الصفحة الرئيسية التاريخ يصنعه العظماء

 

مبدأ اللاعنف والمسالمة في المنظومة الفكرية للإمام الشيرازي

راجي أنور هيفا

يعيش الإنسان على وجه هذه الأرض وهو يأمل دائماً أن تكون حياته ومسيرته فيها آمنة ومطمئنة وبعيدة عن كل ما من شأنه أن يسبب الخلل الأمين أو الوجود اللامستقر لها، فالقصص التاريخية الموغلة في القدم تخبرنا أن أول خطوة غير آمنة عرفها الجنس البشري، والتي كانت رمزاً دامياً من رموز العنف في مسيرة البشرية الطويلة، هي الحادثة التي تتم فيها سفك أول دم بشري على وجه الأرض، حيث كان القاتل شقيق المقتول. ومنذ أن قتل (قابيل) شقيقه المظلوم (هابيل) والإنسان يعيش هاجس الخوف من العنف ويسعى بنفس الوقت إلى تأمين وتحقيق أعلى درجات الأمن والإطمئنان في حياته.

ولكن مع ازدياد وامتداد الوجود البشري على الأرض، ومع ازدياد المتطلبات المادية والمصالح الخاصة، سواء الفرد أو للجماعة، كان لا بد للعنف من أن يظهر بصورٍ شتى متفاوتة الأشكال والأنواع على مسرح الحياة. وقد دَوَّن لنا التاريخ الكثير من الصفحات العنيفة التي تصور العدوان والعنف بأنواعه المادية والمعنوية، والتعسف والاستبداد من قبل الجماعات الكبرى (الأكثرية) ضد الجماعات الصغيرة (الأقليات) بغية إذابتها وصهر هويتها واستلابها من أبسط حقوقها، ومصادرة وجودها، بل نقل لنا ذلك التاريخ أيضاً صوراً مخيفة عن العنف والاستبداد الفردي ضد الأفراد وحتى ضد شعب كامل، كما هو حال الطغاة مع شعوبها.

ومما يثير الانتباه فعلاً هو أنه على الرغم من التقدم والتطور المادي الذي يحرزه الإنسان بشكل مستمر ومتسارع، إلا أن موجات العنف لا تزال تطل على المجتمعات البشرية بصورها البشعة بين الحين والآخر بأشكال جديدة أكثر شدة وأكثر حدة على الرغم من أن التطور المادي يستلزم الانفتاح على (الآخر) وتفهم وجهات نظره واحتياجاته ومنظومته الفكرية الكاملة، فالتطور المادي وسيلة فعالة في تطوير وسائل الاتصال والتقارب بين الناس فمحطات التلفزة والانترنيت والمحطات الفضائية بالإضافة إلى الكم الهائل من المطبوعات والمنشورات التي تغص بها المكتبات ودور النشر هي كلها وسائل فعالة في عملية الاتصال واختزال المسافات بين البشر في مشرق الأرض ومغربها.

ولكن على الرغم من كل ذلك، فإن هناك العديد من أولئك الذين لا يزالون يؤمنون بالعنف طريقاً ومنهجاً لحل مشاكلهم وتسوية أوضاعهم.

وقد يسأل أحد ما، والسؤال من حق الجميع طبعاً، عن التقدم والتطور المادي في مجال الاتصالات، وهل هو السبيل الوحيد للتقارب بين أفراد البشر أم أن هناك وسائل أخرى أكثر تطوراً ورقياً ولها الدور الأكبر في عملية كبح جماح موجات العنف التي تتعرض لها المجتمعات بين وقت وآخر.

بالطبع هناك أكثر من وسيلة للحد من العنف وممارسته بين أفراد المجتمعات، وحتى بين مجتمع وآخر، ولعل الدور الذي تلعبه الأديان يساعد بشكل ملحوظ على تهذيب وصقل النفس الإنسانية، وبالتالي يمكن أن يلعب دوره في التخفيف من الإيمان بالعنف كوسيلة لحل المشاكل وإنهاء الخلافات.

