الاقتصاد والبيئة صراع المصالح والحقوق

محمـــد آدم

قال الله سبحانه وتعالى:(ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين)(1)

علم اقتصاد البيئة..

هناك بعض الجوانب المهملة في الحياة الاقتصادية تفرض نفسها ولم تدخل صلب التحليل الاقتصادي بعد، فلا زالت الجامعات تدرس علم الاقتصاد على أنه (العلم الذي يبحث في الاستخدام الأمثل للموارد المادية والبشرية بهدف تحقيق أكبر ربح ممكن، أو إشباع الحاجات الإنسانية بأقل تكلفة ممكنة) ، هذا المفهوم لعلم الاقتصاد بدأ يتغير ولم يعد الفهم الكلاسيكي له متناسباً مع متطلبات تطور النشاط الاقتصادي، فعند العودة إلى هذا المفهوم نجد أنه لا يأخذ بالاعتبار الجانب البيئي في النشاط الاقتصادي، فالاستخدام الأمثل للموارد يقصد به - وفق المفهوم الكلاسيكي - الاستخدام الأمثل للموارد التي تعتبر أصولاً إنتاجية، أي تلك الموارد التي تقيم تقييماً نقدياً في السوق وتستخدم في العملية الإنتاجية ولا تعتبر الموارد الطبيعية أصولاً إنتاجية، وبالتالي لا تدخل ضمن إطار الاستخدام الأمثل، ولا تزال هذه الموارد مستبعدة من مفهوم (الاستخدام الأمثل) كما أن تعبير (أقل تكلفة) لا يزال يقصد به أقل تكلفة بالنسبة للعوامل الإنتاجية الداخلة في العملية الإنتاجية مباشرة ولا تؤخذ بالاعتبار الخسائر البيئية والتكاليف الاجتماعية، أي التكاليف على مستوى المجتمع وعلى مستوى الاقتصاد ككل والتي تسمى بالتكاليف الخارجية، فعند إنتاج أي منتج صناعي مثلاً، لا يحسب ضمن التكلفة سوى التكلفة داخل المجمع الصناعي ولا يحسب كم طناً من الأسماك قد دمر في البحيرة أو في البحر المجاور مقابل إنتاج هذا المنتج أم كم شخصاً قد تضرر أو مرض نتيجة الغازات أو الغبار المنطلق، وكم سيكلف علاجهم وما هي خسائر الإنتاج الناجمة عن التوقف عن العمل بسبب المرض، وكم هو حجم الضرر الحاصل في المزروعات والغابات والهواء في المنطقة المحيطة بالمجمع الصناعي.

ولا تحسب أيضاً التكاليف الإقليمية أو العالمية الناجمة عن المصانع الفرنسية أو الإيطالية، مثلاً، والواقعة على حوض المتوسط والتي تؤثر على اقتصاديات وموارد وسكان هذا الحوض سواء بموت الأحياء البحرية أو بتلويث الهواء أو غير ذلك..

كما أنه لا تحسب تكلفة زيادة غاز ثاني أوكسيد الكربون الذي يتسبب بارتفاع درجة حرارة الأرض، ولا تحسب أيضاً تكلفة زيادة غازات الكلورفلور كربونات وأول أوكسيد الكلور التي تسبب تمزيق طبقة الأوزون.

هذه التكاليف الاجتماعية والتي تعتبر خارجية بالنسبة للمنشأة، سواء كانت على مستوى بلد معين أو إقليم معين أو على المستوى العالمي، لا تزال خارج الحسابات الاقتصادية.

إن العائدات من النفط والغاز والخامات الطبيعية الأخرى والتي تحسب على أنها دخل أو قيمة مضافة جديدة ما هي في الحقيقة إلا ريع ناجم عن استنزاف رأس المال الطبيعي والموجودات النادرة، ولا تشكل قيمة مضافة ناجمة عن عمل إنتاجي، وهدر هذه الموارد يشكل عامل تدهور بيئي.. وما لم يتم القيام باستثمارات تعويضية تحافظ على رأس المال الطبيعي وتضمن تجدده فإن النمو المستند إلى الموارد الطبيعية لن يكون متواصلاً ولا طويل الأجل.

إن التكاليف الاجتماعية أو التكاليف الخارجية والتي تبقى دون مراعاة عند احتساب الناتج الاجتماعي، تنجم عن الفرق بين التكاليف الاقتصادية الكلية والتكاليف الخاصة على مستوى المشروع ويعود ذلك إلى أن تكاليف المنفعة عند استخدام البيئة تحسب عند مستوى التعرفة صفر للموارد البيئية..

فحسابات المشروع تتضمن فقط التكاليف التي يتحملها المشروع وليس التكاليف الإضافية التي تتحملها الوحدات الاقتصادية الأخرى أو المجتمع ككل، ولا تظهر هذه التكاليف في الحسابات الخاصة للمنشآت أو في الميزانيات العامة، وفي حال عدم احتساب التكاليف الاجتماعية هذه فإن الناتج الاجتماعي يقيّم بقيمة أعلى من قيمته الحقيقية. وتتمثل التكاليف الاجتماعية - على سبيل المثال - في الأضرار الصحية الناجمة عن التلوث، الأضرار النباتية والحيوانية، تدهور نوعية المياه، انخفاض حصيلة ونوعية الصيد السمكي، انخفاض قيمة المساكن وإيجارها بسبب الضوضاء والتلوث المادي، الانخفاض النوعي لأهمية وقيمة مناطق الاستجمام والراحة.. الخ.

إن التكاليف الاجتماعية هذه تتسبب في أضرار بيئية واقتصادية، فأسعار السلع والخدمات (المنتجة والمستهلكة) الضارة بالبيئة تكون قياساً بالتكلفة الاجتماعية الحقيقية متدنية وتُعرض بسعر أرخص، وهذا يعني أن إنتاج واستهلاك وتصدير هذه السلع قد حصل على دعم غير مرغوب فيه. وعلاوة على ذلك فإن استخدام الموارد الطبيعية يصبح أغلى ثمناً وذلك بسبب الحاجة للإنفاق في مجالات تنقية وتحضير المياه الملوثة وتنقية الهواء الملوث وتحسين نوعية التربة المهددة والوقاية من الضوضاء.. الخ.

