مجلـــة النبـــأ      العـــدد 19      السنـــة الثـــالثـــة       رمضـــان 1418هـ

أعمالنا في ميزان الخطأ والصواب

بقلم: أحمد الهادي

يبدو أن الفاصلة بين التوجيه والتبرير كالفاصلة بين الحق والباطل والصحيح والخطأ.

إذ كل عمل يقوم به الإنسان أو موقف يتخذه لا يخلو من أهداف وأسباب ـ عدة ـ وإلا كان عابثاً إلا انه ليس كل طريق إلى الهدف يعد مقبولاً وصحيحاً في منطق المعادلات ولا كل سبب ينتهي إلى السلامة إذ بعض الطرق تعد خاطئة وإن وجد لها أهلها بعض التبريرات التي تجيز لهم ارتكابها..

إذ من الواضح أن التبريرات منها ما هو مقبول وصحيح ـ توجيه ـ ومنها ما هو مرفوض ـ تبرير ـ إذا عرضناها على الميزان وأرجعناها إلى الثوابت المتفق على صحتها.

ولولا هذه الثوابت لأمكن أن يختلط الحق بالباطل ويضيع الصحيح مع الخطأ.. وبما أن الإنسان عاقل ومريد ومختار فلا يوجد موقف يتخذه بلا سبب، أو عمل يعمله لا نية وهدف.. إن حقاً وإن باطل.. ورب موقف خاطئ تصورصاحبه أنه الحق وأحياناً يصوره  بصورة الحق وهو في منطق الحكمة ومعايير المفاضلة خاطئ.. ولا أظن أحداً يفسر أعماله بما لا يليق أو يضيفها طابعاً سلبياً، ليحكم على نفسه بالإساءة وعلى نواياه بالبطلان!!

وحتى أولئك الذين ارتكبوا الفظائع ولوثوا الإنسانية وهم يمارسون أبشع الأدوار يسعون لتفسيرها بالصح ويلبسونها ثوب الحق.. فما ظنك ببعض الصغائر التي قد تخفى بالعقل على أصحابه وتضيع معالمها على أهلها قصوراً أو تقصيراً..

قديماً كان أهل الباطل يفسرون باطلهم بتفسيرات فيها لون الحق وغطاء الشرعية ويعطون تبريرات دفاعاً عن مواقفهم الباطلة لكي تحلو في أنظار الناس أعمالهم فينالون منها ما يريدون..

وبالتالي فإن الذين ظلموا الأئمة (عليهم الصلاة والسلام) وقتلوهم واضطهدوا أولادهم وشيعتهم ما كانوا دائماً من طبقة الملحدين أو اليهود والنصارى بل كانوا في الغالب من الذين اعتنقوا الإسلام وصلّوا وصاموا وحجّوا وتظاهرون للناس بمظاهر قد تعطيهم من التقديس أكثر مما تعطيهم من الملوكية والكسروية ونحوها.. وعندما كانوا ينتهكون حرمة الإمامة والإمام المعصوم كانوا يلقون باللائمة على أهل البيت (عليهم السلام) في ذلك فيقولون مثلاً: علي (ع) هو الذي عرض نفسه للمظلومية برفضه البيعة فلماذا لم يبايع؟ والحسن (ع) هو الآخر عرض نفسه للقتل بالسم لمواقفه المتشددة تجاه سياسية معاوية ورفضه لخلافته! ولما قتلوا الحسين (عليه الصلاة والسلام) بتلك الطريقة التي لا زال الزمان ينوحها جاؤوا بحجج وأعاذير انطلت على بعض الناس وهكذا..

ولما تعرض أبو ذر الغفاري إلى النفي والتشريد بين الشام والربذة حتى مات غريباً وحيداً وجائعاً في وقت كان تحت أقدام قاتلة ذهب الأرض!! ألقى البعض بالأئمة عليه لأنه بلسانه ووقوفه أمام طغيان السلطات سبب لنفسه هذه المشاكل ـ حسب زعمه ـ والغريب حقاً.. إنك تجد الملام هو المظلوم وليس الظالم ولعل الأغرب أن المظلوم يظلم مرتين.. مرة من ظالمه ومرة من أولئك الذين يلومونه من دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التنديد بالظلم وفاعله.. أو العمل لقطع دابره!!

