج) وهذه المؤسسة التي جمعتكم يوماً للدرس والمعرفة، هي التي تعمل على توزيع أدواركم وفق الحاجات والمتطلبات الاجتماعية والدينية، فمثلاً أنت ربما تكون داعية في إفريقيا أو أستراليا أو في أي بلد آخر لتقوم بنشر فكر أهل البيت (ع) وهناك تجد كل شيء جاهزاً من البيت والوظيفة وغير ذلك.

وعند زيارته لإفريقيا وبالتحديد لـ(سيراليون)، جمعته الصور الكثيرة مع رئيس الوزراء وثلة من النواب والشخصيات الرفيعة وممثلي الدولة، وقام ببعض النشاطات مثل الصلاة وإلقاء الخطب والمحاضرات، كما تبرع لبناء مسجد في سيراليون، وكان الناس يتوافدون عليه من كل حدب وصوب، إذ كان يمثل رمزاً كبيراً للفكر الديني في هذا البلد وغيره من البلدان الأخرى، فرغم كل الصعوبات والعراقيل التي كان يواجهها ورغم السجون في العراق إلا أنه لم يخضع أو يهادن، بل بقي ثورة ملتهبة رغم أنوف الطغاة يسلبهم الأمن والأمان.

وعندما سألته مرة عن كيفية إلقاء درس المنطق عن ظهر غيب، قال: (كان عندي الكثير من المؤلفات في المنطق والفلسفة إلا أن زوار الفجر - وعنى بهم المخابرات العراقية - لم يتركوا وراءهم شيئاً بل أحرقوا المؤلفات ودمروا كل شيء في حياتي ولكن الحمد لله بقي إيماني بالله كبيراً وروحي شامخة).

ثم صور لي المشهد بأبيات شعرية لبدوي الجبل يقول فيها:

أنزه آلامــــي عــن الدمع والأسى
وأضحك لعسف الدهر أنني مؤمن
ومــا ضرّني أسرٌ ونفســــي طليقة
أطـــل على الدنيــا عزيـزاً أضمني
ومـا حاجتي للنور والنور كـــامن

 

فتؤنسها منــــي الطلاقـــــة والبشر
وعدل الطغيان الـــــورى أنني حـــر
مجنحة ما كـــف مـــن شأنها أمـــر
إليه ظلام السجن أم ضمني القصـر
بنفســــي لا ظــل عليـــه ولا ستــــرُ

كانت حياتنا في ظل الشيرازي أشبه بسفينة الأحلام، انطلقت عبر أمواج عاتية تقتحم مجهول الحياة لترسو بفكره فوق ميناء آل البيت(ع).

لقد شجعنا الشيرازي على الكتابة والخطابة والجرأة في مواجهة كل أحداث الحياة، فلم يرض لنا أن نكون مستمعين دائماً بل حثنا على المشاركة في كل مناسبة لنحظى بلحظة الانفعال ونعيش الحدث.

أنا والعمامة:

وجدت نفسي في طرابلس وأنا ارتدي الزي الديني والعمامة السوداء التي لم تكن مألوفة للمتجمهرين حولي وهم يمطرونني بمئات الأسئلة، وقد أجبروني على إلقاء محاضرة في قاعة (حركة الشباب العلوي)، حينها شعرت بالفخر والاعتزاز ليس بنفسي فحسب وإنما بالشيرازي الذي أمثله في فكره وسلوكه، وشعرت قلبي يرقص فرحاً، ولكن ماذا أقول لهؤلاء المحتشدين، هل أقف واعظاً؟ أم خطيباً بموضوع معين يشد انتباههم ويثير فيهم روح الحماسة؟ تذكرت أستاذي الشيرازي (رحمه الله) وهو يقول في درس الخطابة:

(إذا أردت أن تكون خطيباً ناجحاً فلا تفكر بالجمهور، ولا تتردد في قول، وتكلم بحرية وطلاقة، كأنك تخاطب صفاً مرصوصاً من المقاعد، لأنك إذا فكرت بحركات الناس وتقلبات عيونهم وحاولت أن تسبر غور أفكارهم لتعرف ماذا يقولون وبماذا يفكرون، فسوف تسقط لأول وهلة ويعتريك الخوف والذهول تماماً).