لقد أفرزت التطورات البيئية في العقود الأخيرة إلى الوجود فرعاً جديداً من فروع العلوم الاقتصادية هو و(علم اقتصاد البيئة) الذي نعرّفه بأنه (العلم الذي يقيس بمقاييس بيئية مختلف الجوانب النظرية والتحليلية والمحاسبية للحياة الاقتصادية ويهدف إلى المحافظة على توازنات بيئية تضمن نمواً مستديماً)، وقبل الحديث عن مهام ودور اقتصاد البيئة وعن مستوياته لابد من تحديد مصطلح البيئة.

تعني البيئة بالمعنى الواسع مجمل العوامل التي يكون لها دور في تحديد الوجود البشري، أي العوامل التي تحدد الشروط المادية والنفسية والتقنية والاقتصادية والاجتماعية لعلاقات البشر.

ويتضمن التعريف الذي أوردناه لاقتصاد البيئة المفاهيم البيئية التالية:

أ) البيئة الاجتماعية: وتتضمن المجال أو الحقل الاجتماعي للفرد والأسرة والمجموعات البشرية والمجتمع.

ب) البيئة الجغرافية (المكانية): وتشمل المحيط الجغرافي للبشر في الحي والقرية والمدينة والدولة.

ج) البيئة الحيوية: وتتضمن الوضع البيئي للبشر والحيوانات والنباتات والشروط الضرورية لحياتها المشتركة ويشمل ذلك الآثار الناجمة عن التطورات التقنية والاقتصادية والسكانية.

يشمل مفهوم البيئة في (ب) و(ج) المشاكل المتعلقة باستخدام المكان ووجود الخامات الطبيعية والكثافة السكانية وحماية الطبيعة وتلوث البيئة.

بهذا الفهم للبيئة يكون قد تم احتواء المشكلتين الرئيسيتين اللتين يحتدم حولهما النقاش في مجال البيئة:

الأولى: مشكلة الإضرار وتلويث المجال الحيوي من خلال الانبعاثات السامة والنفايات والإخلال بالتوازنات البيئية.

الثانية: مشكلة استنزاف الموارد الطبيعية المتجددة وغير المتجددة (الخامات الطبيعية الزراعية وبقية مرتكزات الحياة البيئية).

وتعني البيئة بالمعنى الضيق أو الأكثر ضيقاً حالة الهواء والماء والأرض والنباتات والحيوانات البرية.

ومن التعريف الذي أوردناه لاقتصاد البيئة يمكن أن نميز بين مستويين لاقتصاد البيئة على مستوى المنشأة (مستوى جزئي)، واقتصاد البيئة على مستوى الاقتصاد ككل (مستوى كلي).

1- اقتصاد البيئة الجزئي (على مستوى المنشأة):

يمثل اقتصاد البيئة الجزئي جزءاً من اقتصاد المنشأة الذي يهتم ويحلل علاقة المنشأة بالبيئة الطبيعية والتطور النوعي للبيئة المحيطة وأثر السياسات البيئية على المنشأة..

ولاقتصاد البيئة على مستوى المنشأة المهام التالية:

أ) دراسة وتحليل إجراءات حماية البيئة على المنشأة وأهدافها وعلى تعظيم الربح فيها.

ب) تقديم المشورات والنصائح للمنشأة المناسبة والمنسجمة مع متطلبات حماية البيئة.

ج) المساهمة في توجيه الإنتاج بما تقتضيه التوجهات والتعليمات واللوائح البيئية.

د) دراسة الاستثمارات البيئية التي تحد من الأخطار البيئية.

هـ) إعطاء المعلومات حول تكاليف حماية البيئة ونفقات الاستثمار وتأثير حماية البيئة على حسابات الأرباح والخسائر وتحليل الجدوى البيئية للمشاريع.

و) إعطاء النصائح وتحليل المشاكل ودراسة آفاق المستقبل لبعض فروع الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات البيئية كمنشآت الخدمات والنقل وصناعة حماية البيئة والتجارة والتأمين.

إن اقتصاد البيئة الجزئي على مستوى المنشأة لا يحظى بأهمية كبيرة بالمقارنة مع اقتصاد البيئة الكلي.

2- اقتصاد البيئة الكلي:

يتناول اقتصاد البيئة الكلي مشاكل البيئة على مستوى الاقتصاد ككل.. من أهدافه الوصول إلى مستويات أعلى من الرفاه الاجتماعي المستديم الذي يأخذ بالاعتبار المحافظة على نوعية البيئة عند مستويات عليا. ويعالج اقتصاد البيئة الكلي الموضوعات التالية:

* التقويم المادي والنقدي للأضرار البيئية وكذلك تقويم التحسين البيئي الناجم عن السياسة البيئية في النشاطات الحكومية والخاصة.

* تحديد ودراسة الصلات القائمة بين البيئة والأهداف الاقتصادية الكلية وكذلك الصلات القائمة بين السياسات الاقتصادية والسياسات البيئية.

ولاقتصاد البيئة الكلي مجموعة من الوظائف يجب أن يقوم بها:

- اقتصاد البيئة كجزء من العلوم الاقتصادية الكلية، أي ليس فقط تخصيص التكاليف على مستوى المنشأة وإنما التكلفة على مستوى المجتمع وعلى مستوى الاقتصاد ككل.

- تقديم المعلومات والاستشارات التي يمكن على أساسها اتخاذ القرارات وذلك من خلال:

* تقويم الأضرار البيئية وإجراءات حماية البيئة ونتائج تلك الإجراءات.

* تقويم تطور أدوات السياسة البيئية سواء المحلية منها أو العالمية وتحديد إلى أي مدى تم حل المشاكل الموجودة.

* تقويم تأثير حماية البيئة على الأهداف الاقتصادية الكلية وتحديداً على العمالة والنمو الاقتصادي.

* تقويم العلاقات بين السياسات البيئية والاقتصادية ذات الصلة فالسياسة البيئية تؤثر في السياسات الأخرى؛ كالسياسات الإقليمية وسياسة النقل والمواصلات وسياسة الطاقة والموارد.

3- أسباب المشكلة البيئية:

هناك جملة من الأسباب جعلت مشكلة البيئة تتفاقم بشكل متسارع، من هذه الأسباب:

أولاً: أسباب تتعلق بالنمو والتطور عموماً:

أ) الزيادات السكانية الكبيرة على الكرة الأرضية وتجمع البشر في تجمعات سكانية كبيرة تصل في العديد من مدن العالم إلى أكثر من عشرة ملايين نسمة.

ب) النمو الاقتصادي الذي يترافق مع استنزاف الموارد الطبيعية ، وإثقال البيئة.

ج) التحولات التقنية الاقتصادية الضارة بالبيئة.

