من توجيهات المرجع الشيرازي في رمضان حول الهداية والإصلاح وحسن الخلق

 

- لنقتدي بالنبي الأعظم في طلب الرحمة لجميع الناس حتى للأعداء

- أغلب الناس فطرتهم سليمة وليسوا بمعاندين، بل إنهم يتعرّضون إلى عمليات غسيل الدماغ

- اﻷخلاق الحسنة هي من أبرز وأهم مصاديق العمل الصالح

 

شبكة النبأ: دعى المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله الى ضرورة الاقتداء بسيرة النبي صلى الله عليه وآله وأخلاقه العظيمة في طهارة القلب والى التأسي بصبر النبي صلى الله عليه وآله وتحمّله للأذى وحلمه فكان نتيجة ذلك أن اعتنق الناس في شبه الجزيرة العربية اﻹسلام، ودخل الناس من باقي الدول المحيطة بالجزيرة دخلوا في دين الله أفواجاً وأفواجاً. كما قال سماحته إن أغلب الناس فطرتهم سليمة وليسوا بمعاندين، بل إنهم يتعرّضون إلى عمليات غسيل الدماغ، فإذا سعينا وقمنا بتعريفهم على الحق فإنهم سيهتدون.  جاء ذلك خلال عدة لقاءات ومحاضرات عقدت في منزل سماحته في قم المقدسة في شهر رمضان المبارك.

أغلب الناس يتعرّضون لعمليات غسيل الدماغ لإبعادهم عن أهل البيت

قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله آية الله العظمى السيد تقي القمي دام ظله برفقة نجله حجة الإسلام والمسلمين السيد حسين القمي دام عزّه، وذلك يوم الثلاثاء الموافق للحادي عشر من شهر رمضان المبارك 1430 للهجرة.

وبعد أن رحب سماحة المرجع الشيرازي بالضيف الجليل تبادل الحديث معه حول فضائل ونعمة الانتساب إلى مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله، وأثر التبليغ في هداية الناس إلى نور أهل البيت صلوات الله عليهم وقال: أحد الفضلاء بعد رجوعه من موسم الحج للسنة الهجرية الماضية (1429) جاءني وقال: التقيت في المسجد الحرام بأحد أساتذة الجامعة من إحدى الدول العربية وكان من أهل العامة. فجلست معه وباحثته لمدة أربع ساعات في ذلك اليوم.

ثم تكرّرت جلساتي معه في الأيام التالية. وفي اليوم الأخير وعندما أردنا أن نتوادع قلت له: عليك أن تعتنق التشيّع. فقال: ولماذا؟ قلت: لأني تحدّثت وشرحت وبيّنت لك كثيراً من الأدلة على أحقيّة التشيّع. فقال: لا أتشيّع الآن، بل سـأذهب إلى بلدي وأفكّر في الأمر لمدّة سنة وبعدها أصمم.

قلت له: دعني أذكر لك قصة بهذا الصدد فأنت رجل مثقف وواعٍ، فاسمعها ثم انصرف. قال: حسناً، قل.

قلت له: هل سمعت بالأعشى الكبير؟ قال: بلى سمعت. قلت له: وهل سمعت بقصة محاولته لاعتناق الإسلام؟ قال: لا أذكر. قلت له: إذن فاسمعها مني، وهي موجودة في كتب التاريخ.

ذكروا أن الأعشى الكبير كان أحد فصحاء العرب السبعة في زمن مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وهو صاحب إحدى المعلقات السبع، وقد استشهد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ببعض أشعار الأعشى في الخطبة الشقشقية.

كان الأعشى في نجد عندما سمع بخبر بعثة النبي صلى الله عليه وآله، فسمع آيات من القرآن الكريم فتأثّر بها كثيراً لأنه كان فصيحاً، ففهم فصاحة القرآن وإعجازها، فصمم على أن يسلم. فجاء إلى مكّة، وحينها كان النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين في شعب أبي طالب في محاصرة قريش والمشركين. فحينما دخل الأعشى مكّة لقيه أبو جهل وقال له: ما الذي أتى بك فالآن ليس موسم الحج؟ قال الأعشى: جئت لأدخل في دين محمد. ففزعه أبو جهل وقال له: إن محمداً يحرم عليك الأطيبين: الزنا والخمر. قال: أما الزنا فلا حاجة لي فيه لأني كبرت، وأما الخمر فلا صبر لي عنه، وسأنظر في ذلك سنة، فرجع إلى نجد فأتته المنية واخترم دون الإسلام.

