عندما يتكلم الابناء (2)

الفقيه المحقق اية الله السيد صادق الحسيني الشيرازي(دام ظله)

أنا صادق بن المهدي الحسيني الشيرازي، نسال الله سبحانه و تعالى أن يغفر لي و لوالديّ و لجميع المؤمنين و المؤمنات.

طلب بعض المؤمنين و كرّر الطلب ان أذكر لهم عددا ممّا استحضره من القصص الاخلاقية المرتبطة بالمرحوم الوالد السيد ميرزا مهدي الحسيني الشيرازي قدّس الله سرّه.

وها أنا أدّيت هذا الطلب لعدّة امور:

منها: انه ربما يكون من مصاديق برّ الوالد، كما ورد في الحديث الشريف برّهما حيّين و ميّتين.

ومنها: لعلّ هذه القصص تكون نافعة في هداية الناس إلى معالم الاخلاق.

ومنها: انه كان قضاءاً لحاجة عدد من المؤمنين و الحاحهم و اصرارهم.

أسال الله تعالى أن يمنحني التوفيق لذلك كلّه، و ثواب ذلك يدخّره لي يوم لا ينفع مال و لا بنون، و الله هو الوليّ ونعم الوكيل.


ـــ ذات مرّة كنت أنا بخدمة المرحوم الوالد في طريقه إلى صلاة الجماعة و أتذكّر جيّداً انّه كان قبيل المغرب في صحن الامام الحسين(ع) إذ مرّ بالمرحوم الوالد رجل كان رث الثياب، بادياً عليه انّه من الفقراء و من الضعفاء، وصل إلى المرحوم الوالد و سلّم عليه و قبّل يده و انصرف، فلمّا انصرف جعل المرحوم الوالد يُتمتم كهيئة من يخاطب نفسه، كنتُ قريباً منه فسمعته يقول أعوذ بالله أن اضطرّ في يوم القيامة للتواضع لمن كانوا يتواضعون لي في الدنيا، هذا التعبير انتقش في قلبي و لا يزال و بعد أكثر من أربعين سنة و لعل أكثر من خمس و أربعين سنة أتذكر خصوصيّات هذه القصّة و دقائقها مكاناً و زماناً و كما فهمت انه كان يقصد بأنه لا يكون عمل إنسان يقبّل يدي و نيّته احسن من عملي، و نيّتي عند الله هي ان يستعظمني في هذه الحياة الدنيا لما أنا عليه، و لكنه يكون أعظم منّي عند الله و أقرب منّي إليه تعالى.


ـــ ذات مرّة أخرى أيضاً أنا كنتُ بصحبة المرحوم الوالد (رحمة الله عليه) إذ مرّ به شيخ ذو لحية بيضاء كنتُ أراه بتكرار و أعرفه و كان بادياً عليه سيماء الزهد و الصلاح و التقوى، و لعلّه كان من أولياء الله و بالرغم من انّي رأيته عشرات المرّات، لكني لم أر و لم أسمع عنه او نقل بشأنه شيئاً ينافي الايمان و العدالة أو حتى المروة كنت بصحبة الوالد إذ مرّ عليه ذلك الشيخ و سلّم على المرحوم الوالد(ره) و قال بشدّة للمرحوم الوالد: أليس هنا الواد الأيمن فان أرض كربلاء تسمّى بالواد الايمن، مثل ما تسمّى أرض النجف الاشرف بوادي السلام.

فقال له الوالد: نعم.

فقال للوالد: إذاً لماذا يعذّبون بعض الاموات في هذه الأرض [لعلّه كان يقصد الملائكة] ثمّ قال للوالد: أنتم أؤمروهم حتّى إذا كان شخص من أهل العذاب يخرجونه من هذا الأرض و يعذّبونه خارج هذه الارض، و الوالد(ره) لم يتكلّم ولكن نظر إليه نظراً كان يرجو منه الاستجابة لما ذكره، و ذهب الرجل.


ـــ ذات مرّة في السنوات الأخيرة من عمر المرحوم الوالد كان ينزل من درجة من الحجرة و كان في السحر عند الظلام فسقط على رجليه و أصيبت قدمه و ابتلى عدّة ايّام على اثر الرض في القدم وآلام في أعصاب القدم أبتلي بالصلاة جالساً وما كان يستطيع ان يقوم على قدميه و كان يصلّي من جلوس.