هذه الكلمات رفعت من معنوياتي وعزيمتي فوقفت شامخاً برأس مرتفع نحو الناس أنظر إليهم كأنهم دمى لا تتحرك إلا بإذني، تكلمت عن مهمة رجل الدين وضرورة التزام المجتمع بالواجبات الدينية، ثم عرجت على موضوع آخر يتناسب وبساطتهم ورؤيتهم للأشياء، فوجهتهم إلى أفكارنا وتراثنا ومبادئنا والحفاظ على نهج وتراث أهل البيت (ع).

كان كل ذلك بفضل توجيهات السيد الشيرازي ورعايته وجهده الذي أوجد لحياتنا سلوكاً مختلفاً حيث صار لها معنى ووزناً وقيمة.

وكثيراً ما كنت أسمعه يردد هذا البيت من الشعر:

يا شباب اليوم أشياخ الغد أنتم مُتّعتموا بالسّؤدد

كنا نعي هذه الأفكار، نجلّها ونحترمها، ونجدها صعبة المنال عزيزة علينا، فكيف بأمثالنا الذين ولدوا بالأمس أن يكونوا فرسان حلبة قضى فيها وعليها عظماء ومفكرون حياتهم من أجل الإنسانية.

وفي نهاية العام الدراسي ألقى بعض الإرشادات والنصائح، وزودنا بالكتب وشجعنا على الاستمرار في خوض غمرات الطريق، حملنا الكتب إلى طرابلس ووزعناها على الناس مجاناً.

السنة الثالثة:

عدنا من جديد إلى الدرس والتعلم وتحمل أعباء رسالة العلم والدين وقد وضعت المدرسة برنامجاً مكثفاً لخلق مناخ فكري يتسابق به الجيل مع ساعات الزمن، إذ كان الشيرازي يريدنا أن نكون القدوة الحسنة لمجتمع أوشكت أن تنهار دعائمه وتسقط أسسه ومعالمه أمام الأفكار المادية الإلحادية التي أراد الشيرازي محاربتها بكل قوة وشجاعة باليد واللسان والقلب، فلم تكن في لبنان مدرسة تضاهي مدرسته بفكرها وعطائها بل وفي الشرق كله، ورغم وجود الكثير من الشخصيات العلمية والسياسية والدينية، إلا أن أحداً لم يكن يحمل مواصفاته أو يستطيع أن ينوب عنه أو يحل محله، وهذا القول ليس للمجاملة أو المبالغة، بل هو تقرير واقعي حقيقي أحببت أن أبوح به في غير وقته لأهل العلم والفكر الذين أحبوا الشيرازي بفكره وعطائه وعلمه وأدبه وروحه المرحة الكبيرة، وإلى الذين كانوا على الضفة الأخرى.

أقول: لقد خسرنا جميعاً الشيرازي ولم نعرف كامل قدره، وقد صح القول: (ذاك نبي ضيّعه قومه).

فخصاله ومواصفاته التي يملكها قلة من الرجال هي مقدمة للإنسان الكامل الذي يرى الدنيا في عينيه لا تساوي عفطة تيس وليست هي سوى معبرٍ للآخرة.

السنة الرابعة:

لم تختلف هذه السنة عن السنوات الماضية في الجهد والعمل والمثابرة لبلوغ الهدف، إلا أن الخطوات العملية بدأت تشق طريقها من خلال تواجدنا في المساجد القريبة أو البعيدة بغية التبليغ والتآلف مع الجماعة ففي كل أسبوع كان الشيرازي يرسل تلميذاً إلى منطقة نائية يلقي الخطبة في مسجدها ويؤم الناس في الصلاة، لأن كثيراً من القرى والبلدات في جنوب لبنان لم يكن لديهم إمام، بل ولا يعرفون الصلاة ولم يسمعوا برجال الدين وإنما كانوا مسلمين بالاسم فقط، وكان الشيرازي يمثل فينا المرآة الصافية التي تعكس كل طموحات الناس والمجتمع.