فقلت لذلك الأستاذ: أرجو أن لا يكون مصيرك كالأعشى. فضحك وانصرف. وفي الصباح الباكر من اليوم الثاني اتصل بي ذلك الأستاذ عبر الهاتف وقال: أين أنت؟ أريد اللقاء بك. قلت له: لدي موعد الآن مع أحد الأشخاص. قال: دعك من الموعد فلابد أن أراك الآن ولو لدقائق. قلت له: حسناً تعال إلى المكان الفلاني. فالتقينا وذهبنا معاً إلى المسجد الحرام وكان مكتظاً بالزائرين لأنه كان موسم الحج. فقال لي: لنصعد معاً إلى سطح المسجد. فصعدنا، فوقف باتجاه الكعبة وقال لي: اسمع ما سأقوله وقال هذه العبارة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله وأشهد أن علياً ولي الله. فقلت له: يوم أمس قلت بأنك ستفكّر في الأمر لمدة سنة ثم بعدها تصمّم، فما عدا مما بدا؟

قال: لقد فكّرت كثيراً ليلة أمس بقصة الأعشى ومصيره فلم أستطع النوم، لذلك غيّرت رأيي.

وعقّب سماحته: إن أغلب الناس فطرتهم سليمة وليسوا بمعاندين، بل إنهم يتعرّضون إلى عمليات غسيل الدماغ، فإذا سعينا وقمنا بتعريفهم على الحق فإنهم سيهتدون.

وأضاف سماحته: لقد اهتدى ذلك الأستاذ الجامعي إلى نور أهل البيت صلوات الله عليهم متأثراً مما سمعه في جلسات مباحثته مع صديقنا الفاضل، وليس بتأثير قصة الأعشى.

وحول الانتساب إلى مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله قال سماحته: حقاً إنها نعمة عظيمة أن يكون آباء المرء وأجداده مؤمنين وعلماء وأن يكون هو أيضاً مثلهم. فبعض الناس يولد من أبوين أحدهما أو كلاهما منحرفين عن أهل البيت صلوات الله عليهم ولكن بجهود ومساعي أتباع أهل البيت يتحوّلون إلى التشيّع، ومنهم سعد الخير الذي قال مولانا الإمام الباقر صلوات الله عليه بحقّه: «أنت أموي منّا أهل البيت»  ومنهم علي ابن الطاغية المسمى بـ(صلاح الدين الأيوبي).

وأردف سماحته: لقد قتل الطاغية المسمّى بصلاح الدين الأيّوبي زهاء تسعمئة ألف شيعي، ولكن استطاع شباب الشيعة أن يهدوا ابن هذا الطاغية المتعصب إلى نور آل البيت النبوي الطاهر. وقد ذكروا في أحوال ابنه (علي) أنه صار أميراً بعد موت أبيه بوصية من أبيه، ولكن عُزل بعد فترة بتآمر من عمّه (وكان اسمه أبا بكر) وأخيه الأصغر منه (وكان اسمه عثمان). فكتب علي رسالة إلى الناصر لدين الله ـ جدّ الشريفين المرتضى والرضي قدّس سرّهما وكان حاكماً في شمال إيران ـ وأخبره بالأمر. وكان مماكتبه في الرسالة الأبيات التالية:

مولاي إن أبا بكر وصاحبه ** عثمان قد غصبا بالسيف حق علي

وهو الذي كان قد ولاه والده ** عليهما واستقام الأمر حين ولي

فخالفاه وحلا عقد بيعته ** والأمر بينهما والنص فيه جلي

فانظر إلى حظ هذا الاسم كيف لقي ** من الأواخر ما لاقى من الأول

وأتاه الجواب من الناصر لدين الله:

وافى كتابك يا ابن يوسف معلنا *** بالود يخبر أن أصلك طاهر

غصبوا علياً حقه إذ لم يكن *** بعد الرسول له بطيبة ناصر

فابشر فإن غدا عليه حسابهم *** واصبر فناصرك الإمام الناصر

الاقتداء بالنبي الأعظم في طلب الرحمة لجميع الناس حتى للأعداء

وقام بزيارة المرجع الشيرازي دام ظله جمع من اﻹخوة الكسبة والتجّار من مدينة طهران، وذلك يوم الجمعة الموافق للحادي والعشرين من شهر رمضان المبارك 1430 للهجرة، واستمعوا إلى إرشادات سماحته.

