2000  تشرين الثاني

1421  شعبان 

51  العدد

مجلة  

القدس

مدينة السلام وقبلة الأديان

عبد الحسين السيد

القدس في الدين والواقع

القدس في الدنيا

القدس في التاريخ

القدس وبعض اسمائها

القدس اليوم حديث الساعة.. فما الحدث؟ وما الحديث..؟

لماذا القدس حالياً تشكل محور الاخبار في مختلف وسائل الإعلام والاعلان في الدنيا؟

ولم تكن لندن مدينة الضباب.. أو باريس مدينة الأزياء والجمال.. أو طوكيو مدينة الكمبيوتر والاتصالات والحواسب العملاقة.. أو حتى المدن الأمريكية كواشنطن وشيكاغو مدن الجرائم والمخدرات أو نيويورك وناطحات السحاب، أو هوليود مدينة الفساد والإباحية.. أو غير ذلك من المدن العالمية المتحضرة أو النامية والمتخلفة.. لماذا..؟

ولديّ جواب واحد فقط وهو لأنها (القدس) وليس إلا.. وهي الوحيدة في الدنيا التي تحمل هذه التسمية وتختص بتلك الخصائص التي تميزها عن غيرها من المدن الأخرى.

القدس: تعني - في لغتنا العربية - الطهارة بأجلى معانيها.. ومنه (المقدس) يعني المطهر من الذنوب.. و(القدوس) هو اسم من أسماء الله الحسنى.. أي انه صاحب القداسة المطلقة لذاته العليّة.. أو هو مانح أو من يمنح القداسة لمن هو مقدس في هذه الدنيا..

ومن هذا المنطلق نتساءل أين تكمن قداسة القدس..؟ ومن.. ومتى.. وكيف تقدست هذه المدينة المباركة في تلك البقعة من ارض فلسطين بالذات..؟

والأرض - كما هو معروف ومألوف - هي مجموعة من الذرات الترابية أو الرملية أو حتى الصخرية ولكنها تتألف من أملاح وعناصر معدنية جافة مختلفة،وليس فيها ما يميزها عن بعضها البعض إلا في بعض الخصائص بحيث تزداد وتنقص حسب المنطقة الجغرافية.

فالأرض - بما هي ارض - ليس فيها ما يقدسها، أو حتى يدنسها.. إلا أن تطرأ عليها بعض الطوارئ، وتجري عليها بعض الأحداث، أو تتدخل القدرة المطلقة العليا - ولأمر خفي لا يمكن أن يدركه البشر - لتقديس هذه البقعة أو تلك..

وتكون - بهذه الحالة - هناك خصائص روحية ومعنوية وغيبية تماماً وهي بدون شك تستعصي على الحواس - كامنة أو متوضعة في تلك المنطقة المحددة من الباري تعالى..

كمكة المكرمة.. التي كانت عبارة عن وادٍ صخري صحراوي قاحل (غير ذي زرع..) بكل ما تعنيه الكلمة - وربما كانت الحياة فيه أشبه بالمستحيلة أو خيالية.. إلا انه عندما أمر خليل الرحمن(ع) بوضع زوجته وولده المبارك إسماعيل(ع) في ذاك الوادي.. ومن ثم بناؤه البيت العتيق.. ونداؤه للناس بالحج إليه.. أصبحت الآن - ومنذ ذلك العصر وإلى اليوم بازدياد - هي مهوى القلوب، ومحجّ الأرواح قبل الأجسام..

(وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فجّ عميق..) الحج 27.

إن ذاك البيت (مباركاً وهدى للعالمين) آل عمران 96، وفيه (المسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء. ) الحج 25، والبيت (مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وعهدنا إلى إبراهيم واسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود..) البقرة 125.

والأمر بالتطهير هو أمر بالتقدس والقداسة المختصة بذاك المكان المبارك من الله..

وكذلك المدينة المنورة التي كان اسمها (يثرب) والتي تغير اسمها ورسمها وتاريخها بعد دخول الحبيب المصطفى(ص) إليها فأصبحت (طيبة) و(منورة) وهي الآن من اجمل مدن الدنيا وأقدسها.