ولا زلت أقول أنني تأثرت بما يقوم به الشيرازي الذي نقلني من بيئة صامتة لا نوافذ لها، إلى عالم يكون الإنسان فيه مؤثراً بما حوله، وعنصراً فعالاً في مجتمع تتفاعل فوق جنباته كل تيارات الحياة الدينية والسياسية والفكرية على السواء، ولطالما تساءلت كيف استطاع الشيرازي هذا العملاق المتحرك الساكن أن يجمع بين لفيف مختلف من التلاميذ، ويصهره في صف واحد قد لا يستطيع الأهل أحياناً على التوفيق بين الأخوة في البيت الواحد؟ لكن الشيرازي تلك المعجزة المؤمنة بنظرية المؤاخاة التي سنها الرسول (ص) قد طبقها قولاً وفعلاً.

كان كبيراً بروحه، يتميز بروحانية خاصة في ركوعه وسجوده، في مناجاته وعبادته، كنت أسمعه يقول في بعض مناجاته، عبدك بفنائك مسكينك بفنائك فقيرك بفنائك، يا لطيف ارحم عبدك الضعيف، يا ولي العافية أسألك العافية عافية الدنيا والآخرة بحق محمد وآله الطاهرين، ثم يرفع رأسه كأنه أطل علينا من عالم آخر نحتاج فيه إلى أجنحة شفافة قوية كي نسلك معه هذا العالم.

كان الشيرازي في سبعينات هذا القرن ظاهرة فريدة جمعت الدين والدنيا في كفة واحدة، ورغم مشاغله كان يقف ساعات الليل ليلتفت إلى نشاطه الأدبي وكتابته الدينية فلم يشعر إلا بالفجر يطرق بضوئه نوافذ غرفته حتى ينام قليلاً ليرتاح من عناء اليوم والليلة، لقد جاء الشيرازي ليوقظ في عقولنا معنى الشجاعة والبطولة التي جسدها آل البيت (ع) في كل ميادين الحياة فكراً وعملاً، وما هذه الأوراق إلا زهرة فاح عبيرها، اقتطفتها من خميلته وحملت غصنها العاري بيدين ترتجفان خوفاً وحزناً على أمل ضاع فوق أروقة السنين، ذكريات عبرت، وكم أدمت قلبي وهيجت أحزاني ووضعتني أمام قدر لا يرحم.

صحيح أنني لم أبدأ هذه الكتابة بالطرق التقليدية في تعريف شخصية الشيرازي ومولده وشأنه، لكنني أحببت أن تكون حياة الشيرازي في سطوري فصلاً يتوهج كل منها بضوء جديد، ونور جديد، وحياة العظماء لا شك أن لها بداية، ولكنها لن تنتهي بفقدهم أجسادهم ولن تموت بموتهم بل تبقى حية خالدة (أعيانهم مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة فهم أحياء ما بقي الدهر).

هي ذكرى عشتها ولم أفهم سرها وفحواها إلا بعد فوات الأوان، فدعني أهدهد نفسي من أحزانها، دعني أفجّر ذكرى القرب منك لتكون عيد الفرح لكل الذين استأنسوا بذكرك وعاشوا على محبتك.

رفقاً يا سيدي وعفوك فهل تأذن لي أن أبوح بعشق حافظت على كتمانه طيلة سنوات، وحان وقت إعلانه، فلتأذن لي أن أكتب حروفاً أضاءت بذكرك وجودها وتسامت لتجوب الآفاق باحثة عن مكانك ورقيك.

واسمح لي يا سيدي أن أزفّ إليك بعض الشوق محمولاً على أكف هذه العبارات العاجزة، وتقبلها هدية متواضعة، وإن لم تكن وهاجة فهي على الأقل رُحيلة تائهة في ساحل بحرك الكبير.