هذا من جهة.. ومن جهة أخرى تجد بعض الذين يرتبطون بالظلم بطريق وبآخر بدلاً من أن يتخذوا ارتباطاتهم طريقاً للضغط عليه أو منعه من أساليبه وعدوانه يقوم بعضهم بتبرير ارتباطه وتفسيرها بأعاذير قد لا تحظى بشيء من الصواب.. أقول: عندما نراجع تفسيرات أولئك الذين تضامنوا مع هذا الظالم وذاك وفتحوا معه أبواباً للصداقة والرواح والمجيء وبالنتيجة كثروا سواده وأعطوه ضماناً عملياً للتمادي في الظلم والطغيان وغطوه بالاعتبار والشرعية وبيضوا وجهه في الساحة وشجعوه على التحدي والقمع وإيذاء الناس وظلمهم.. عندما تراجع تفسيراتهم لمواقفهم تلك تجد بعضهم يبرر تعاونه وعلاقته بالحاجة وبعضهم يقول: أنا لا أتعامل معه في جهات ظلمه بل في غيرها؟!.

وآخرون يعملون بقانون ميكافيلي القائل (الغاية تبرر الوسيلة) فيبرر ارتباطه به بضرورة خدمة الهدف الأكبر! وآخرون يقولون لا غنى عن التعامل معه بالرغم من ظلمه وتجبره لأن بعض الأجواء تفرض عليناً ذلك ناسياً منطق الشرع والحق والعدل وحقوق الناس وعشرات المفاهيم والقيم التي تدعو إلى مقاطعته والوقوف بوجهه وبالتالي فإن كل موقف قابل لتبريره بما قد يقنع البعض أو يسكتهم في آن.. من دون أن يحل التناقض في وجدانهم بين الفكر الداعي إلى رفض الظلم والوقوف ضده وبين الارتباط بمن شارك فيه ولوث أياديه من دمائه.

وحيث أن الإنسان بطبيعته الأولية ضد الظلم يعارضه ويقبح أهله فإنه يحس في ضميره بهذا الموقف المتناقض وهو يتعامل مع الظلم من قريب أو بعيد فيبدأ بالتبرير لموقفه المتناقض ليرضي نفسه ـ ظاهراً ـ ثم يرضى الآخرين.. إلا أنه لا يتمكن أن يكتم الحقيقة دائماً..

ولا نريد أن نكثر الشواهد والأمثلة فهي كثيرة ومتكررة بالأمس واليوم وغداً إلا أن السؤال هنا ما هو الحد الفاصل بين التبرير والتوجيه؟ وكيف نميز هذا عن ذاك؟ وهل هناك معايير واضحة تصنف أعمالكم وتحكم عليها بالحق أو بالباطل؟

الذي يبدوا أن هناك مجموعة من المعايير الثابتة التي يمكن على  ضوئها مقايسة المواقف والحكم عليها سنذكر بعضها:

الأول ـ النفس: فعلل بمراجعة صريحة وصادقة إلى النفس نجد الوجدان الكامن في عمقها من أهم المعايير التي تحكم على مواقفنا وأعمالنا بالصحة أو الخطأ وتشخص السلوك السليم من غيره فإن الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره.. نعم قد يتمكن الإنسان أن يسكت نداء نفسه نحو الواقعية لبرهة من الزمن إلا أنه لا يتمكن أن يسكتها دائماً.. إلا إذا أراد أن يعيش عمره في تناقض وقلق وازدواجية في الشخصية لأن النفس تحكم على الأشياء بما تحس واقعاً في وجدانها بلا تبرير أو غض نظر عن الخفايا والحقائق. في تفسير الصادقين (عليهما الصلاة والسلام) لقوله تعالى: ( فألهمها فجورها وتقواها) قالا: بين لها ما تأتي وما تترك(1). لأن النفس ميزان للإنسان في أعماله ومواقفه كما دخل على رسول الله(ص) رجل اسمه مجاشع فقال: يا رسول الله كيف الطريق إلى معرفة الحق؟ فقال(ص) : معرفة النفس(2).