وهكذا أكمة النجف الأشرف التي ما عرفت إلا في زمان الإمام موسى بن جعفر(ع) أو بطحاء كربلاء.. أو ارض سامراء.. فكلها أماكن مقدسة لأوامر إلهية صادرة منذ الأزل بتقديسها.. أو بسبب احتواء أجسام أناس مقدسين كالأنبياء والأوصياء والصالحين أو هي تذكر بملاحم تاريخية للصراع الأبدي بين الحق والباطل.. ككربلاء الإمام الحسين(ع) وإخوته وأبنائه الكرام، وأصحابه البررة - عليهم جميعاً آلاف التحية والسلام.. فتتقدس الأرض وتتطهر إذا ما شربت دم شهيد قتل دون الحق والخير، ولذلك جاء في الرواية عن أئمتنا المعصومين(ع) أنه ما بني مسجد قط إلا على دم شهيد.. والمساجد هي أقدس وأطهر البيوت في الدنيا لأنها تمثل بيوت الله - سبحانه وتعالى.

فاين القدس من كل ذلك..؟

أقول: هي كل ذلك دون شك..

فهي مقدسة بذاتها.. لأن الله سبحانه - قدسها وباركها بقوله في أول سورة الإسراء (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله..) الاسراء 1، وقوله تعالى عندما خاطب نبيه موسى الكليم(ع) قائلاً: (إخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى..) وقال تعالى حاكياً عن لسان عيسى المسيح(ع): قال: (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً، وجعلني مباركاً أينما كنت..) مريم 30-31، وذلك عندما تكلم(ع) في المهد وكل ذلك كان في فلسطين.. هذا وقد جاء في مزامير داود(ع) الموجودة حالياً بين ايدينا ما يؤيد ذلك بحيث ورد في المزمور الثاني ما نصه: أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي.. وجبل صهيون هو جبل من جبال القدس كما لا يخفى..

وهي مقدسة لأنها حوت اجساد العديد من الأنبياء العظام(ع) كإبراهيم الخليل، ولوط، واسحق، ويعقوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وداود، وسليمان، وزكريا، ويحيى ومريم العذراء - ومكان ولادة وارتفاع عيسى المسيح إلى الرفيق الأعلى بعد محاولة قتله وصلبه من قبل اليهود الأشرار .. وهذا ما هو معروف وأما الذي خفي فهو اكثر بكثير فلا يعلمه إلا الله، وقد جاء في بعض الروايات التي تحكي عن كفر اليهود أنهم كانوا من طلوع الشمس إلى غروبها يقتلون سبعين نبياً من الأنبياء ويذهبون ليناموا ويتمتعوا وكأنهم لم يفعلوا شيئاً أبداً والعياذ بالله.

وهي مقدسة لأنها اقترنت بالعديد من المعارك والمواجهات البطولية وسقط على ترابها الطاهر الكثير من الشهداء واليوم والأمس القريب والبعيد يشهد على ذلك.

فالقدس هي مقدسة من كل النواحي، وعند كل الطوائف والأمم والأديان.. ولذلك أطلقوا عليها - فيما أطلقوا من أسماء أنها (مدينة السلام) و(مدينة الصلاة).

القدس وبعض اسمائها

للقدس أسماء كثيرة ومعروفة منذ أقدم العصور وإلى وقتنا الحاضر، ومن اسمائها المعروفة:

1- ايروشاليم: أطلقه عليها العرب القدماء الذين هم أول من بناها وهم الكنعانيون الأوائل وقد وردت بصيغ مختلفة، ومنها ما هو معروف الآن باسم (اورشليم القدس)..().

2- ومنهم من قال أنها (أورسالم) وتعني مدينة السلام.. أو مقر الإله (سالم) أو أنها تعني (ارث السلام) كما هو ترجمة الكلمة الكنعانية (يوروساليمو) أو العبرية (ياروشلاييم) أو اليونانية (هيروسوليمة) () فكل هذه التسميات والكلمات تصب في ذاك المعنى الدال على القداسة والطهارة.