ولا نبالغ إذا قلنا إن الدين الإسلامي، من خلال منظومته الفكرية والعقائدية يمكن أن يكون له الدور الأبرز في الحد من ظاهرة العنف المتعددة الوجوه فالعقيدة الإسلامية تدعو إلى الحوار بالكلمة لا إلى الحوار بالسيف، فهي عقيدة الحجة والبرهان والحوار العقلي الذي يدعو الإنسان إلى إعمال عقله، وليست هي عقيدة الاستبداد بالرأي وفرض القيم على الآخرين بقوة الحديد والنار وتغييب العقل عن ساحة الحوار.

فعندما يخاطب الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم محمد بن عبد الله (ص) الذي هو رسول للإنسانية جمعاء، وليس للعرب أو للمسلمين فحسب، فعندما يخاطبه قائلاً:

(أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) (النحل: 125) فهذا يعني أن الدعوة للتفاهم مع (الآخر) هي دعوة إلى اللاعنف والى اللا دمائية في الحوار.

فالرسالة الإسلامية في جوهرها الحقيقي، وليس في التشويه الذي ألحقه البعض بها من خلال ممارساتهم الخاطئة، هي رسالة إنسانية شاملة في إنسانيتها لكل جوانب الحياة.

وعندما نقول ونؤكد على إنسانية الرسالة الإسلامية، فإن هذا لا يعني أن تلك النزعة الإنسانية محصورة فقط ضمن إطار نظري متمثل في تعاليم القرآن الكريم وأحاديث الرسول (ص) وأئمة أهل البيت (ع) بل هو دين يتجاوز في مفاهيمه حدود الوعظ والإرشاد النظريين إلى حدود التطبيقات العملية والممارسات الفعلية التي يجب أن يقوم بها المسلم في حياته اليومية.

وقد أكد الكثير من المتخصصين في دراسة الفكر الإسلامي على هذه الحقيقة، وإذا كان بعض أولئك الدارسين قد تعمدوا إخفاء أو تضليل وتمويه بعض الحقائق، إلا أن البعض الآخر منهم كان لهم أياد بيضاء في إبراز تلك الحقائق وإخراجها من دائرة الظلام إلى حيز النور والحقيقة.

وعلى أية حال، فإن الحقيقة هي ابنة المعرفة، وبقدر ما يرتقي الإنسان بمعرفته وفكره، بقدر ما يكون قريباً من الحقائق ومن الوقائع كما هي على حقيقتها.

ولكن بنفس الوقت أيضاً، بقدر ما يكون الإنسان بعيداً في ارتباطه عن المعرفة وطلب الارتقاء الفكري، بقدر ما يكون قريباً من الظلم والانقياد إلى لغة العواطف المتقلبة التي غالباً ما تقود الإنسان إلى مهاوي الانحطاط الفكري والتردي العقلي الذي يقود الإنسان في كثير من الأحيان إلى التخاطب مع الآخرين بلغة السيوف لا بلغة الحروف.

ومن هنا يأتي دور الدعاة إلى السلم والى سياسة نبذ العنف والتخلص من الجهل الذي يقود إليه، ولعل التاريخ الإسلامي قد عرَّفنا على العديد من أولئك الدعاة المصلحين على مدى مسافة زمنية تتجاوز الألف وأربعمئة عام، ولا يزال هناك البعض من أولئك الدعاة المصلحين يحاولون أن يقوموا بعمليات تجديد لبعض المفاهيم الإسلامية التي دخلها بعض التغيير بسببٍ أو بآخر.

ولكن لو تناولنا الآن أحد أبرز أولئك المجددين المسلمين، فسيقع اختيارنا على أحد عظماء الأمة الإسلامية في العصر الحديث، إنه الإمام المجدد آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (ره) الذي رحل عنا بجسده لكنه بقي معنا بروحه وبعلمه الذي نستضيء به في ظلمات الدروب وفي المتغيرات الحركية السريعة للحياة.