في البدء قدّم سماحته التعازي بمناسبة ذكرى استشهاد مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، وسأل الله تعالى أن يتقبّل من الجميع الطاعات والعبادات، وأن يرعى مولانا اﻹمام صاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف ومولاتنا كريمة أهل البيت فاطمة المعصومة سلام الله عليها الجميع برعايتهما، وقال سماحته: لقد انقضت أيام شهر رمضان ولياليه ولم يبقى منه إلاّ عدّة أيام وعدّه ليالي، فيجدر بنا جميعاً أن نسعى إلى اﻹستفادة من هذا الشهر الفضيل فيما تبقى من اﻷيام القليلة.

وقال سماحته: يقول مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله في خطبته الشريفة التي ألقاها في استقبال شهر رمضان المبارك: «فسألوا الله ربكم بنيّات صادقة وقلوب طاهرة»، فالملفت في هذه العبرة إن النبي صلى الله عليه وآله قال (بقلوب طاهرة) ولم يقل (طهروا قلوبكم) وهذا يبيّن مدى الأدب العظيم لرسول الله صلى الله عليه وآله، كيف لا وهو القائل صلى الله عليه وآله: «أدبني ربّي فأحسن تأديبي».

إذن ليسع الجميع إلى عمل ما يوجب طهارة قلوبهم في شهر رمضان المبارك وأن يطلبوا من الله تعالى الرحمة للجميع حتى للأعداء.

وقال سماحته مؤكداً ضرورة الاقتداء بسيرة النبي صلى الله عليه وآله وأخلاقه العظيمة في طهارة القلب: لقد عاش النبي صلى الله عليه وآله في مكة أربعين سنة، وأحبّه أهلها جميعاً حتى سمّوه بالصادق اﻷمين، ولكن بعد أن بُعث صلى الله عليه وآله باﻹسلام ودعا الناس إلى التوحيد بقوله: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» وبعد أن بيّن لأهل مكة بأن الربّ هو الله الواحد اﻷحد وليست اﻷصنام الزائفة، اغتاضوا منه وآذوه، فكانوا يرمونه بالحجارة وكان الدم يسيل من رأسه الشريف إلى قدميه الشريفتين. وقد ذكرت الرواة الشريفة بهذا الصدد أنه في إحدى اﻷيام وبعد أن لقي النبي صلى الله عليه وآله أذى كثيراً من قريش وزعمائها أوحى الله تعالى إلى جاجائيل ملك الجبال أن شق الجبال وانته إلى أمر محمد. فأتاه فقال له: قد أمرت لك بالطاعة فإن أمرت أطبقت عليهم الجبال فأهلكتهم بها. قال صلى الله عليه وآله: «إنما بعثت رحمة. اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» (3).

وقال سماحته: لقد كانت عاقبة صبر النبي صلى الله عليه وآله وتحمّله للأذى وحلمه أن اعتنق الناس في شبه الجزيرة العربية اﻹسلام، ودخل الناس من باقي الدول المحيطة بالجزيرة دخلوا في دين الله أفواجاً وأفواجاً.

وفي ختام حديثه قال سماحته: أسأل الله تبارك وتعالى أن يوفّق الجميع للعبادة المخلصة وأن يستفيد المؤمنات والمؤمنين من نعم الله كلها وباﻷخص نعم شهر رمضان المبارك لما ينفعهم في الدارين.

