لا معقولية النص القرآني بدون علي

عبد اللطيف الحرز

تعتمد نظرية الامامة على بديهية اجتماعية ومنطقية بأن أي مشروع لايمكن تركه وجعل امره بيد العمال والموظفين عند رحيل صاحب الشركة او صاحب المشروع. هل رأيتم صاحب عمل يترك موظفيه او العمال الذين تحت يده بدون شخص يراقبهم يتم تعيينه بالنص وبشكل واضح؟! لايستطيع صاحب العمل في البناء , مثلاً, ترك عماله والذهاب في مشوار صغير فكيف بنبي أنجز دولة في مجتمع بدوي متعجرف متنافس؟!

نكران الامامة هو بالفعل هدم للنبوة وتنصيص على ان الله سبحانه يفعل القبيح.وهذا هو ماسوف تتبناه المدرسة السنية خصوصاً المعسكر الاشعري.

الامر الاكثر التباساً وخطورة حتى من مشروع الدولة الاسلامية الذي سوف ينتهي الى مشروع الى مدح الديكتاتورية عن طريق نظرية البيعة للاقوى او لمن يملك العصبية حسب معجم ابن خلدون,هو ترك النص القرآني نفسه وتحويله الى نص اللانص.

فالقرآن كتاب غير عادي البنية اللغوية وهو كتاب ملتبس الدلالة خصوصاً بالنسبة لتطور الاجيال وتغير الذائقة للمتلقين الجدد. لذا فمن المستحيل ان يتم فهمه بدون وجود قيّم ووصي مباشر يكون الوريث الروحي للنبي.عليه لن يكتفي القوم من استبعاد الامام علي من ساحة الخلافة والحراك السياسي وانما ايضاً سوف يتم استبعاده بدرجة اساسية من مجال الكتابة فالامام علي اقل من معاوية حيث ان هذا الاخير هو من سيكون اشهر كتبة الوحي كما سوف يتم هجران الامام علي من جميع البحوث المتعلقة بتاريخ تدوين الحديث النبوي (كما استنكره منصفاً الاستاذ محمود ابو ريه في كتابه اضاواء على السنة المحمدية).

هكذا سيغدو النص القرآني نص بركة او نص فذلكة بلاغية او اكراهات فلسفية وفقهية طائفية أو بحوث طبيعية والاعجاز العلمي ,بمعنى ان القرآن سيغدو بدون علي نص فاقد الدلالة فلا يبقى أي جامع بين الفرق الاسلامية سوى لفظ لا اله الا الله (حسب تأكيد العلامة الطباطبائي في الميزان) ,حيث يزداد منطق التكفير شقاً في جسد الامة وذهنيتها.

لكن ماذا بشأن التفسير الاصولي والمنهج السلفي؟!

هنا الاشكال سيكون اكثر عمقاً. إذ السلفية ربطت النص القرآني والاسلام باحاديث الصحابة المواليين للسلطة واعتبرتهم معصومين فوق الشبهة والسؤال.واذ يكون التمركز حول منع عمر بن الخطاب للكتابة (والغريب ان البخاري ومسلم وابن حنبل يروون ذلك بعدم اكتراث ولامبالاة غريبة!) والتدوين ومن ثم الاشهار بكون النبي نفسه كان ضد الكتابة (رغم ان هذا مخالف للنص القرآني نفسه الذي تحدث عن تبادل الاسرى بتعليم القراءة) وهذا يعني ان الحديث النبوي الذي يفترض انه المنهج الوحيد المقبول من قبل السلفية في تفسير القرآن وجميع المفاهيم الاسلامية , هو حديث فاقد للحجية لكونه لم يدوّن الا بعد سنوات طويلة ولن يدخل الى مرحلة العلم المنضبط الا في عصر التدوين العباسي ,وهذا معناه ان الاجيال الاسلامية الاولى قد عاشت قطيعة بين القرآن وفهمه وان الاجيال التالية قامت باختراع دلالة اسقاطية على النص القرآني خصوصا وان السلفية تعادي المنطق والفهم العقلي للامور وعلى رأسها مدة عقلانية ان يكون الصحابة المواليين السلطة بهذه القدرة الخارقة على حفظ آلاف الاحاديث بدون ايِّ تغيير!!.

فعلا ماذا يتبقى من حديث النبي ومن القرآن وفق هذا التصور كي تكتفي السلفية بالنص القرآني وروايات الصحابة بكونها الممثل الوحيد للفهم الاسلامي , ماذا يتبقى من القرآن واين هي الاحاديث حقيقة؟!

في حين ان كل هذه الصعوبات تزول فيما لو قبلنا بعلي بن ابي طالب واولاوده باعتبارهم امتداد طبيعي للدلالة النبوية وطريقة التلقي والتفهيم للقرآن لذا ارتبطت اطروحة الامامة منذ القدم بمشكلة التفسير نفسه ,كما انتبه الى ذلك هنري كوربان في تاريخ الفلسفة الاسلامية ص94.

وهنا سنفهم بشكل اكثر دقة معنى تلك الاحاديث النبوية القائلة بإن علي مع القرآن والقرآن مع علي ,فعلي هنا هو محراب المعنى القرآني نفسه ,حيث ان بداية الدلالة تبدء من هنا ولعله لذلك ايضاً كان دم علي بن ابي طالب هو آخر ماتبقى في محراب الكتابة لهذا النص الذي لا زالت الامة لاتريد ان تتلوه مكتفية بما تمليه الدكتاتوريات وقنواتها الاعلامية من اناشيد الخرافة.

 جميع الحقوق محفوظة 

شبكة النبأ المعلوماتية- السبت 11/أيلول/2009 - 21/رمضان/1430

annabaa@annabaa.org