كما انه ذكرها التوراة المدون حالياً بعدة أسماء نذكر منها (ساليم) و(شاليم) و(مدينة الله) و(مدينة يهوذا) و(مدينة داود) و(مدينة الملك العظيم) و(آرئييل) و(القدس).()

3- ومن اسمائها العربية القديمة كذلك (إيلياء) أو (إيليا) ذكرها الشعراء العرب في أشعارهم ويؤكد ذلك انه عندما احتلها الرومان أطلقوا عليها اسم (إيليا كابتولينا) وذلك في حوالي سنة 135م.. ()

4- ومن اسمائها الملكية كذلك (البلاط) الذي يعني المسكن الملكي، أو القصر الملكي بلغة معاصرة.. إلا انه تبقى تسميتها العربية الإسلامية التي تدل على الأصالة المتجددة هي اجمل الاسماء وأجلها، لأنها تعطي الصبغة الحقيقية - لا سيما الروحية والمعنوية - لتلك المدينة المباركة والتي سميت بـ(بيت المقدس) أو (القدس الشريف).

فالمعنى والمبنى تعطيه هذه التسمية الجليلة لتلك المدينة والبقعة الجميلة..

 

القدس في التاريخ

ما إن تسمع بالقدس حتى يقفز بك الفكر إلى أعماق الزمن، وأغوار التاريخ الموغل في القدم وربما عاد بك إلى اكثر من خمسة آلاف عام مضت، وذلك لأن التاريخ المدوّن يتحدث عن هذه الأرض منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد ونحن اجتزنا الميلاد المسيحي بألفي سنة كما هو معروف الآن..

ولذلك قيل أن القدس أو أريحا أو دمشق أو غيرها من المدن من اقدم مدن الدنيا لأن تاريخها الحقيقي لا يعرفه إلا الله خالق الزمان والمكان ويقول الأستاذ جعفر الخليلي.. (الباحث في تاريخ القدس لا يستطيع أن يقطع بمبدأ هذا التاريخ، ويعرف كيف نشأت هذه المدينة أول ما نشأت، وكل ما يمكن التثبت منه هو أن هذه المدينة موغلة في القدم، وليس إلى معرفة اصلها في الواقع العملي سبيل..) ().

أما ما سطره المؤرخون ورجال الفكر والحضارة الإنسانية فهو أن أول من بنى هذه المدينة المقدسة هو ملك اليبوسيين المدعو (ملكي صادق) أي ملك الصدق، ويستشعر من أحاديث وروايات المؤرخين عن ذاك الرجل أنه كان رجلاً صالحاً وصادقاً مع نفسه وشعبه كذلك..

وهو يرجع إلى القبائل العربية النازحة من نجد الجزيرة وهم (الآراميون) القبائل العربية القادمة من البادية إلى ارض الشام وتعني أهل الجبال.. والمدقق بالتاريخ يجد أن اسم العرب جاء من بلاد ما بين النهرين عندما اجتازوا نهر الفرات باتجاه الغرب..

فـ(عمورو... عريبي... عرب.. هم أهل ما بين النهرين و(عمورو) تعني (أهل الغرب) أي غرب الفرات.. و(عريبي) باللغة السامية يعني (الغربيون) وبلادهم (مات عريبي) أي بلاد العرب() وملكي صادق الذي أسس مدينة القدس وحفيده (إيلياء) الذي أكمل بناءها هما بالحقيقة يرجعان إلى شيخ الأنبياء نوح(ع) وكل ذلك يرجع إلى (2500-3000) سنة قبل ميلاد المسيح(ع) وتسمية البلاد كلها باسم فلسطين تعود إلى ذاك الزمن وهناك أربعة أقوال في ذلك..

1) لفلسطين بن سام بن إرم بن سام بن نوح(ع).

2) لفلسطين بن كلثوم من ولد فلان بن نوح(ع).

3) لفلسطين بن كسلوخيم بن صدقيا بن كنعان بن حام بن نوح(ع).

4) لفلسطين بن كيسوحين بن لقطين بن يونان بن يافث بن نوح(ع). ().

فالروايات الأربع تعيد سبب التسمية إلى ولد من أولاد نبي الله نوح الأربعة (سام - حام - يافث - فلان) والمهم أن تاريخ واسم تلك البلاد عربياً بدأ منذ أن نشأ العرب في أقدم العصور وإلى الآن.. وبالعودة إلى تاريخ القدس نجد أن إبراهيم الخليل(ع) هاجر إليها (فلسطين) في حوالي (1900-1850)ق.م.