دور المؤمن في المجتمع هو اﻹصلاح

وقام بزيارة المرجع الشيرازي دام ظله جمع من أعضاء (هيئة اﻹمام السجاد سلام الله عليه لتعليم وقراءة القرآن) من طهران مع عوائلهن، وذلك في يبته المكرّم بمدينة قم المقدسة يوم الجمعة الموافق للسابع من شهر رمضان المبارك 1430 للهجرة، واستمعوا إلى توجيهاته القيّمة التي جاء فيها:

قال مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله في إحدى خطبه الشريفة التي ألقاها في استقبال شهر رمضان الكريم: «ياأيها الناس من حسَّن منكم خلقه في هذا الشهر كان له جواز على الصراط يوم تزل في اﻷقدام».

إن مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله خاطب الناس كافة وليس المؤمنين أو المسلمين فقط، فهو صلى الله عليه وآله بعث للعالمين، كما تقول اﻵية الشريفة: «إني رسول الله إليكم جميعاً». فالنبي عندما ألقى تلك الخطبة كان المسلمون قليلين، ولم يكن خطابه صلى الله عليه وآله ﻷولئك فقط بل وللمسلمين في اﻷجيال القادمة وللبشرية جمعاء. فكلامه صلى الله عليه وآله موعظة للناس جميعاً في كل الأزمنة.

لقد استنتج العلماء من عبارة (يا أيها الناس) معاني كثيرة، لذلك نحن مكلّفون بأن نبيّن ونوصل لجميع الناس كلام رسول الله صلى الله عليه وآله.

وقال سماحته: من لا يحافظ على نفسه ولا يسيطر على أفعالها فستزلّ قدماه في اﻵخرة، وهذا ينطبق على الجميع دون استثناء، فكلمة (اﻷقدام) يعني لعامة الناس، سواء كانوا رجالاً أم نساء، وشيوخاً أو شباباً، وعلماء أو من العوام.

أما من يكون في الدنيا حسن الأخلاق ويتعامل بالحسنى وبالخلق الحميد مع الناس فستثبت قدماه على الصراط المستقيم ولا تزل.

وأضاف سماحته: إن ما ينفع اﻹنسان في عالم الآخرة هو التقوى والعمل الصالح. واﻷخلاق الحسنة هي من أبرز وأهم مصاديق العمل الصالح.

وقال سماحته: إن سيئ الخلق مثله في المجتمع كمثل المريض الذي يؤذي نفسه ويؤذي اﻵخرين، وأن السعي في تغيير أخلاق وتعامل ذلك الشخص (السيئ الخلق) يعدّ حقاً عملاً ثميناً جداً. فأفراد المجتمع كالجسد الواحد إذا اشتكى عضواً منه تداعى له سائر اﻷعضاء بالأذى.

لذلك يجدر بأفراد المجتمع كافة أن يسعوا في أن تكون من أعمالهم واهتماماتهم رفع مشاكل أفراد المجتمع، ومنها المشاكل اﻷخلاقية. فإذا وجدوا شخصاً سيئ الخلق ويتعامل بحدّة مع الناس فليسعوا في علاجه وإصلاحه وتغيير أخلاقه نحو اﻷحسن.

وأكّد سماحته: في شهر رمضان المبارك صمموا على أن تشجّعوا أصحاب الخلق السيئ وتحثّوهم على إصلاح أخلاقهم وتحسينها، وأن تردّوا بالحسنى على من أساء إليكم. فكل مؤمنة وكل مؤمن يمكنه أن يكون مصلحاً في المجتمع، وإصلاح الشيء هو التعامل معه بما يضاده، فإصلاح الأخلاق السيئة هو التعامل باﻷخلاق الحسنة.

وختمَ دام ظلّه حديثه بقوله: هنالك العشرات من اﻷحاديث والروايات الشريفة عن رسول الله صلى الله عليه وآله واﻷئمة اﻷطهار صلوات الله عليهم تبيّن فضائل وثواب وأجر اﻹنسان صاحب الأخلاق الحسنة، ومنها: قال مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله: «إن صاحب الخلق الحسن له مثل أجر الصائم القائم».

لذا يجدر بالمؤمنات والمؤمنين جميعاً أن يصمّموا في هذا الشهر المبارك وفي باقي أيّام وشهور السنة على ترويض أنفهسم بالتحلّي بالخلق الحسن.

 جميع الحقوق محفوظة 

شبكة النبأ المعلوماتية- الاحد 20/أيلول/2009 - 30/رمضان/1430

annabaa@annabaa.org