ثانياً: أسباب اقتصادية اجتماعية:

تتمثل الأسباب الاقتصادية الاجتماعية في النقاط التالية:

أ) النظر إلى البيئة كملكية عامة مشاعة للجميع؛ إن أهم أسباب التدمير البيئي هو كون البيئة الطبيعية ملكية عامة مشاعة مفتوحة أمام الجميع، أي عدم وجود مالك محدود لموجودات البيئة. ونظراً لأن البيئة تعتبر ملك مشاع فإن قيمة موجوداتها تحسب عند مستوى التعرفة صفر. والقسم الأعظم من السلع البيئية التي تعتبر سلعاً عامة تتمتع - بخلاف الأملاك الخاصة - بسمتين أساسيتين:

الأولى: هي أن القسم الأعظم من هذه السلع يصعب تجزئته ولا يمكن أن يباع.

الثانية: إن أي فرد يستطيع وبحرية أن يستخدم هذه السلع، وباعتبار أن أي شخص يستطيع أن يستهلك السلع البيئية بشكل مجاني فإنه سوف يستهلك من هذه السلع بقدر ما يستطيع ما دام غير ملزم بدفع أي تكلفة، وبالتالي لا يوجد سوق لمثل هذه السلع. ومن هنا تنشأ مشكلة الراكب المجاني.

ب) وجود ما يسمى بالتكاليف البيئية الخارجية؛ وتعني التكاليف الخارجية تلك التكاليف التي يتحملها المجتمع دون أن تظهر أو يشار إليها في حسابات المنشأة أو في الحسابات الاقتصادية الوطنية.

تعتبر التكاليف الخارجية الناجمة عن الآثار الجانبية (الخارجية) للنشاط الاقتصادي من أهم مظاهر التدمير البيئي، والآثار الخارجية هي تلك الآثار المتبادلة بين الفعاليات الاقتصادية والتي لا تقوّم في السوق. وتتمثل تلك الآثار في التأثيرات الكيميائية والفيزيائية والتأثيرات الأخرى التي لا تقيم تقييماً نقدياً. وكأمثلة على الآثار الخارجية نذكر:

- موت النباتات أو الحد من نموها.

- أضرار صحية ناجمة عن تلوث الهواء أو غيره.

- أضرار في الموجودات المادية.

- انخفاض قيمة وإيجار المساكن بسبب التلوث والضوضاء.

- الإضرار بنوعية المياه.

- الإضرار بالثروة السمكية وتناقص حصيلة الصيد السمكي.

ولا يزال حصر هذه التأثيرات الجانبية صعباً كما أن إمكانية التقويم النقدي لهذه الآثار، أي حساب التكاليف الخارجية، والفرق بين التكاليف الإجمالية (التكاليف الخاصة + التكاليف الاجتماعية) وبين التكاليف الخاصة. وهذه التكاليف الخارجية ما هي في الحقيقة إلا تكاليف اجتماعية إضافية، إن وجود التكاليف الخارجية (التكاليف الاجتماعية الإضافية) يؤدي إلى الأضرار الاقتصادية والبيئية التالية:

أ) إن الاستخدام الإنتاجي للبيئة سوف يصبح أكثر تكلفة وأعلى ثمناً نظراً لأن ذلك يتطلب تنقية المياه الملوثة وتصفية الهواء المحمّل بالأكاسيد وتحسين التربة المجهدة والوقاية من الضوضاء.

ب) غالباً ما تكون السلع التي تؤدي إلى تخريب في البيئة عند إنتاجها أو استهلاكها ذات أسعار متدنية مقارنة بالسلع الأخرى الأكثر ملاءمة للبيئة والتي تتطلب تكاليف إضافية لتصبح غير ضارة بيئياً. وهذا يؤدي إلى زيادة إنتاج واستهلاك السلع الضارة بيئياً في ظل نظام الأسعار السائد.

ج) إن التأثيرات الجانبية والتكاليف الاجتماعية الإضافية تؤدي إلى آثار بيئية سلبية تتطلب القيام بالصيانة والإصلاح والإنفاق لمعالجة الأضرار البيئية المختلفة.

مما سبق يتضح أن سبب نشوء التكاليف الخارجية يكمن في أن الفعاليات الاقتصادية العامة والخاصة تستطيع أن تحسن وضعها وتزيد من أرباحها على حساب إجهاد البيئة، حيث تأخذ التأثيرات الخارجية شكل التكلفة الاجتماعية الإضافية (التكلفة الخارجية) التي لا تظهر في الحسابات الاقتصادية.

3- أسباب تتعلق بالسلوك البشري:

في البلدان النامية: نظراً لأن هذه البلدان تعطي الأولوية لإشباع الحاجات الأساسية للسكان، فإن تخريب البيئة لا يعطى إلا قليلاً من الاهتمام؛ إذ يكون الاهتمام منصبّاً على تأمين متطلبات الحياة الأساسية من الغذاء والسكن والكساء ولو كان ذلك على حساب البيئة.

في البلدان الصناعية المتقدمة ذات مستوى المعيشة المادي المرتفع وصل السكان إلى مستوى من التربية والتكوين بحيث أنهم غير مستعدين للتخلي عن مستوى المعيشة المادي المتنامي الذي وصلوا إليه مقابل تحسين نوعية البيئة، والفرد الواحد في البلدان الصناعية المتقدمة، حسب التقديرات، هو أخطر على البيئة وعلى الموارد البيئية الطبيعية بمقدار أربعة أمثال نظيره في البلدان النامية، نظراً لما يستهلكه الفرد في البلدان المتقدمة وما يحتاجه من متطلبات تفوق كثيراً ما يحتاجه الفرد في البلدان النامية.

4- أزمة البيئة والنظم الاقتصادية:

قد تختلف أسباب المشكلة البيئية بين بلدان اقتصاد السوق وبلدان اقتصاديات التخطيط المركزي، ولكن النتيجة واحدة وهي إضرار وتدمير بيئي في كلا المجموعتين.

- في نظم اقتصاديات السوق: إن أسباب المشكلة البيئية في بلدان اقتصاد السوق هي سعي المنشآت الخاصة للاستغلال الأوسع للموارد ولتعظيم الربح إلى أقصى حد ممكن، فأصحاب الأعمال يسعون لتخفيض التكلفة وتعظيم الربح وذلك باستغلال البيئة إلى أقصى حد ممكن. ومن هنا تنشأ التكاليف الخارجية التي يتحملها المجتمع ككل والتي تأخذ شكل تخريب بيئي.