والفترة (1417-1362)ق.م. هي مرحلة حكم الملك الكنعاني الشهير (عبدي - خيبا).

* وفي (1304-1237)ق.م. تم خروج بني اسرائيل من مصر بقيادة نبي الله موسى(ع) فراراً من فرعون وطغيانه، وفي صحراء سيناء كان التيه الاسرائيلي الذي دام 40 سنة في مسافة لا تتجاوز 8 أو 16كم فقط كما تحدث القرآن الكريم عن تلك الرحلة الاسرائيلية فهي تعود إلى ذلك الزمن وهو أول عهد للاسرائيليين في فلسطين.. وأنشأوا دولة في تلك الربوع قوية بعد ذلك..

* والفترة (1125-1025)ق.م. هي مرحلة حكم القضاة الاسرائيليين لفلسطين العربية.

* والفترة (1010-791)ق.م. هي فترة حكومة نبي الله داود(ع) ومن بعده الملك العظيم سليمان(ع) الذي بنى الهيكل المقدس وذلك في حوالي (960)ق.م.

* واحتلها الآشوريون في حوالي عام (721)ق.م. ودام حكمهم عليها حتى 678ق.م.

* وكذلك الكلدانيون في حوالي عام (587)ق.م. بقيادة نبوخذ نصّر الذي دمّر دولة اليهود تماماً وأخذهم سبايا وأسرى إلى عاصمته في العراق.

* واحتلها الفرس في نهاية القرن السادس قبل الميلاد.

* أما اليونانيون فقد دخلوها عام 320ق.م. بقيادة الاسكندر الكبير ومعاونيه..

* السلوقيون دخلوها عام 168ق.م. بقيادة (أنطيوخيوس) الرابع.

* والرومان في حوالي عام (325م) إلى أن اعتنق الرومان الدين المسيحي بعهد الامبراطور (قسطنطين الأول) الذي بنى كنيسة القبر المقدس.

* وكان لأمه فضل كبير على المسيحيين، ولها دور بارز إذ قامت ببناء كنيستين هما من اقدس المقدسات المسيحية إلى هذا العصر حيث بنت:

1- كنيسة الميلاد في بيت لحم (مكان ولادة السيد المسيح(ع)).

2- كنيسة القيامة في القدس الشريف..

ومنذ ذلك الحين راح المؤمنون من المسيحيين يحجون إلى تلك الأماكن المقدسة..

وفي مطلع القرن السادس الميلادي بزغ نجم الإسلام في هذا الوجود معلناً السلام ومبشراً بالنور ودحر الظلام.. وفتحت القدس وما حولها في حوالي عام 15 للهجرة الشريفة أي في حوالي (636م) وذلك في عهد عمر بن الخطاب ثاني حكام بلاد المسلمين بعد ارتحال الرسول الأعظم(ص) المؤسس والباني الأول لدولتهم.

وللقدس مكانة عظمى في الفكر والروح والعقائد الايمانية الإسلامية، فقد كانت قبلة أولى لهم لما يزيد على ثلاثة عشر عاماً أي الفترة المكية كلها وحتى السنة الثانية أو الثالثة للهجرة المقدسة حيث نزل قوله تعالى لرسوله(ص): (فلنولينك قبلة ترضاها..)

واليها كانت رحلة الاسراء للنبي الخاتم(ص) وفيها صلى(ص) بالرسل والملائكة أجمعين ومن صخرتها كانت رحلة المعراج إلى سدرة المنتهى حيث بلغ مقاماً كقاب قوسين أو أدنى.. فأوحى إليه الجليل ما أوحى.. وأراه من آيات ربه الكبرى..

ولمكانتها وقدسيتها وعظمتها في الدين الإسلامي فقد فتحها خليفة المسلمين شخصياً بعد أن طُلب من المدينة المنورة، فاستجاب لهم وأعطاهم ميثاقاً وعهداً حفظ فيه الدين والدنيا لكل سكانها دون استثناء..