وبالتالي فإن سياسة النفس أفضل سياسة كما ورد عن مولانا أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) وليس من الحكمة أن يتخلى الإنسان عن نفسه وضميره ويذهب في بعض آرائه ومواقفه بعيداً عن صراحتها وصدقها جرياً وراء بعض الأغراض والطموحات.. أو استجابة لبعض التأثيرات النفسية..

الثاني ـ الدين: من الواضح أن الدين من أكثر القيم والمفاهيم معروفية عند ذوي الألباب كما أن صورته من أحلى الصور وضوحاً حتى أن الإنسان يتعذر أن يعمل عملاً من دون أن يصنفه الدين في الحق أو الباطل وفي الحلال أو الحرام أو في الحسن أو القبح.. فالدين منهاج واضح ولم يترك صغيرة ولا كبيرة لا وأعطى فيها رأيه وحدد حدودها ورسم معالمها ليسد على الناس باب الخطأ في الأعمال والأفكار مهما أمكن.. إلا أن بعض الناس عادة ينصرفون إلى مفاهيم بعيدة عنه.. ويفسرون مفاهيمه بما ينسجم مع أهدافهم ورغباتهم.. ولو أرادوا الأحتكام إليه بإنصاف واعتدال لوجدوه صراطاً مستقيماً يضع الأشياء مواضعها بلا تشويه أو التباس.

ومن هنا فإن من ابتعد عنه انحرف عن جادة الصواب.. أما الذي يطابق آراءه ومواقفه وأعماله مع الدين يجد فيها الرشد والسلامة فإن الإيمان ما خلص في القلب وصدقته الأعمال..

إن معايير الدين كثيرة في الحكم على الأمور وتشخيص المواقف الصحيحة التي تقبل التوجيه من تلك الخاطئة التي يعد الدفاع عنها تبريراً لا يحظى بالقبول وسنأتي بنموذجين لتقريب الفكرة.

1ـ في مقياس الدين الحق هو المعيار وإن لازمه الضرر وليس المصلحة.. لذا يحرض المؤمنين على التمسك بالمبادئ الصحيحة وإن ترتبت عليها بعض الخسائر والتضحيات.. يقول مولانا أمير المؤمنين (ع) : إن من حقيقة الإيمان أن تؤثر الحق وإن ضرك على الباطل وإن نفعك(3).

ومن هذه الرواية الشريفة والمئات من أمثالها يتضح لنا أن الذي يعمل خلاف ما نطقت به الرواية لا يحظى بموقف سليم وإن كانت له بعض الأعذار والدوافع..

2ـ كما أن الدين يعد الارتباط بالظالم وفتح العلاقات معه من المخالفات الصريحة لمبادئه إلا أن البعض قد يغفل عن هذا الجانب يروح ويجيء مع الظالم ويجالسه ويداريه ويتقرب إليه ويتعاطى معه في الصغائر وأحياناً في الكبائر وهكذا.. ولعله يجد لعلاقاته وصداقاته هذه تبريرات ودوافع إلا أن الدين لا يعدها مقبولة ولا يجد لها في الحق والصواب محملاً وبعكس ذلك بالنسبة إلى الدفاع عن المظلومين ومناصرتهم والوقوف إلى جانبهم فإنه يعد من العبادات التي لها جزاء عظيم، يقول الدين على لسان الصادقين (عليهما الصلاة والسلام) داعياً إلى رفض الظلم ومقاطعته: كل من لم يحب على الدين ولم يبغض على الدين لا دين له(4).

ويقول أيضاً: لا دين لمن دان الله بطاعة الظالم(5).

ومعلوم أن الذي يرتبط بالظالم سيضطر إلى طاعته في بعض الأمور مداراة له.. أو سينتهي الأمر به إلى التعاون والطاعة ولو في بعض الأمور فيشمله عموم الحديث الشريف. وليس الدين يرفض فتح العلاقات مع الظالم فقط بل يدعو إلى القطيعة معه ويحكم على أولئك الذين لا يصغون لنداء الدين الذي هو نداء الضمير والوجدان أيضاً بسوء العاقبة ولم يقبل بأدنى ارتباط أو تعاون مهما صغر أو قل.. عن رسول الله : إذا كان يوم القيامة نادى مناد اين الظلمة وأعوانهم من لاق لهم دواة أو ربط لهم كيساً أو مد لهم مدة قلم فاحشروهم معهم. وعن ابن أبي يعفور قال: كنت عند أبي عبد الله (ع) إذ دخل عليه رجل من أصحابنا فقال له: أصلحك الله إنه ربما أصاب الرجل منا الضيق أو الشدة فيدعا إلى البناء يبنيه أو النهر يكريه أو المسنأة يصلحها فما تقول في ذلك؟ فقال أبو عبد الله (ع) : ما أحب أني عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء وأن لي ما بين لابتيها لا ولا مدة بقلم.. إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد(7).