- وفي نظم الاقتصاديات المخططة مركزياً: يفترض نظرياً أن تكون مشكلة البيئة في بلدان الاقتصاديات المخططة مركزياً أقل حدة نظراً لأن الدولة تسيطر على الإنتاج وتؤثر بشكل كبير في الاستهلاك وبالتالي يمكن أن تؤخذ البيئة بالاعتبار من خلال حسابات التكلفة والتسعير وإجراءات الحماية، وذلك باعتبار أن لا يعتبر هدفاً بحد ذاته في هذه البلدان، ولكن الواقع هو أن هذه البلدان تسعى جاهدة لجعل معدل نمو الناتج الاجتماعي الإجمالي أعلى ما يمكن وباعتبار أن معدل النمو في الناتج هو مقياس لنجاح الخطة، فإنها تسعى لتحسين المستوى المادي لمعيشة مواطنيها ولو كان ذلك على حساب البيئة أحياناً.. والمنشآت في هذه البلدان لا يكون هدفها الأساسي هو تحقيق الربح وإنما هدفها هو تنفيذ أرقام الخطة وبالتالي تنصب اهتمامات الإدارة على تحقيق هذا الهدف.

البيئة في الحسابات الاقتصادية:

إن المستجدات والتطورات البيئية التي أفرزت إلى الوجود علم اقتصاد البيئة أفرزت أيضاً ضرورات لتطوير الحسابات الاقتصادية بما ينسجم ويتناسب مع مشكلة البيئة والتطورات البيئية وذلك على مستوى حسابات المنشأة وعلى مستوى الحسابات الاقتصادية العامة.

الحسابات الاقتصادية العامة الحالية: إن مهمة الحسابات الاقتصادية العامة الحالية هي قبل كل شيء تقديم صورة إجمالية كمية لمجريات الحياة الاقتصادية خلال الفترة الماضية وذلك في الأمد القصير والمتوسط من خلال قاعدة معلومات واسعة وحديثة. وكذلك تقديم معلومات تفصيلية حول إنتاج السلع واستخداماتها وحول نشوء الدخل وتوزيعه وإعادة توزيعه إضافة إلى عمليات التحويل. وتعتبر هذه المعلومات أداة مساعدة لا غنى عنها لمراقبة وتحليل النشاط الاقتصادي ولتقويم التطور الاقتصادي الكلي لبلد من البلدان، وهذا ينطبق على المقاييس الاقتصادية الإجمالية المنبثقة من الحسابات الاقتصادية، مثل الناتج الإجمالي، كمقياس للأداء الاقتصادي والدخل القومي لدراسة وتحليل الدخول، وللحسابات الاقتصادية الوطنية بهذا المعنى ثلاث مهام رئيسية:

1- وصف لمجريات العمليات الاقتصادية ولمجمل النشاط الاقتصادي.

2- المساعدة في التعرف على مجمل التغيرات الاقتصادية.

3- اشتقاق معلومات من المجالين السابقين تساعد في التعرف على العوامل التي تؤثر في التطور الاقتصادي مستقبلاً.

إمكانيات تطبيق حسابات اقتصادية بيئية: لا تزال حسابات التكاليف البيئية للنمو وللتنمية الاقتصادية في بداية الطريق وقد يكون توسيع نطاق الحسابات الاقتصادية الوطنية وتحويلها إلى حسابات اقتصادية مصححة بيئياً أمراً سهلاً نسبياً، إلا أن الصعوبة تكمن في التوصل إلى تقديرات حقيقية كمية ونقدية للموارد والأضرار البيئية، ولكي تكون موجودات الطبيعة (النفط، المعادن، الغابات، المياه، الثروة السمكية.. الخ) داخلة ضمن إطار الحسابات الاقتصادية الوطنية، ولكي تحسب امتلاكات لهذه الموجودات لابد من وجود موازين وحسابات لموجودات البيئة تساعد في حساب التغيرات الحاصلة في رأس المال البيئي، وهذا يتطلب تطوير نظام شامل للإحصاء البيئي يشمل أنواع الموجودات البيئية التي تطرأ عليها تغيرات مع الزمن إضافة إلى التقويم الاقتصادي للأضرار والخسائر البيئية.

هناك مجموعة من العقبات تعترض بناء حسابات اقتصادية بيئية نوجزها بالتالي:

1- النقص في التصنيفات والتعريفات الواضحة للموجودات البيئية.

2- عدم وضوح المقاييس والمعايير المحددة للموجودات والأضرار البيئية.

3- النقص في المعلومات البيئية عموماً.

4- غياب التقويم النقدي لاستنزاف البيئة والإضرار بها.

فالناتج المحلي المصحح بيئياً يصعب حسابه مثلاً؛ بسبب صعوبة حساب امتلاك رأس المال الطبيعي وبسبب صعوبة تقويم رأس المال الطبيعي نفسه.

إن النقص الحاصل في حساب وتقويم الأضرار البيئية يمكن التغلب عليه من خلال تطور الطرق المعرفية الجديدة ومن خلال تحسين قاعدة المعلومات الإحصائية وبشكل خاص الإحصاءات البيئية وعند محاولة تطبيق حسابات اقتصادية بيئية لابد من المرور بالمرحلتين التاليتين:

1- حصر وتحديد المعلومات المتعلقة بالتيارات والموجودات الاقتصادية البيئية يحتوي على وصف للنظام البيئي وموازين للموارد والموجودات والأضرار البيئية بشكلها المادي.

2- حل مشكلة التقويم النقدي للمعطيات والموجودات والأضرار البيئية وفقاً لمعايير محددة، وذلك للتمكن من جمعها وربطها بالحسابات الاقتصادية الوطنية.

ويستطيع كل بلد يريد تطبيق حسابات اقتصادية بيئية أن يبدأ بالمشاكل البيئية الأكثر خطورة بالنسبة له، وبما يتناسب مع المعلومات المتوفرة لديه.

النمو الاقتصادي والبيئة:

إن كل مرحلة من تاريخ البشرية تؤسس نظامها المعرفي ونظرياتها بناءً على معطيات الواقع المعاش الذي تتداخل فيه معارف الحقبة السابقة مع مستجدات اللحظة الأخيرة، ولكل مرحلة تاريخية فهم مختلف ومقاييس ومؤشرات مختلفة للظواهر الاقتصادية والاجتماعية ولا تشذ عن ذلك مفاهيم مثل (النمو الاقتصادي) و(التنمية الاقتصادية) والتي بدأت تأخذ مدلولاً وفهماً مختلفاً مع نهاية القرن الحالي الذي يتسم بتفاقم مشاكل البيئة المتصلة اتصالاً مباشراً بخصائص المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسكانية.