وفي العهد الإسلامي تم بناء المسجد الأقصى الشريف الذي كان يتسع لثلاثة آلاف مصلي، وهو إلى الآن يتحدى الجبارين من اليهود. وكذلك تم بناء قبة الصخرة التي تحطّم عليها الظلم والطغيان إلى هذا الزمان.

* وفي عام 1099م احتلها الغرب بعد موجات الحروب الصليبية العنصرية الغاشمة.

* وفي عام 1260م احتلها المماليك المصريون..

* وفي عام 1516م احتلها الأتراك العثمانيون الذين دام حكمهم اربعة قرون متواصلة..

* وفي عام 1917م احتلها الانكليز الذين اقتسموا تركة الرجل المريض العثماني مع شركائهم الفرنسيين والألمان والروس وغيرهم من الدول الاستعمارية الطامعة..

* وبنفس العام 1917م أعطي وعد بلفور المشؤوم لليهود من أجل السماح لهم ببناء وطن قومي لهم يجمعهم على ارض فلسطين، فأذلوا أنفسهم كمسيحيين، وجرحوا قلوبنا كمسلمين إلى هذا الوقت فمنعوهم من الحج ومنعونا من الأقصى والأرض..

* وفي عام 1948م أعلنت دويلة اسرائيل ونكب العرب وظهرت كغدة سرطانية استفحلت في جسم الأمة العربية والإسلامية.. إلا أن الأمة وجسمها يرفضانها رفضاً قاطعاً ولو دامت فيهما ألف سنة - لا سمح الله - فإنها ستبقى بؤرة مرض للجسم ولابدّ له من التخلص منها إن عاجلاً أو آجلاً.

* وبنفس السنة 1948م احتل الصهاينة قسماً من القدس الشريف، وفي عام 1967م احتلوا البقية وهي اليوم كما ترون وتقرأون وتسمعون في كل يوم وفي كل مكان فلا حديث إلا حديث القدس الشريف.

ومن هذه اللمحة الموجزة وهذا السّرد السريع لبعض التواريخ الفاصلة والهامة من تاريخ فلسطين عامة والقدس خاصة يتأكد لدينا كذب الدعوة اليهودية، ويدحض الافتراء الصهيوني بشكل لا يدع مجالاً للشك في إسلامية البلاد والقدس وعروبتها بكل معنى الكلمة ومبناها..

فالعرب الكنعانيون واليبوسيون هم من بنوها، وقبل دخول بني إسرائيل بألفي سنة، وسكنها الإسرائيليون وهم وافدون عليها غرباء عنها وليسوا من السكان الأصليين للبلاد.. واللافت للنظر أن القدس عربية في كل الكتب الإسرائيلية وعلى رأسها كتابهم التوراة المزوّر حالياً..

ففي سفر التكوين - أقدم أسفار التوراة - يطلق على سكان فلسطين الاوائل اسم (الكنعانيين) ويقول:

(أنهم جاؤوا من الجزيرة العربية عام 2500ق.م. ) وفي الاصحاح الثالث والعشرين من سفر التكوين يتكرر ذلك بتسمية (أرض فلسطين) التي يسكنها الكنعانيون.. وفي سفر يشوع في الاصحاح التاسع يقول صراحة: إن قبائل اليهود الذين كانوا يهيمون في الصحراء اصطدم (غزوهم) لفلسطين بأعمال البطولة التي اتصفت بها فلسطين وقصمت ظهر بني إسرائيل.. وسنقصمه ثانية هذه الأيام باذن الله.

وفي الاصحاح الرابع من سفر صموئيل تبرز تلك الحقيقة بعبارات أكثر وضوحاً حيث يقول: (واصطفّ الفلسطينيون للقاء اسرائيل، واشتبكت الحرب فانكسر بنو إسرائيل أمام الفلسطينيين) وفي موضع يقول: (فحارب الفلسطينيون وانكسر بنو إسرائيل وهرب كل واحد منهم إلى خيمته، وكانت الضربة عظيمة جداً، وسقط من إسرائيل ثلاثون ألف رجل وأخذ الفلسطينيون تابوت الرب.. ) ().

وسنعيدها ونقتل منهم ثلاثة ملايين أو أننا لن نبقي منهم احداً باذن الله وعونه.