وواضح من فقرات الرواية الشريفة أن الإمام (عليه الصلاة والسلام) يسمي أولئك الذين يستأجرهم الظالم لإنجاز أعماله أعواناً للظلمة فما بالك بأولئك الذين يبنون علاقاتهم مع الظالم تبرعاً أو لأغراض ومصالح سياسية أو دبلوماسية أو لأي هدف آخر؟!.

ويشير الإمام الصادق (عليه الصلاة والسلام) إلى بعض السر في هذا التشديد على مقاطعة الظالم ويذكر بأن الارتباط بالظالم يعد تقوية له وتكثيراً لسواده وإعطاءه وجهاً لامعاً يتجبر فيه ويؤذي ويظلم الآخرين وإن كان الإنسان لا يقصده أحياناً ولا يريده إلا أن الظالم نفسه يستفيد من ذلك ويستخدمه طريقاً إلى أهدافه. يقول الإمام الصادق (ع) : لولا أن بني أمية وجدوا من يكتب لهم ويجبي لهم الفيء ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم لما سلبونا حقنا(8)..

إذن من هذا نفهم.. إن من يرتبط بالظالمين ويبني معهم علاقات مهما كانت أهدافه وأغراضه ودوافعه عليه أن يستعد للإجابة في يوم القيامة وأن يجيب على أسئلة التاريخ حينما يصنف أناساً من أهل الحق والمجاهدين في سبيله وأناساً مع الباطل والمتعاونين معه. عن مولانا أمير المؤمنين (ع) لنوف البكالي مشيراً إلى عاقبة الظالمين وأعوانهم: يا نوف إن سرك أن تكون معي يوم القيامة فلا تكن للظالمين معيناً(9).

الثالث ـ مطابقة المبادئ: لا شك أن كل جماعة لها مبادئ تعد من الثوابت والمسلمات التي يرجع إليها في الأمور.. كما تمثل النهج العام لها والصورة التي ترسم أفكارها وأساليبها.. لذا تحرص الجماعات والأفراد على الالتزام بها في الأقوال والأعمال والأفكار والسعي لعدم تجاوزها أو الإخلال بها ومن أخل بها يعدونه خارجاً عن المبدأ بحسب نسبته من التجاوز أو التخلي وفي الغالب يدون ما يذكره تعليلاً لخروجه بتبريرات لا تحظى بالقبول.. فمثلاً إذا آمنت الجماعة السلم واللاعنف كمبدأ عام تؤمن به وترفعه شعاراً ونهجاً لها في المواقف والأزمات تعد ممارسة العنف خروجاً عن القاعدة تحتاج صحتها إلى دليل مقبول ومصادقة من قبل المجموع، كما أن الذي يبني فكره وأسسه الاستراتيجية على الشورى والتعددية واحترام الآراء كمبدأ عام يحكم مؤسساته يصبح مخالفاً لنهجه ومتخلياً عن مبدئه إذا مارس الفردية وما يذكره من تفسيرات لموقفه وتخليه عن مبدئه العام يعد تبريراً لا ينال التأييد.. هذا في مجال الفكر.