يشكل النمو الاقتصادي هدفاً من أهداف السياسات الاقتصادية في كل دول العالم، ولكن ما هو تأثير هذا النمو - الذي لا يزال يقاس بحجم الزيادة الحاصلة في الناتج القومي لبلد من البلدان خلال فترة محددة بالمقارنة مع الفترة السابقة - على البيئة وعلى الموارد الطبيعية وعلى مستقبل التنمية البشرية عموماً؟ وما هي العلاقة المتبادلة بين النمو الاقتصادي وبين البيئة؟ إن الجزء الأهم من النمو الاقتصادي سينجم مستقبلاً عن إعادة إنتاج الطبيعة وهذا يفرض علينا أن ننظر إلى الطبيعة كجزء هام جداً في الدورة الاقتصادية.

التنمية الاقتصادية - البيئية:

المفهوم السائد للتنمية هو التنمية الاقتصادية الاجتماعية، أي التنمية الاقتصادية ذات البعد الاجتماعي. أما المفهوم الآخر للتنمية والذي بدأ يفرض نفسه والموازي للمفهوم السابق فهو التنمية الاقتصادية - البيئية، أي التنمية الاقتصادية ذات البعد البيئي والتي تستند إلى مفهوم التنمية المتجددة أو ما يسمى بالتنمية المستديمة التي تعني (التنمية التي تلبي حاجات الحاضر دون المساومة على قدرة الأجيال المقبلة على تلبية حاجاتهم، والتي تحقق التوازن بين النظام البيئي والاقتصادي والاجتماعي وتساهم في تحقيق أكبر قدر ممكن من الارتقاء في هذه الأنظمة الثلاث).

إن التنمية لا تتطابق مع النمو بأي شكل من الأشكال، فالتنمية عبارة عن عملية اقتصادية اجتماعية سياسية ثقافية بيئية شاملة، ولا يمكن للتنمية أن تنحصر في النمو المادي فقط. وهناك فرق بين النمو المتمثل في زيادة الإنتاج الاجتماعي الإجمالي أو متوسط دخل الفرد وبين التنمية بمفهومها الشامل التي تكون مترافقة بتغيرات هيكلية في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية خلال حقبة طويلة من الزمن، ولا يمكن أن يكون مستوى دخل الفرد أو معدل نمو دخل الفرد المؤشر الرئيسي على مدى تقدم المجتمعات باتجاه التنمية.

إن مفهوم التنمية الاقتصادية مرتبط بالرفاه الاجتماعي وبرفع مستوى المعيشة وذلك من خلال رفع مستوى ونوعية حاجات الإنسان الأساسية والثانوية في المدى البعيد. ولتحقيق التنمية الاقتصادية بمفهومها الحديث لابد من التغلب على عقبات وتحديات كثيرة من أهمها مشكلة البيئة.

لا شك أن هناك اتفاقاً عاماً على المستوى النظري وفي مختلف دول العالم حول الحاجة إلى ضرورة الربط بين السياسات التنموية والبيئية، إلا أنه لا تزال هناك فجوة كبيرة بين بلاغة الكلام وبين الممارسة العملية على أرض الواقع؛ ربما كانت الاهتمامات تنصب سابقاً على آثار التنمية في البيئة. واليوم؛ الحاجة ماسة لفهم الطرائق التي يمكن للتدهور البيئي أن يقود إلى وقف التنمية بل ربما تغيير اتجاهها.

إن الهاجس الذي يلاحق كل شعوب الأرض هو كيفية تحقيق تنمية اقتصادية بأقل قدر من التلوث والأضرار البيئية وبالحد الأدنى من استهلاك الموارد الطبيعية، وهذا يتطلب دمج الاعتبارات البيئية وإدارة الموارد الطبيعية في سياسات وخطط التنمية، بحيث يكون التخطيط للتنمية والتخطيط البيئي عملية واحدة وبحيث يكون الاهتمام منصبا على نوعية الحياة ونوعية الرفاه أكثر منه على إنتاج السلع والخدمات في الأمد القصير، إن المشاكل البيئية المتعلقة بالماء والتربة والهواء تؤثر تأثيراً كبيراً على الإنتاجية وعلى الكفاءة الاقتصادية، وهذا يستدعي إدخال المعايير البيئية عند إقامة المشاريع الصناعية والزراعية والخدمية، أي القيام بدراسات للجدوى البيئية للمشاريع المقامة والتي ستقام، وإلزام المستثمرين بهذه الدراسات التي تبين تأثير المشروعات على البيئة وإمكانية وكيفية معالجة الآثار البيئية الناجمة عن إقامة كل مشروع.

مؤكد أنه لا يمكن إيقاف التنمية من أجل المحافظة على سلامة البيئة، ولا يمكن الاستمرار بالتنمية بالشكل السائد حيث لا تؤخذ الاعتبارات البيئية بالحسبان.. وبالتالي لابد من التوفيق بين التنمية والبيئة، وعملية التوفيق هذه يمكن أن تتم عن طريق حساب العائدات والتكاليف البيئية للتنمية، أي من خلال تحليل العائدات والتكاليف، الذي يأخذ بالاعتبار العائدات الاجتماعية والتكاليف الاجتماعية.

وباستخدام طريقة تحليل العائدات والتكاليف يمكن ترتيب المشروعات حسب درجة تأثيرها سلباً وإيجاباً على البيئة، حيث تعد الأضرار البيئية تكاليف اجتماعية تحسب في دراسة الجدوى البيئية من ضمن تكاليف المشروع وتعد الآثار البيئية الإيجابية للمشروع عائدات اجتماعية تحسب ضمن عائدات المشروع.. وبعد أن يتم حساب كل العائدات والتكاليف يمكن الحصول على القيمة الحالية الاجتماعية، ويكون المشروع الذي تكون صافي قيمته الحالية بعد حساب كل التكاليف الاجتماعية (بما في ذلك تقدير الأضرار البيئية) والعائدات الاجتماعية (بما في ذلك العائدات البيئية) أكبر من صافي القيمة الحالية للمشروعات البديلة، يكون هو المشروع الأفضل من الناحية البيئية، ثم الذي يليه في القيمة الحالية.. وهكذا.