ففلسطين إسلامية وعربية منذ أقدم العصور، والقدس عاصمتها وهذا هو الأصل الصحيح للمسألة، أما اليهود والاسرائيليون فهم غرباء (غزاة) متسلطون باعتراف كتابهم التوراة.. وأما الصهاينة فهم متطفلون وعدوانيون لكل بني البشر ولا رب لهم ولا اله إلا مصالحهم التافهة، وأهواؤهم الشريرة.

القدس في الدنيا

القدس في الدنيا هي بمثابة القلب النابض.. لأنها (كانت ولا تزال قبلة لأنظار العالم أجمع.. ) ().

والقدس في مراجعنا القديمة، وبعض كتب التاريخ هي فلسطين وربما شيء من الأردن ولم يحصروها بمساحة المدينة فقط.. وهذا هو الحق ولا اراه تشوبه شائبة قط..

وفلسطين هي - كما هو معروف - جزء من بلاد الشام.. وبلاد الشام جزء هام من قارة آسيا أكبر قارات العالم الخمس.

وفلسطين هي صلة الوصل بين قارتين هما آسيا في الشرق وأفريقيا في الغرب بالنسبة للبحر الاحمر وخلجانه العميقة والتي تحصر برزخ سيناء والذي شقه المصريون حتى وصلوا البحرين الأبيض بالأحمر بقناة السويس الشهيرة..

وتشكل فلسطين منظراً أشبه بمنظر الخنجر مقبضه في الأعلى، ونصله باتجاه الأسفل، ولو أن الحدود والخرائط الحالية هي حدود استعمارية بحتة، القصد منها تشتيت وتفتيت الأمة العربية والإسلامية بهدف اضعافها وسهولة السيطرة عليها كلها..

ولها شطآن جميلة سواء كانت على المتوسط في الغرب، أو طبريا والميت في الشرق.. وهي أرض غنية بالزيتون وبيارات الليمون لا سيما الجزء الشمالي منها..

والقدس تقع على هضبة في القسم الجنوبي لفلسطين وهي العاصمة السياسية والتجارية لها، وهي على خط طول 15 درجة شمال خط الاستواء، وخط عرض بـ31 درجة عن خط غرينتش الدولي.

وهي تقوم فوق الجناح الجنوبي لهضبة يتحدّر اتجاهها الشرقي من 2460 قدماً فوق سطح البحر شمالي منطقة الهيكل، إلى 2130 قدماً في الطرف الجنوبي الشرقي، ويرتفع الجبل الشرقي إلى 2500 قدم ثم ينحدر باتجاه جنوبي شرقي.

وتحاط القدس من جميع جهاتها بأودية لا يكون القسم الشمالي منها واضحاً كل الوضوح.. يبدأ الواديان الرئيسيان من شمال غرب المدينة الحالية (القديمة) كما يلي.

الأول (وادي الجوز) يمتد نحو الشرق بانحناء طفيف إلى الجنوب، ثم ينحرف إلى الجنوب رأساً فيكون (وادي ستي مريم) الذي كان يسمى وادي (كدرون) فيعزل المدينة عن جبل الزيتون..

الثاني (الرباني) وقديماً (هتوم) () الذي يمتد رأساً إلى الجنوب من الجهة الغربية للمدينة، ثم يتجه شرقاً في الطرف الجنوبي الشرقي، وعند ذلك يتجه إلى الشرق مباشرة فيتصل بالوادي الأول عند بئر أيوب..

هناك وادٍ ثالث يبدأ من الشمال الغربي حيث يوجد باب دمشق، ويمتد في اتجاه جنوبي شرقي إلى بركة سيلوم ويشطر القسم الجنوبي إلى شطرين..

ويوجد وادٍ رابع كان يمتد من التل الغربي قرب باب يافا إلى منطقة الهيكل وهو الذي يمثل شارع النبي داود حالياً.. ().

وبين هذه الأودية الأربعة يرتفع العديد من الهضاب والجبال المختلفة ومنها جبل صهيون، والمريّا، وجبل الزيتون.. وغير ذلك..