وفي مجال الادارة أيضاً تجري نفس القاعدة.. فإن النظام الاداري إذا اتخذ مبدأ جمع الكل واحترام الجميع واستثمارهم كخط عام ينبغي للمدراء وذوي الحل والعقد أن يعملوا على أن يجمعوا الأصدقاء ويلملموا العناصر والأفراد على تعددهم وتنوع أذواقهم وآرائهم ليصبح نظامهم الإداري مطابقاً للمبدأ ولا يصح أن يقبلوا بعضاً ويرفضوا بعضاً أو يؤيدوا فلاناً دون فلان أو يدعموا فلاناً دون الآخر.. تمسكاً ببعض التبريرات أو التوجيهات التي تعود خسائرها عليهم أولاً ثم على الخط العام لأن من يمارس سياسة الدفع أو الحسر أو الإبعاد يكون قد جر نفسه بنفسه بعد أن يبقى وحيداً ضيق الدائرة والنفوذ ومحدود الإمكانات وبالتالي فإنها تعد تضعيفاً للخط وتحجيماً له وزيادة في حجم مشاكله وأزماته.. وهذا أمر يعد تكريساً للخروج عن المبدأ وزرعاً للعقد التي قد تنتهي في نهاية المطاف الى تحطيم الجميع.. لذا ينبغي أن يفكر الجهاز الإداري في بناء نظامه ومبدئه على منهجية جمع الكل واستثمار الجميع تأهيلاً وتفعيلاً واستثماراً.. وأما العكس فإنه يعد تخلياً عن المبدأ وإن كان له بعض الأسباب.

وهكذا بالنسبة إلى العلاقات فإن من التناقض أن يتعامل الفرد أو المؤسسة التي اتخذت مكافحة الظلم والاستبداد وقطع دابره شعاراً أو مبدءاً لها ويتحالف مع ظالم ومستبد آخر لتحارب الظلم والاستبداد. كما أن من التناقض أن يحمل الإنسان أفكاراً إنسانية حرة وأهدافاً كبيرة تدعو إلى الدين الحنيف ونشر مبادئه وهو يتعاون مع من يسحق هذه الأفكار والأهداف ويدوسها تحت قدميه.. أليس مصداقية الإنسان و المؤسسة تظهر في المواقف والآراء.. وأليس العمل يميز لنا الفكرة الحقة والنوايا الصادقة من الشعارات؟!

لا شك أن علاقات الإنسان تحدد واقعيته بعض الشيء وتكشف مضاميره وفي بعض الروايات أن أصحاب الإنسان من أهم المعايير التي تميز الناس وتكشف مخابرهم في الحديث: لا تحكموا على رجل بشيء حتى تنظروا إلى  من يصاحب فإنما يعرف الرجل بأشكاله وأقرانه(10).

وفي بعض الأخبار تحذير واضح من إقامة العلاقات مع بعض الناس منها: الخائن والظالم والنمام.. لأن الخائن كما يخون  لك يخونك أيضاً والذي ظلم الناس مرة أو مرات سوف تصلك نار ظلمه أيضاً وتحرقك.. وهكذا النمام، وفي بعضها أيضاً نهي عن العلاقة بأهل الجفاء والقطيعة الذين يقدمون مصالحهم على مبادئهم.. عن مولانا الحسن بن علي (عليهما السلام): لا تواخ أحداً حتى تعرف موارده ومصادره(11)، لأن من وضع حبه في غير موضعه فقد تعرض للقطيعة(12).

وقد أثبتت التجارب فضلاً عن الروايات والحكمة عند العقلاء أن التعامل مع الظالم ينتهي إلى القطيعة والندم لأن الظالم يبني علاقاته ما دام محتاجاً لك فإذا استغنى ضربك لكي لا يجد في الناس من له فضل أو تأثير عليه لذا تصبح العلاقة معه حتى في أيام الصفاء عداوة وليست علاقة فعن أمير المؤمنين (ع) : من كانت أخوته في غير ذات الله فهي عداوة وذلك قوله عزوجل: ] الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين[(13) ، وفي رواية أخرى: ليس لك بأخ من احتجت إلى مداراته(14).

ومما تقدم قد نستخلص هذه الحقيقة وهي أن الذين يربطون علاقاتهم مع الظالمين يكونون قد خالفوا مبادئهم وتعد دوافعهم تبريرات لا يقبلها المنطق السليم، كما أن من ينتهج سبيل الفردية في تشخيص مواقفه وآرائه وبالنتيجة يحيد عن مبادئ الجموع وثوابتهم قد يحتاج إلى وقفة تأمل وإعادة نظر في معادلة الخسائر والأرباح والخطأ والصواب.