وتكون المشروعات المختارة للتنفيذ، أي التي تكون قيمتها الحالية أعلى، هي المشروعات التي تساهم في تحقيق التنمية المتجددة باعتبارها تؤدي إلى أضرار بيئية أقل، وتكون المشروعات التي قيمتها الحالية أقل هي الأكثر ضرراً للبيئة.

ونظراً للتطورات المستمرة فإنه يجب أن يكون هناك تقويم بيئي ميداني بعد تنفيذ المشروعات للتعرف على الآثار الفعلية السلبية والإيجابية للمشروعات على البيئة.

وعند القيام بتحليل العائدات والتكاليف لابد من حل معضلتين أساسيتين: الأولى تتعلق بحصر وتقويم الأضرار البيئية نقدياً، والثانية تتعلق بتحديد سعر الفائدة الاجتماعية الذي يجب أن يتم الحساب على أساسه والذي يعكس التفضيل الزمني للمجتمع.

وعند اتباع طريقة تحليل العائدات والتكاليف يجب أولاً تحديد الوضع البيئي الحالي، أي قبل البدء بتنفيذ المشروع للتمكن من معرفة التغيرات البيئية التي قد تحصل، وثانياً يجب تقدير كل العائدات بما في ذلك العائدات البيئية وكذلك تقدير كل التكاليف بما في ذلك التكاليف البيئية الناجمة عن قيام المشروع ويجب أن يكون هناك تصور للتغيرات البيئية المرغوبة التي قد تنجم عن تنفيذ المشروع.

النمو المادي وغياب التوازنات البيئية:

يعد النمو الاقتصادي هدفاً لا يخُتلف عليه للسياسات الاقتصادية، والنمو الاقتصادي ضرورة ملحة لجملة من الأسباب:

- من خلال النمو الاقتصادي فقط يمكن رفع المستوى المادي للمعيشة.

- عن طريق النمو الاقتصادي يمكن ضمان وزيادة العرض لفرص العمل.

- والنمو الاقتصادي ضرورة لتلبية احتياجات الحكومة كي تقوم بواجباتها، وضرورة أيضاً لتحقيق الأهداف الاجتماعية بشكل أفضل.

بعد أن نشر (نادي روما) دراسته حول (حدود النمو) عام 1992م بدأت جملة من الأسئلة تطرح نفسها بإلحاح: كيف يعرف النمو الاقتصادي وبأي مقياس يجب أن يقاس؟ وهل يقف النمو الاقتصادي على نوعية البيئة؟ إلى أي مدى يرتبط النمو الاقتصادي بتدمير البيئة وبرفع مستوى المعيشة والرفاه الاجتماعي؟!.

- يعبّر النمو الاقتصادي عن الزيادة في المقدرة الاقتصادية لبلد من البلدان خلال فترة زمنية محددة بالمقارنة بالفترة السابقة ويفهم النمو على إنه الزيادة الحاصلة في الناتج الوطني الحقيقي، أي أنه يعبّر عن المقدرة الاقتصادية بالناتج الوطني. ويعرف الناتج على أنه قيمة إجمالي السلع (بضائع وخدمات) المنتجة في الاقتصاد خلال فترة زمنية محددة مطروحاً منها قيمة السلع التي استهلكت كمستلزمات في العملية الإنتاجية.

وفق هذا الفهم للنمو وللناتج لا تؤخذ بالاعتبار عناصر البيئة وحجم الخسائر في الموارد البيئية وحجم التكاليف الاجتماعية لهذا النمو. إن النمو الحاصل هو نمو على حساب البيئة فهو لا يأخذ في حساباته الاقتصادية تلويث وتدمير البيئة واستنزاف الموارد المرتبط بالإنتاج والاستهلاك.

وعلى الرغم من أن أغلب دول العالم قد حققت اقتصادياتها معدلات نمو مرتفعة للناتج المحلي الإجمالي - وهذا يعتبر نمواً حسب الفكر الاقتصادي التقليدي - إلا أن ذلك لم يترتب عليه تحسن في مستوى الرفاه الحقيقي للسكان على المدى الطويل.

إن النمو الحاصل في الناتج المحلي الإجمالي - بطريقة حسابه الحالية - كمقياس للنمو الاقتصادي لا يمكن أن يكون مؤشراً كافياً للنمو والتنمية الاقتصادية، فالعائدات من الخامات الطبيعية التي تحسب على أنها دخل أو قيمة مضافة جديدة ما هي في الحقيقة إلا ريع ناجم عن بيع واستنزاف أصول رأسمالية وموجودات نادرة ولا تشكل قيمة مضافة ناجمة عن عمل إنتاجي، وهدر هذه الموارد يشكل عامل تدهور للبيئة، وما لم يتم القيام باستثمارات تعويضية تعيد إنتاج الموارد الطبيعية وتحافظ على التوازنات البيئية فإن النمو والتنمية لا يمكن أن يحافظا على استمراريتهما.

يتضمن الناتج الاجتماعي قيم المنتجات الزراعية التي استخدم في زراعتها السماد والمبيدات، ويتضمن أيضاً المنتجات التي لم يستخدم عند زراعتها أي نوع من السماد أو المبيدات، ويتضمن كذلك الأخشاب من الغابات الطبيعية وقيمة الأسماك التي ربيت في المزارع وتلك التي تتكاثر في البحار والأنهار وكذلك الخامات الطبيعية التي استغرق تكونها عشرات بل مئات السنين. يمكن لمعدل النمو أو التغيرات في مركبات الناتج الوطني المقومة نقدياً أن تعكس نسبياً الارتقاء الحاصل في مستوى المعيشة بشكلها المادي، إلا أنه لا يظهر حقيقة التغيرات السلبية التي تحصل في مستوى الرفاه الاجتماعي فالنمو المقوم نقدياً لا يعكس الوضع البيئي، وبالتالي يجب أن يكون هناك تفريق بين النمو المادي الحقيقي وبين النمو المقوم نقدياً.

لا شك أن المواد الضارة المتراكمة تؤثر بشكل سلبي على النمو، فتراكم هذه المواد يؤثر سلباً على نوعية البيئة، والنمو الكمي يؤثر بشكل سلبي على نوعية النمو وذلك عند التعرفة (صفر) لاستخدام البيئة، أي عندما تعد موارد البيئة الطبيعية موارد مجانية قيمتها صفر في الحسابات الاقتصادية، وللأضرار البيئية أشكال مختلفة فهناك الأضرار الصحية والأضرار الحيوانية والنباتية وأضرار في المناخ والطقس، ويتضح التأثير المباشر للتلوث والأضرار البيئية على النمو الاقتصادي من خلال:

1- تدهور الوضع الصحي للقوى العاملة، وبالتالي ارتفاع سعر عنصر العمل وبخاصة في مناطق التجمعات السكانية الكبيرة.