وهذا ما اعطى قدسية لتلك المنطقة الممتدة في نصف قطر طوله أربعون ميلاً من القدس وتدخل فيه قرى كثيرة، ثم تمتد على طول اثني عشر ميلاً من ساحل البحر الميت إلى صفار ومؤاب، وإلى خمسة أميال بعد ذلك في البادية، أما من الشمال فتمتد إلى حدود نابلس..

وهذه البلاد تنبت في مرتفعاتها الأشجار، وتمتد في سهولها الحقول التي لا تسقيها الانهار، ويصح فيها قول الرجلين اللذين جاءا إلى موسى بن عمران(ع) وأخبراه بأنهما رأيا بلاداً يسيل فيها اللبن والعسل.. ()

هذا ما رآه ورواه ابن القدس المقدسي إلا أننا نعتقد بقدسية كل أراضي فلسطين بل والأرض العربية والإسلامية كلها، وواجب علينا جميعاً الدفاع عنها وتطهيرها من كل دنس يمسُّ ترابها، أو رجس ينزل في فنائها لأنها (مقدسة) أي طاهرة مطهرة مهما كلّفنا ذلك من تضحيات..

إذن.. إن فلسطين ذات الموقع المميز بحيث تقع في قلب البلاد العربية والاسلامية، وصلة الوصل بين أقدم قارتين آسيا وأفريقيا.. صارت ممرا اجبارياً لطرق التجارة العالمية القديم منها والحديث، فقد كانت تربط بين الشمال الشامي ونجد والحجاز واليمن في الجنوب وذلك برحلة الشتاء والصيف كما يذكرها القرآن الكريم..

وتربط كذلك بين مصر من الغرب ومعها وادي النيل وافريقيا، مع العراق وبلاد فارس في الشرق والكثير من تلك الطرق كانت تمرّ بالقدس وذلك لعدة أسباب أهمها التبرّك بترابها، والاستراحة فيها، والبيع في اسواقها العامرة، والحج إلى مقدساتها، والسياحة والتمتع بآثار الحضارات المتعاقبة عليها..

فقد كانت فلسطين منذ أقدم العصور ساحة حرب وتنافس بين الإمبراطوريات المحيطة بها، فأسهمت القدس وهي جاثمة بين تلالها وجبالها، بقسط غير يسير من مصائبها للأهمية التي تحظى بها، ولو أراد المرء أن يعدد الحضارات والحرائق والهجمات ووقائع التدمير الكلي أو الجزئي التي نزلت بالقدس لملأ صفحات بقوائم المصائب والرزايا المعروفة للجميع.

ولكن ما يلفت النظر في كل ذلك أن القدس - برغم تبدل سلالاتها الحاكمة ودياناتها ولغاتها وعاداتها - قد حافظت على شخصيتها الخاصة بها، واحتفظت بضوء يسطع حول حرمها الداخلي القدسي.. خلال ألفي سنة من النور والظل (دار السلام).. ()

فلا خوف على القدس ابداً في هذه الأيام لأنها ستعود إلى قداستها وستطهر من اللعناء - باذن الله - لان القدس جميلة جليلة في كل حللها بالظاهر والباطن.

 

القدس في الدين والواقع

فالقدس إذن هي مكان الطهر والقداسة لجميع الديانات، أو هي نقطة التقاء وتمحور لكل من يتطلع إلى الانتماء إلى الدين السماوي من أيدين؟.. فقد اجمع معتنقو الديانات السماوية الثلاثة على تقديسها والتطلع إلى الارتماء في أحضانها..

ولذلك (لم تلعب مدينة من المدن القائمة على وجه الأرض الدور الذي لعبته مدينة القدس في التاريخ وانها وإن لم تكن من المدن التجارية المهمة، ولا من المدن الزراعية أو الصناعية.. ورغم وقوعها بين البادية في الشرق والبحر في الغرب.. إلا أنها كانت على مرّ الدهور مطمح أنظار الغزاة والفاتحين، فحوصرت مراراً، وهدمت تكراراً، وهجرت وأعيد بناؤها ثماني عشرة مرة في هذا التاريخ.. ولكن بالرغم من هذا ظلت قائمة في هذا الوجود.. وظلّ اسمها مذكوراً في طليعة المدن والبلدان وذلك لأنها مقدسة في نظر جميع الأديان.. ).