الرابع ـ التضامن مع المجموع: وبعد هذا فلعل من الحكمة بمكان السعي لموافقة الخط العام، والحفاظ على مبانيه وأسسه وعدم الإخلال بمناهجه وحدوده لأن رعاية الخط العام هو الأضمن والأسلم لتحقيق الأهداف والطموحات وإيجاد التماسك والتلاحم في الغالب..

وقد صرفت العديد من الجهود والطاقات والأوقات والاعمار من أجل تثبيته وتركيز ثوابته وتشخيص متغيراته وبذل الكثير في سبيل إظهاره قوياً قادراً على التحديات والقفز بالأهداف إلى الأمام وكنا نحن أيضاً من بناته والداعمين له والمقومين لأعمدته.. فليس من الصحيح أن يؤمن البعض بما يفكر هو فقط أو يتخذ ما يراه في نفسه صحيحاً من المواقف والتصورات من دون ملاحظة المجموع من حيث المجموع أو يحسب لأصدقائه وأخوانه حساباً وبتعبير آخر من دون ملاحظة الأهداف النوعية والمصالح العامة.. ورب موقف خاص يضر بالمجموع أكثر مما ينفع الشخص ذاته لأن مصلحة الشخص وأهدافه تتحقق أكثر من خلال المجموع في الغالب دون العكس.. وبالتالي فإن الذي يسند أصحابه ويتضامن معهم وينسجم مع ما يراه الأكثر يكون قد قوى نفسه أولاً ووفر لنفسه تضامناً وانسجاماً في همومه ومشاكله وأزماته فضلاً عن أفراحه، فالذي يقف موقف الدفاع عن شركائه في الهدف والمسيرة فإنه في الواقع يكون قد بنى لنفسه حصناً دفاعياً يصد عنه الكثير.. إذ أن المعادلات السياسية والإدارية والاجتماعية وحتى الاقتصادية منها لا تعود ثمارها على شخص واحد أو مؤسسة واحدة بل ثمارها الإيجابية تعم الجميع كما أن مصائبها تعم.. إذ أن فرز الحسابات الخاصة أو العامة بات صعباً وعسيراً في عالم الارتباطات والترابط بين المؤسسات لذا ينبغي مراعاة ما هو يصب في خدمة المجموع والصالح العام لأنه يضمن لنا المصلحتين معاً كما يدفع عنا الضررين وإن كان أحياناً يختلف مع آرائنا الشخصية أو تصوراتنا..

إن البعض عندما يجد بنفسه مختلفاً في وجهة النظر مع الآخرين يقود نفسه إلى العزلة وعدم المساهمة في الأدوار تصوراً منه أنه يدفع عن نفسه ما يراه ضرراً إلا أن هذا أمر يحتاج إلى بعض التأمل والتفكير.. لما أسلفنا.. نعم للإنسان أن يعمل من أجل تكريس ما يراه صحيحاً ورفع ما يراه خطأ عبر المحاورات والمناقشات المفتوحة بالكلمة والاقناع وهذا أمر يستدعي المزيد من الصبر والصمود وطول النفس وسعة الصدر حتى يصح الصحيح وتثمر أشجاره، أما أن نتصور إن موقفنا هو الصحيح لذا ينبغي على الجميع أن يتبعنا ويؤيدنا في هذا الموقف من دون حوار وإقناع وإذا لم يحظ موقفنا بالتأييد نتخذ جانب الجمود أو الانفصال عملياً أو الخروج عن الجمع أحياناً فإن هذا أمر لا يعد ممدوحاً ولا تجد له في الصحة محملاً وإن كان يجد له البعض بعض الوجوه المستحسنة.