وفي يوم من الايّام كنت انا خارج البيت اتابع الدروس وقريباً من الظهر جئت إلى البيت و دخلت فرأيت المرحوم الوالد و كان آنذاك قد اذّن اذان الظهر على سجادته مستقبلاً القبلة كأنّه كان متوضّئاً و متهيئاً للصلاة فرأيته يتأمل و لا يقوم للصلاة، لانّه كنّا نحن جميع الاولاد نعرف هذا الامر من المرحوم الوالد حيث كانت عادته انه لا يأمر أحدا من أولاده بشيء ممّا يخصّه من الأمور حتى عندما اصبح كبير السن في أواخر حياته فأني لا اتذكر انه كان يطلب منا القيام بشيء مما يخصه و بالرغم من انه كان ضعيف البنية و مبتلى بعدة أمراض. فلا اتذكّر حتّى لمرّة واحدة انه أمرني بشيء ممّا يخصّه حتى من أن اقدم له اناءً من الماء حيث كنّا نعرف هذا الخلق الرفيع فيه.

لمّا رأيته جالساً مستقبل القبلة و هو متأمل و لا يقوم إلى الصلاة قلت له: هل لك أمر أقوم به؟

قال: معك لا.

وكان أيضاً رحمة الله عليه مقيّداً بأن لا يكذب و لايقول شيئاً يحتمل أن يكون خارجاً عن حدود الصدق بالدقّة العقليّة فحينما قال معك لا، استظهرت من هذا الكلام انه يحتاج إلى شيء، فاعدتُ عليه الكلام و قلت له: أنا الآن لا عمل لي، لا درس و لا بحث، ففي ماذا تتأمّلون ؟ لماذا لا تقومون للصلاة؟

قال: الحمد لله قدمي ألمها أحسن، و أقل و أفكر في أنّه هل تكليفي أن أُصلّي من قيام أم لا استصعب و أُصلّي من جلوس، فاقترحت عليه أنا هذا الاقتراح قلت له: أنا الآن لاعمل لي و إذا احببتم أكون عندكم حتى آخذ بيدكم عند القيام في الركعات، لانه كما هو المعروف بين الفقهاء انّ القيام بالمعنى المصدري ليس من اجزاء الصلاة، بل القيام بمعنى الاسم المصدري هو جزء للصلاة، يعني يجوز للشخص حتّى اختياراً أن يعتمد على شيء، فيقوم من جلوسه في أثناء الصلاة، نعم و هو قائم يسبح أو يقرأ القراءة الواجبة و التسبيح الواجب أو حتى المستحب على قول لا يجوز له ان يعتمد و يجب الاستقلال في الصلاة.

فأنا قلت له: إذا احببتم ان اكون عندكم فآخذ بيدكم عندما تكمّلون السجدتين و تريدون القيام للركعات التالية آخذ بيدكم، فلم يقل شيئاً، و لكن أنا قرأت في أسارير وجهه انّه لم يسترح لهذا الاقتراح و كرّرت عليه الكلام، فقال لي بهذا التعبير ولا ازال اتذكر الحروف و الكلمات فقال لي: أنا لا أحبّ أن أكلّفك بهذا الامر، ويسميه تكليف، و لكن لما اقترحت علي تلك الفكرة في انه هل يجب عليّ القبول ام لا و الحقيقة ان كلّ واحدة من هذه النكات في هذه القصص خير درس كانت و لا تزال لي، فاتذكّر هذه الامور،و أقارن بين نفسي و تلك النفس الرفيعة و تلك التربية العظيمة التي كان عليها المرحوم الوالد(ره) و لكن بالنتيجة لحصول الشبهة عنده في انه يستطيع الصلاة من قيام بلا عذر مع تبرّعي لهذا الأمر فقد صلّى الظهر و العصر من قيام و كنت آخذ بيده وكانت هذه المرّة هي المرّة الأولى و لعلها الاخيرة في تصوّري التي فعلت فيها ذلك، لانه كان لا يحبّ ان يكلفنا حتى بهذا المقدار.