وتقديسنا للقدس هو أمر وجوبي، والواجب في الإسلام هو (ما طلب الشارع فعله من المكلف طلباً حتماً بان اقترن طلبه بما يدلّ على تحتيم فعله.. )

ووجوب هذا التقديس يعني - فيما يعنيه - وجوب العمل من أجل تحرير وتطهير هذا المقدس من أي رجس يقع فيه وهل هناك أرجس وأنجس من هؤلاء الصهاينة اللعناء؟

فمحاربة هذه الدولة اللقيطة واجب علينا جميعاً..

فالقدس لنا كمسلمين هي المسجد الأقصى - أي الأبعد جغرافياً - وبالرغم من بعده الجغرافي فلابد من أن يكون العروج الملكوتي منه، هذا لمن أراد العروج إلى الله.. فالمسجد الأقصى والقدس هما لهفة القلوب المؤمنة للجلوس والتبرك والعبادة في تلك الرحاب الطاهرة..

القدس اليوم: هي قضية القضايا.. وأم البلايا والمنايا.. هي قصة شعب قتّل وسحق تحت الأقدام والأقزام من الطغاة والجبارين.. الصهاينة والمتصهينين الحاقدين على الإنسانية بسبب عقدة الحقارة والأنانية الكامنة في سويداء قلوبهم السوداء المظلمة..

القدس اليوم: هي قضية عرض مهان.. وشرف مدنس.. وكرامة منتهكة..

قد لطّخوا كرة التراب وروّعوا***حتى الجنين بأبشع الإجرام

في كل شبر للرجــال مجــــازر***وبكــل دار صـــرخة الأيتـام

شرفنا ومقدساتنا تنتهك يومياً.. ومساجدنا تهدم على المصلين.. ألم تقرأوا عن مجازر دير ياسين أو صبرا وشاتيلا وقانا والحرم الابراهيمي الشريف.. وغيرها كثير من المجازر اللاانسانية؟

وأما الحديث عن كرامة الأمة الإسلامية فهي الأخرى (مضيّعة) ولا نكاد نراها.. وأكبر دليل على ضياع الكرامة الإسلامية من المسلمين اليوم.. هو ما يجري على الإسلام والمسلمين في العالم، ولا أحد يحرك ساكناً والأحداث تشهد. ورحم الله السيد الشهيد حسن الشيرازي حيث يقول:

يا أمة الإســلام كيــــــف يجــــــول***جيش اليهود بارضنا ويصــــــول

أو ليس في الإيـمـأن اكبـــر قـــــوة***من دونها الصاروخ والاسطـــول

والآن ماذا قد اصابك هـــل بـــــدى***لــك أن إسرائيـــــل عزرائيـــــــل

فسكتّ وهي تـدوس قدسـك عنـــوة***وتـــدوس قدســـــك بعد إسرائيـل

هل تستحق عصابــة اللقطــــاء أن***يبكي الفرات لهــا ويبكــي النيــل

هذا ما يجب أن تعيه جميع الشعوب الإسلامية حالياً.. وعلينا أن نعمل على قلع هذه البقعة السوداء التي لطّخت جبين الدنيا بأبشع الجرائم وسودت صفحات التاريخ.

إن تحرير القدس لا يتحقق بالأماني والأحلام ولا والشعارات بل عبر حركة ذاتية تنبع من وعينا الداخلي وفهمنا المتبصر لأدوات المعركة وتحقيق النصر فلابد من رفع الأغلال والقيود التي تلف بلادنا عبر تأسيس الحرية كمنهج عملي يبلور الارادات ويصنع الكفاءات، وتحقيق التعددية كتطبيق عملي لوجود الإرادة الحقيقية الفاعلة.

ولا شك أن الوحدة والتضامن والتلاحم عبر إيجاد روح الأخوة الإسلامية وتجسيد معاني الأمة الواحدة يحقق الكثير من أسباب النصر والعزة.

ولنعرف أن الجهاد الحقيقي هو الذي يتحقق بتوفر العلل والدواعي المنطقية النابعة من التفكير العقلاني والبصيرة الثاقبة.

يقول الإمام علي(ع): فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت وأنزل علينا النصر.