2- زيادة عناصر الإنتاج وذلك نظراً للحاجة لتنقية المياه وتصفية الهواء وحماية المباني والآلات والتجهيزات وإنفاق المزيد من الأموال من أجل الوقاية من التلوث بأنواعه.

إن إنفاق الأموال لحماية البيئة يؤثر سلباً على النمو الاقتصادي بالمعنى التقليدي وفي الأمد القصير، أي أن النمو في الناتج الوطني قد ينخفض، ولكن كل وحدة نقدية تنفق من أجل حماية البيئة والحد من الأضرار ستشجع وتزيد الإنتاج وبالتالي النمو الاقتصادي على المدى البعيد طالما أن إنفاق هذه الوحدة النقدية سيقود إلى الإقلال من الأضرار البيئية بقيمة أكبر من قيمة الوحدة المنفقة.

البعد العالمي لمشكلة البيئة:

أشياء كثيرة بدأت تذوب وتنصهر في النظام العالمي الآخذ بالتشكل منذ عقود، فقانون القيمة أصبح عالمياً والسوق عالمياً والسعر عالمياً ورأس المال عالمياً وأصبحت الثقافة عالمية، وها هي الشركات العالمية والمنظمات العالمية، وها هي مشكلة البيئة تصبح جزءاً من العالمية، ولتصبح أكثر المشاكل العالمية إلحاحاً والأكثر تشابكاً بين دول وأمم العالم، والتي لا يمكن النظر إليها إلا من منظور عالمي.

ليست مشكلة البيئة مشكلة وطنية محلية فحسب؛ وكأن المواد الضارة والملوثة تقف عند الحدود الإقليمية للدولة، بل علينا أن نأخذ بالحسبان الآثار العالمية للسياسة البيئية الوطنية التي يمكن أن تنتقل عبر التجارة العالمية أو غيرها من قنوات العولمة.

يقول سماحة آية الله العظمى الإمام الشيرازي (دام ظله): (مشكلة تلوث البيئة وإن بدت في أول الأمر مشكلة إقليمية تعاني منها بعض الدول إلا أنها تحولت إلى مشكلة عالمية وعائق من عوائق الحضارة البشرية).

ويقول سماحته أيضاً: (ولما كانت مشكلة التلوث مشكلة عالمية فكان لابد من مواجهة عالمية لهذه المشكلة، ولابد للدول المختلفة أن تتعاون فيما بينها لتحل هذه المعضلة، وللإسلام موقف واضح في مثل هذه المشاكل، حيث قال سبحانه: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)، وأيضاً قال رسول الله (ص): (إن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه)، ولم يخصص الحديث هوية العبد أن يكون مسلماً أو مؤمناً أو ما أشبه ذلك. بل اكتفى بإطلاق لفظ (العبد) ليشمل جميع صنوف المجتمع، ومعنى ذلك ضرورة تعاون الإنسان مع أخيه الإنسان حتى لو كان من دين آخر لرفع الأذى ولدرء المفاسد والأخطار حتى لو لم يكن العبد المحتاج مؤمناً أو مسلماً أو موحداً بل وحتى إذا كان كافراً ومحارباً لله ولرسوله في الجملة).

البعد الجغرافي للموجودات والموارد البيئية:

تأخذ المشاكل البيئية دائماً بعداً جغرافياً (مكانياً) ومن وجهة النظر الجغرافية هذه يمكن التفريق بين الموجودات والموارد البيئية التالية:

1- الموجودات البيئية الكونية كالفضاء والغلاف الجوي المحيط بالكرة الأرضية.

2- الموجودات والموارد البيئية العالمية العامة.

وتعتبر هذه جزءاً من النظام البيئي العالمي كالمحيطات والبحار (البحر المتوسط، بحر الشمال، المحيط الأطلسي.. الخ).

3- الموارد والأنظمة البيئية العابرة للحدود، كالهواء والأنهار حيث يمكن أن تنتقل المواد الملوثة عبر الأنهار أو عبر الهواء كما هو الحال بالنسبة للأمطار الحامضية.

4- الموجودات البيئية الوطنية: كالبحيرات والغابات والأنهار المحلية.

5- الموجودات البيئية الإقليمية: والتي تعتبر جزءاً من الموارد الاقتصادية الوطنية وتكون محصورة ضمن إقليم محدد.

إن تصنيف الموجودات البيئية ضمن نظام ذي أبعاد جغرافية مختلفة يعتبر مهماً للتمكن من معالجة المشاكل البيئية انطلاقاً من انتشارها جغرافياً. كما أن البعد الجغرافي للموجودات والموارد البيئية يفتح المجال لتنوع الإجراءات والحلول الممكنة لمعالجة المشاكل البيئية.

التقسيم الدولي للعمل ومشكلة البيئة:

يعني التقسيم الدولي الحالي للعمل ببسيط العبارة أن البعض يتخصص بالربح (البلدان الصناعية المتقدمة) والبعض الآخر يتخصص بالخسارة (البلدان النامية).

لقد تسارع بيع الثروات الخام الطبيعية في العقود الأخيرة وبشكل خاص بعد أن أصبحت هناك سهولة في عمليات النقل والاتصال، وبعد التطور الكبير في وسائل المواصلات. فتطور البنية التحتية للمواصلات أثر تأثيراً سلبياً على نوعية البيئة لسببين جوهريين:

الأول؛ التسارع الكبير في استخراج ونقل الثروات الطبيعية، أي تسارع عمليات تدمير البيئة والثاني انهيار الأسعار الناجم عن الفائض في عرض الثروات الباطنية والسلع الطبيعية في السوق العالمية.

لقد أدّى التطور السريع لوسائل النقل والمواصلات إلى تطور آلية التقسيم الدولي للعمل لصالح البلدان الصناعية المتقدمة، حيث تتمركز الشركات العالمية العملاقة وتتوزع فروعها في مختلف أرجاء المعمورة.