ـــ ومنها انه مكرّراً كان يقول لا تتلفوا أوقاتكم من أجلي و يعبّر بكلمة (تلف) مع اننا من اعماق انفسنا كنّا نتقرّب إلى الله سبحانه في أي خدمة صغيرة او كبيرة نقوم بها بالنسبة إلى المرحوم الوالد بغض النظر عن انّه كان كبير السن ولكن بغض النظر عن كل هذه الامور انّه كان والدنا و كان عالماً و مرجعاً لنا في أمور ديننا و فضلا عن ذلك كله فأننا كنا نحب خدمته عاطفيّاً، ولكنه مع ذلك كان يعبّر بهذا التعبير لا تتلفوا أوقاتكم من أجلي، لا تتلف وقتك من أجلي.


ـــ واذكر أنه كانت قدمه تؤلمه و كان يصعب عليه القيام و المشي و بعدما تحسّنت حالته و كان ذلك في أيام الصيف و كنّا في الليل نذهب إلى للسطح للنوم وبقي مدة لا يصعد إلى السطح لانّه لا يستطيع، و لمّا تحسّنت قدمه جعل يصعد الدرج، بإصرار منّا بأن نأخذ بيده حتى يصعد درجةً درجةً و لا يتأذّى.

وذات ليلة كنت أهم أن آخذ بيده في الصعود من على الدرجات لأنه كان يعتمد بيديه على طرف السلّم كي لا يضغط على قدمه كثيراً، و كنت أقول له أعطوني يدكم ، فكان يقول مادمت أستطيع أن أصعد هكذا و أعتمد على نفسي فلا أزاحمك، فإذا لم أستطع فلك أن تأخذ بيدي، و كان يصعد عدّة درجات ثم يناولني يده حيث كان يتعب و لا يستطيع الاعتماد على يديه لرفع الالم عن قدمه. بهذه الدقّة و بهذه الشدّة كان يلاحظ أن لا يكلّف حتّى ابنه وقطعاً كان يعلم بأننا نحب أن نخدمه، و لكن إلى هذا الحد كان لا يحب أن يكلّفنا ولو بهذا المقدار.


ـــ وأذكر ذات مرّة في أيّام عاشوراء و لعلّها الليلة التاسعة من المحرّم الحرام حيث كانت كربلاء وكل جزء منها، كل قطعة من أرضها و حيطانها و فضائها ينبعث منها الحزن و الأسى بمصاب سيّدنا و مولانا الامام الحسين(ع) و كان أيضاً في طريقه إلى صلاة المغرب، إذ دخل باب صحن الحسين(ع) وكان الصحن تقريباً مزدحماً بالزوار و أصحاب العزاء والذين يأتون إلى الصلاة، وكان في كربلاء بذلك الوقت عالم يرى حرمة لبس السواد للامام الحسين(ع) يعني حرمة لبس السواد مطلقاً حتى للامام الحسين(ع) وبالرغم من انّ المرحوم الوالد في ذلك الوقت هو المرجع العام و مرجع التقليد العام لاهالي كربلاء و معظمهم ظاهراً كان يرجع إليه التقليد فكان المرحوم الوالد مقيّداً بلبس السواد للامام الحسين(ع) عدّة شهري المحرّم و صفر، و كان في ذلك الوقت أيضاً لابساً القباء الأسود، ومعه جماعة و أنا كنتُ أيضاً، فجاء شخص إلى المرحوم الوالد، ماذا كان هدفه؟ العلم عند الله، و توجّه إلى المرحوم الوالد بصوت عال وجّه إليه هذا السؤال: فقال له: سيّدنا هل يجوز لبس السواد للامام الحسين(ع)؟

وهو يرى انّ المرحوم الوالد يرتدي القباء الأسود، و توجه إليه الوالد برفق ولطف كانا ينبعثان من عينيه و فمه و أسارير وجهه قال له: نعم يجوز.

لعلّ الرجل كان يريد الاثارة فقال للمرحوم الوالد بصوت عال: انّ فلاناً و ذكر اسم ذلك العالم الذي كان يحرم لبس الاسود مطلقاً قال: انّ فلاناً و ذكره بتجليل و تعظيم ،هذا يقول لبس السواد حرام حتّى للامام الحسين(ع)؟!