الخامس ـ القيم الأخلاقية: وفضلاً عن المعايير السابقة.. فإن السمات الأخلاقية الرفيعة تفرض علينا قيمها وتدعو إلى الالتزام بها لدى التعامل مع الأشياء وخصوصاً المواقف والآراء لأنها فضائل وخصال دالة على سمو النفس ونبل الطباع ينبغي مراعاتها والتمسك بها.. قد يختلف البعض في رسم بعض المعايير إلا أن الأخلاق الكريمة والالتزام بحدودها تعد من المبادئ الحاسمة المتفق عليها لدى الاختلاف إذ الكل يتوقع من الكل مراعاتها وعدم التخلي عنها وإذا تم الالتزام بمنطق الأخلاق بالفعل فان الجميع سيحصد نتائجها ويكسب ثمارها والنماذج العملية لهذا الكلام كثيرة إذ لا أظن أحداً يرضى أن يعيش بعض إخوانه في أصعب الظروف والأحوال وهو يقدر على أن يقدم لهم بعض الممكن من العون والنصرة ثم لا يفعل؟ أو يفكر أن يتعامل مع من قاد عمليات إرهاب وايذاء وتجاوز وظلم ضد أصحابه وأهل مسيرته ثم يبني معه صداقات وروابط تعاون ومحبة وهو يعلم أن بناء هكذا علاقات قد يعد في منطق الأخلاق نوعاً من الجفاء بأصدقائه أو لتجاهل لمشاعرهم أو عدم الوفاء لهم؟! كما لا أظن أحداً يسمح لنفسه أن يبخس حق من له حق عليه في العلم والفضل والشخصية الوجاهة والدور الاجتماعي وبعض ما يملكه من وسائل قدرة ونفوذ في المجتمع فيبدأ يخوض في أشياء أو يمارس أدواراً قد تعد نكراناً للحق أو تجافياً أو نوعاً من القسوة.

وقد ورد عن مولانا الباقر (ع) : أشرف أخلاق الأئمة والفاضلين من شيعتنا.. وأخذ النفس بحقوق الإخوان(15)، وبالتالي فإن حقوق الإخوة والصداقة الإيمانية قد تعلو على الكثير من الأمور وتسمو على العديد من اختلاف وجهات النظر وهي دائماً تدعو إلى التضامن والتآلف والتناصر والإيثار ونكران الذات والتضحية وإن كانت على حساب الآراء والمواقف الشخصية خصوصاً مع أولئك الذين لهم فضل ودور روحي كبير في حياتنا أليس كذلك؟

ورد عن مولانا أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام): لو كنا لا نرجو جنة ولا نخشى ناراً ولا ثواباً ولا عقاباً لكان ينبغي لنا أن نطلب مكارم الأخلاق فإنها مما تدل على سبيل النجاح(16). وعنه أيضاً:عليكم بمكارم الأخلاق فأنها رفعة وإياكم والأخلاق الدنية فإنها من تضع الشريف وتهدم المجد(17).

وأخيراً فإن السعي الدائم نحو المشاورة والحوار مع أهل الحل والعقد وذوي العقول النيرة والتجارب الوفيرة يرفع الغموض عن العديد من المواقف والآراء ويشخص لنا الصحيح من غيره.. إذ بالمشاورة تتفتح أذهاننا أكثر وتملك إحاطة أشمل وأوسع وأدق في الرأي أو الموقف الذي نريده فإن خير من شاورت ذوو النهي والعلم وأولو التجارب والحزم.. ومعطيات التشاور الكبير لا تخفى على أهل البصائر.. وأولها إنها تأمن من الزلل والندم.

إن الإنسان قد يتخذ موقفاً لا تحمد عقباه لو انفرد به واستعان بفكره وعلمه فقط ولعله هو الآخر لم يكن يقصد عواقبه الوخيمة إلا أنه بمشاورة بسيطة أحياناً يجنب نفسه وأصدقاءه في الخط الكثير من الأضرار أو يعود عليهم بالوفير من النتائج، في نفس الوقت الذي يكون أقرب إلى الحكمة والصواب فإن أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله.

الهوامش:

1-مجمع البيان, ج1, 489

2-بحار الأنوار, 70,72

3-بحار الأنوار, 70,107

4- المصدر, 71,152

5- المصدر, 75, 372

6-فروع الكافي, 5, 107

7-بحار الأنوار, 75, 375

8- فروع الكافي, 6, 106

9- بحار الأنوار, 74, 188

10- المصدر, 78, 106

11-المصدر, 74, 187

12- المصدر, 74, 165

13- الغرر

14- بحار الأنوار, 75, 415

15-المستدرك, 2, 283

16- بحار الأنوار, 78, 53