حتى بداية السبعينات والثمانينات كانت البلدان النامية تظن أن موقعها السيء ضمن إطار التقسيم الدولي للعمل مجرد ظاهرة مرافقة لعصر الاستعمار، وبالتالي فإن التحرر من الاستعمار سيقود بشكل أتوماتيكي إلى تحسين موقع هذه البلدان في التقسيم الدولي للعمل، وعلقت هذه البلدان آمالاً عريضة على منظمة الأمم المتحدة التي تشكل البلدان النامية الأغلبية العددية فيها، في الوقت الذي بدأت فيه منظمة الأمم المتحدة تخسر الكثير من ثقلها وتأثيرها الدولي مقارنة ببداية عهدها، وعندما تمكنت دول الأوبك عام 1973م من رفع أسعار النفط اعتقد السياسيون والمفكرون في البلدان النامية بأن وضع المصدرين للخامات الأولية قد أصبح بخير وأن البلدان الصناعية المتقدمة المتعطشة للموارد الأولية الخام ستصبح في موقع التبعية للبلدان النامية المصدرة للمواد الأولية الخام، لكن الوضع لم يكن كذلك فبعد مرور مدة من ذلك التاريخ (أزمة النفط عام 1973م) لم يستطع مصدرو المواد الأولية الخام أن يحسنوا اقتصادياتهم في شيء، وإنما حصل العكس وانهارت الآمال وأصبح الوضع أكثر سوءاً.

لقد رفع التقسيم الدولي للعمل الإنتاجية بشكل إجمالي، وقاد هذا الارتفاع في الإنتاجية إلى استنزاف ونهب الثروات الطبيعية للبلدان النامية، فبماذا تستطيع البلدان النامية أن تسدد فوائد وأقساط عربونها؟ إنها لا تمتلك في الغالب سوى الموارد الطبيعية تبيعها في السوق العالمية، وبشكل جزئي تبيع هذه البلدان هواءها وماءها وأرضها للبلدان الصناعية المتقدمة، فعندما يقوم الأمريكيون أو الأوربيون أو اليابانيون بنقل أو بالأحرى تهجير صناعاتهم الملوثة للبيئة إلى البلدان النامية، أو عندما يقومون بدفن نفاياتهم الملوثة للبيئة في أراضي هذه البلدان فإن ذلك يعني أن البلدان النامية تبيع أرضها وماءها وهواءها.

لقد بلغ حجم التدفق الصافي من البلدان النامية إلى البلدان الصناعية المتقدمة في السنوات الأخيرة منذ عام 1985م ثمانين مليار دولار سنوياً، والقسم الأعظم من هذا المبلغ هو من أجل خدمة الديون (الفوائد) فقط. ويتم تحصيل هذه المبالغ بأغلبيتها عن طريق بيع الخامات الطبيعية المعدنية وغير المعدنية، أي أن خدمة الديون وأقساط الديون نفسها تسدد عن طريق بيع الثروات الطبيعية، أي من خلال استنزاف الموارد البيئية في هذه البلدان.

نخلص من ذلك للقول أن المشكلة الأولى في البلدان النامية هي ليست مشكلة البيئة أو مشكلة الزيادة السكانية، وإنما المشكلة الأولى هي فشل التنمية الاقتصادية في هذه البلدان، والمشكلة البيئية هي في قسمهما الأعظم إفراز للاخفاقات التنموية في هذه البلدان.

الخلاصة:

البيئة الطبيعية ليست بحاجة لبني البشر ولكن بني البشر بحاجة إليها.

إن أحد جوانب أزمة المجتمعات المعاصرة يتمثل في إشكالية علاقة هذه المجتمعات بالبيئة، فعوامل البيئة تتداخل في كل النشاطات الاقتصادية بل هي تؤثر في كل جوانب النشاط والجهد الإنساني.

ولم يعد يسمح التدمير الحاصل في البيئة بالنظر إلى مشاكل البيئة على أنها مشاكل جانبية للنشاط الاقتصادي - بل هي من صلب المشاكل الاقتصادية - ويفترض أن يكون الحكم على مستوى الأداء الاقتصادي، حكماً على النجاح الطويل الأجل والأقل ضرراً للبيئة، ويجب أن يكون هدف السياسات الاقتصادية هو النمو الاقتصادي النوعي وليس الكمي فقط.

ويمكن أن تفهم أزمة البيئة من وجهة النظر الاقتصادية على أنها عدم إعادة إنتاج عامل الإنتاج (الطبيعة) بشكل كاف، فلقد كان يتم رفع مستوى المعيشة عبر العصور التي خلت عن طريق استنزاف رأس المال الطبيعي، وكان ينظر إلى الطبيعة ضمن إطار العملية الإنتاجية كشرط للإنتاج ومصدر للموارد المجانية. ولكن ذلك الزمن قد أدبر ولا يمكن لاقتصاد ناجح أن يستمر دون أن يأخذ بالاعتبار الطبيعة كعامل إنتاج إلى جانب العمل ورأس المال، وكما أن العمل ورأس المال يساهمان في الناتج الاجتماعي ويعاد إنتاجهما، كذلك هي الطبيعة تساهم في الناتج الاجتماعي وتحتاج إلى إعادة إنتاج، فقسم كبير من الناتج الاجتماعي تقدمه الطبيعة وخاصة في البلدان التي تعتمد بشكل أساسي على ثرواتها الطبيعية (نفط، غاز، فوسفات، غابات،.. الخ).

يقوم رأس المال والعمل بتحويل المنافع المادية للطبيعة إلى منافع نوعية صالحة للاستهلاك البشري، والجزء الأهم من النمو الاقتصادي ناجم عن إعادة إنتاج الطبيعة، وبالتالي يجب النظر إلى الطبيعة كجزء مهم جداً في الدورة الاقتصادية.

المصـــادر :

(1) سورة الأعراف: الآية 85.

(2) مستقبلنا المشترك: إعداد اللجنة العالمية للبيئة والتنمية 1989م.

(3) تقرير التنمية البشرية لعام 1994م.

(4) تقرير اللجنة الاقتصادية لغرب آسيا (الاسكوا) عن المؤتمر الوزاري عن البيئة والتنمية - القاهرة 1991م.

(5) الاقتصاد ومفهوم البيئة: لونزويك 1993م.

(6) البيئة والتنمية: هورست سبستر.

(7) البيئة: كولن بوند.

(8) النشاطات الاقتصادية والبيئية: هامان كنتر.

(9) بحوث اقتصادية: الدكتورة ذكاء الخالدي.

(10) الفقه البيئة: سماحة آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (دام ظله).

(11) المحاسبة عن البيئة: مونا سينغ.

(12) مشاكل البيئة المرتبطة بالتنمية: محمد حامد عبد الله.

(13) تقرير التنمية البشرية لعام 1998م.