تأمّل المرحوم الوالد هُنيئة ثمّ قال له برفق و لطف و بشاشة وجه ايضاً قال له: أنا رأيتُ عالماً لم يكن اقلّ علماً و لا اقلّ تقوى من هذا العالم الذي ذكرته و كان يلبس السواد للامام الحسين(ع)، ذكر هذا الجواب مضرعة و لعل المرحوم كان يقصد استاذه الميرزا محمد تقي الشيرازي رحمة الله عليه استاذه و خاله حتّى انّه في نفس الوقت، ذكر ما يعتقده في هذا المسألة الشرعية و اجاب ذلك الشخص و في نفس الوقت لم يهن ذلك الذي نُقل عنه انه يحرم السواد و انما ذكر بهذا التعبير.


ـــ  واذكر ذات مرّة وكنت صغيراً وكنت اتي الكتّاب و لعل عمري كان حينها دون السنّ العاشرة، إذ طرق شخص الباب و كان المرحوم الوالد في بيتنا فذهب إلى الباب و لم أكن اسمع و لكن اجمالاً يظهر من الامر انه كان يطلب من الوالد شيئاً و الوالد كان قد اعتذر منه، فدخل الوالد و أغلق الباب فجعل الرجل يسبّ الوالد بصوت عال سبّاً غريباً، أشرفت أنا من الغرفة الفوقانية حيث كانت لها شرف تطل على الزقاق أشرفت منها فرأيت الرجل و في تلك السنّ فخفت من أن يحدث شيء، و المرحوم الوالد كان داخل البيت و الباب مغلق، كان لنا جار في ذلك الوقت اسمه الحاج جواد(ره) هذا كان رجلاً قويّ البنية و قويّ الهيكل، فرأيته أشرف من شرفة داره من فوق و توجّه إلى هذا الرجل الذي كان يسبّ المرحوم الوالد بصوت عال،و رآه انه أمام بيتنا فقال: من تسبّ و عم تتكلّم؟

وذكر الرجل انه يسبّ الميرزا، ذلك الجار فلم يطق فوجّه إليه كلاماً لاذعاً، فقال: الآن أُعلّمك و نزل من الشرفة نزل من بيته و انهزم الرجل و تبعه هذا الجار الحاج جواد(ره) يركض وراءه، وبعد دقائق جاء الحاج جواد و طرق الباب، ذهب المرحوم الوالد إلى الباب، كنت أنا هناك قال للمرحوم الوالد: هذا الرجل أنا أخذته وسلّمته لمخفر الشرطة والآن هو هناك، ماذا تأمرون بشأنه؟

الوالد قال له: اطلق سراحه!

قال: سيّدنا هذا كان يسيء الأدب معكم كيف نتركه، و لكنّي لم أرد ان اعمل بما لا ترتضى.

المرحوم الوالد قال له: إذا تريد رضاي اذهب و أطلق سراحه، كان يصرّ الحاج جواد بأن مثل هذا الرجل يجب أن يؤدب.

المرحوم الوالد كان أيضاً بدوره يصرّ عليه و يقول: إذا تريد رضاي اذهب و اطلق سراحه.

فذهب الحاج جواد(ره) و هو لا يحبّ هذا الامر.

وأطلق سراح الرجل، يعني قال للشرطة أنا ليس عندي شكاية على هذا الرجل و أطلق سراحه.

أستغفر الله و اتوب إليه.


ـــ  ومنها: انّ المرحوم الوالد ذات مرّة كان في أوائل الصبح جالساً و يطالع كتاب الجواهر و بعض الكتب العلمية الاخرى اعداداً لدرس الخارج الذي كان يلقيه على طلاّب العلوم الدينيّة وعلى العلماء الأفاضل، إذ دخل عليه أحد الاعلام و سلّم عليه و قال: سيّدنا لي سؤال، و ان كان في نظركم تافهاً لكنه مهم عندي علماً و عملاً و اعتذر من اشغال وقتكم في هذا الزمان لمثل هذا السؤال.

فرحّب به السيّد الوالد (قدس سرّه) و قال له تفضّل و قال: سيّدنا إذا حصل لكم العلم بانّكم بعد ساعة أو بعد ساعات تموتون ماذا تعملون خلال هذه الفترة القصيرة؟

فأجاب الوالد على خلاف عادته من الاجابة بعد التأمل أجاب بدون تأمّل و بدون ترديد و كأنّ هذا المطلب مسبوقاً عنده جوابه والتفت إليه وأجابه: أعمل هذا العمل الذي الآن أنا مشغول به، فإن هذا هو واجبي الآن و هذه وظيفتي.


ـــ  ومنها: نُقل لي أنه ذات مرّة كان جالساً عند المرحوم آية الله العظمى السيد حسن القمي(قدس سره) إذ دخل شخص على السيد القمي و جعل يذكر له قصةً يريد الاستفسار عن حكم هذه القصة، و القصّة كانت تتضمّن نقل دعوى السّيئات عن شخص كأنّه كان الرجل السائل مظلوماً في القصّة، و كان يذكر قصّته للسيد القمي حتّى يعرف الحكم الشرعي ليعرف تكليفه، في هذه الاثناء قام السيّد الوالد(قدس سره) وذهب خارج الحجرة يشغل نفسه، و كأنّه ذهب لقضاء حاجة أو لأمرٍ، فلمّا أتمّ الرجل قصّته رجع المرحوم الوالد فسأل  السيّد القمي عن سبب ذهاب السيد الوالد ، فقال له السيّد الوالد: هذا الرجل كان يذكر القصّة و أنا أحسستُ بأنّ هذه القصّة التي ينقلها لكم يريد منها معرفة حكمه الشرعي، وتكليفه  من خلال وهذه القصّة، هذه القصّة كانت تتضمّن غيبة شخص ، و استماع الغيبة حرام لأن مستمع الغيبة أحد المغتابين، أمّا بالنسبة لكم فباعتبار انّ هناك تزاحماً توجد اهمّية للاستماع باعتبار ذكر الحكم الشرعي حتّى تتعرفون أنتم على موضوع القصّة و تحكمون له، لذلك كان يجوز له باعتبار انّ القصّة ربما تتضمّن ذكر ظلامته، فيكون من مستثنيات الغيبة و مستثنيات حكم الغيبة.

أما بالنسبة لي فلم أحرز انّ هناك استثناءً يجوّز لي الاستماع، و لذا قمت و ذهبت حتّى لا أستمع و لا أسمع.


ـــ  ومنها: أتذكّر و لعلّ هذه القصّة ترجع إلى خمسين سنة من هذا التاريخ، لعلّي في سنة ألف و ثلاثمائة و سبعين هجريّة، أو ما يقارب ذلك كنت أنا في ذلك الوقت في الكتّاب أو كنت قد خرجت من الكتّاب و كان أوائل اشتغالي بمقدّمات العلوم الدينية في العلوم العربية مثل جامع المقدّمات، إذ دخل شيخ كبير السنّ و اتذكّره جيّداً و لكن لا أذكر اسمه و كان من المحترمين، وكنت سمعت - وهو ذكر لي - في نفس اليوم انه كان في شبابه من اصدقاء المرحوم الوالد و من الذين قضوا سنوات مع المرحوم الوالد يدرسان عند مدرّس واحد وعندهم مباحثات في الدروس العلميّة، جاء و جلس عند المرحوم الوالد و ربما أطال الجلوس، ولمّا أراد ان يذهب كنت أنا في وداعه عند باب الدار فتوجّه اليّ و قال لي: أدرس جيّداً الآن حتى تكون في المستقبل من العلماء مثل أبيك و حتّى لا تكون مثلي أنا مع أبيك كنا سنوات ندرس معاً و نتباحث معاً، و لكن ذاك كان دائم المطالعة، دائم المناقشة، دائم المباحثة، و كان يحاول أن لا نقول كلمة في الدرس لا يعرفها، الا و يسأل عنها أو في المباحث يطرحها يذكرها يكرّرها و لكني أنا كنت أحضر الدرس و أحضر المباحثة و لا اولي اهتماماً جيّداً مناسباً بالنسبة للدرس، و كنت أنتظر ايّام العطلة مثل يوم الخميس و يوم الجمعة حتّى أذهب مع بعض الاصدقاء إلى أطراف مدينة سامرّاء للنزهة و الاستراحة، ففي كل أسبوع و في كل مرّة أردنا أن نذهب كنت أقول لوالدك مثلاً: غداً نذهب إلى المكان الفلاني ألاتأتي معنا؟ فكان يعتذر دائماً فإما أن يقول عندي مطالعة دروس الاسبوع الماضي، أو يقول عندي كتابة، أو غير ذلك و لم يخرج معنا حتى ولو مرّة واحدة، و كان يبقى في سامراء مشتغلاً بالمطالعة و الكتابة.

وقال ذات مرّة انزعجت منه كثيراً و قلت له بحدّة: الآن أنت لا تخرج معنا استمر في مطالعة دروسك حتّى أرى ماذا ستكون؟!

ثم أردف الرجل قائلاً لي بانكسار بادي على وجهه -: قال: النتيجة صارت انه هو أصبح مرجع تقليد و يعطي راتباً و حقوقاً لطلاّب العلوم الدينيّة و أنا أضطرّ و أحتاج إلى أن آخذ منه الراتب هو يعطي المشاهرة و أنا آخذ منه و أنا كنت زميله في الدراسة.

وفي هذا المجال أتذكّر مرات و مرات كان المرحوم الوالد(قدس سره) يوصينا و يوصيني وسمعت منه بتكرار انه كان يقول لا تعتذروا بشيء لترك الدرس، و إنّما اعتذروا بالدرس بترك ايّ شيء آخر، يعني إذا صارت مزاحمة بين وقت الدرس والضيافة، قدّموا الدرس على الضيافة، إذا صارت مزاحمة بين وقت الدرس و بعض العبادات المستحبّة قدّموا الدرس، اعتذروا لترك الحضور بسبب الدراسة، بسبب المطالعة، فأي شيء زاحم الدرس أو المطالعة اتركوا ذلك الشيء.

واذا وجه اليكم سؤال اعتذروا لترك ذلك الشيء بالقول انه كان وقت درسي، كان عندي درس، كان عندي مطالعة، و أمثال ذلك ولا تعكسوا فتتركوا الدرس للضيافة او لعمل مستحبّ آخر، و تعتذرون للـــمدرّس أو للطلــاب بأنكم لم تحضروا الدرس لم تحضروا المباحثة، للاعذار المذكورة.


ـــ  ومنها: انّه رحمة الله عليه كان ملتزماً بقيام السحر و لا أتذكّر انّه ترك قيام السحر لانّه منذ ان ربّته والدته تقيه رضوان الله عليها كما كان هو يحدّث عنها ربّته على قيام السحر حينما كانت تجلس لصلاة الليل و عندما  تريد أن تبدأ صلاة الليل كانت تنادي المرحوم الوالد و هو آنذاك صغير السنّ في الثالثة أو الرابعة أو الخامسة من عمره أو بهذه الحدود كانت تعطيه بعض الحمص و تقول له اجلس و انظر إليّ و كُل هذه الحمصات واحدةً واحدةً، فاذا انتهت حمصة ، كل الثانية و لا تأكلها مرّة واحدة، كي تمرّنه على أن لا يكون في هذا الوقت نائماً، و في نفس الوقت ، لئلا تجبر هذا الطفل على ذلك، و إنّما كانت تعدّ له بعض الحمص فيكون جلوس هذا الطفل عن رغبة و شوق منذ ذلك الحين، حيث رُبّي على هذا الأسلوب، كان يقوم قبل أذان الصبح حتّى أنّي أتذكّر كراراً في أواخر عمره كان مريضاً بمرض شديد وكان مبتلى احياناً كثيرة، بآلام و أوجاع تمنعه من النوم في الليل من أوّل الليل إلى أواخر الليل، كان يعاني من الألم و لا ينام، فاذا  صار قبل اذان الصبح ساعة أو أكثر أو أقلّ ومن كثر الإرهاق وشدة التعب والاعياء كان يغفو قليلاً فكان قبيل اذان الصبح يجلس من النوم، و كأنّه قد نام ساعات، لانه كان تعوّد القيام في هذا الوقت في هذا الزمان، فكان لا ينام، و كانت بركات قيام الليل وقيام السحر باديةً على أقواله و أفعاله و تاريخه.

هذا بعض ما استحضرته الآن ممّا يرتبط في بعض النكات الاخلاقية و الدينية للمرحوم الوالد.

أسأل الله له و لوالدتي و لجميع المؤمنين و المؤمنات الرحمة و الرضوان و لي و أستغفر الله.

السلام علينا و على عباد الله الصالحين، و رحمة الله وبركاته.