فالإمام الشيرازي (ره) كان صاحب مشروع حضاري متكامل الأبعاد، ولكن مشروعه الحضاري الذي سنتحدث عن جانب واحد منه لا يصلح فقط لبناء الأمة الإسلامية، بل هو مشروع حضاري إنساني شامل يصلح لبناء أي مجتمع وللنهوض بكل أمة.

والجانب الذي سنتحدث عنه الآن في مشروع الإمام الشيرازي الحضاري هو مبدأ اللاعنف وقد تميز سماحته عند صياغة لنظرية اللاعنف بأنه قد رصد في تلك النظرية مختلف جوانب الحياة ومفرداتها، وأنطلق في رصد تلك الجوانب بدءاً من علاقة الفرد بذاته، وبمحيطه الاجتماعي الإسلامي، وانتهاءً بعلاقته مع (الآخر) كائناً من كان ذلك الآخر.

ولذلك وقبل كل شيء فإن الإمام الشيرازي يعرّف لنا مبدأ اللاعنف بقوله عنه: (أن يعالج الإنسان الأشياء سواء كان بناءً أو هدماً بكل لين ورفق، حتى لا يتأذى أحد من العلاج، فهو بمثابة البلسم الذي يوضع على الجسم المتألم حتى يطيب)(1).

وانطلاقاً من هذا التعريف الواضح لمعنى اللاعنف، فإن الإمام الشيرازي يرى أن المبدأ القائل (الغاية تبرر الوسيلة) هو مبدأ سلبي ولا اصل له في الإسلام، لأن خلفيات هذا الشعار تعني الانتهازية والنفعية بغض النظر عن قيمة العلاقات والقيم الإنسانية وبالتالي فإن هذا الشعارات لا مجال لوجودها في الإسلام(2).

فمبدأ اللاعنف بكل أشكاله وصوره، كالعصيان المدني غير المسلح، أو الدفاع السلبي أو ما شابه ذلك، فهو مبدأ قائم على فكرة أن الفرد هو إنسان قبل كل شيء ويجب أن يعامل دائماً على هذا الأساس.

فالصراع الأيديولوجي موجود دائماً، والصدام بين الأفراد تارة وبين الجماعات تارة أخرى أيضاً موجود، ولكن هذا الصراع أو الصدام لا يبرز استخدام العنف وسيلة للوصول إلى المآرب والأهداف، فالإنسان يجب أن يجعل عقله سيداً على كل تصرفاته وسلوكياته، وعلى كامل نهجه في الحياة، لأن العقل هو صمام الأمان لعملية العنف واللامسالمة، وقد عبر سماحة الإمام الشيرازي (ره) هذه الفكرة بعبارة بليغة جداً وهي قوله: (إذا كنت الآراء حرة سكت السلاح)(3).

وبالتالي، فإن الإنسان الحقيقي يستطيع بوعيه وإدراكه لما يحيط به من سلبيات وضغوط اجتماعية أن يحقق ما يريد، أو على الأقل، شيئاً مما يريد عن طريق سلوك طريق اللاعنف والمسالمة لأن الخطأ لا يصحح بخطأ مثله ولأن (اللاعنف يسقط العنف)(4).

وقد أثبت الإمام الراحل (ره) من خلال دراساته ومؤلفاته القيمة أن طريق العنف كان دائماً وأبداً نفقاً مظلماً لا يؤدي إلى النتيجة المرجوة، لأن الحركة التاريخية للشعوب والأمم التي بنيت على الدم لم تدم طويلاً، وقال سماحته مؤكداً على ذلك بقوله:

(إن إراقة الدماء تقود الحكم نحو التحطيم، والفناء، إن لم يكن في القريب ففي البعيد)(5).

وقد أستند سماحة الإمام الشيرازي (ره) في (نظرية اللاعنف) التي تبناها في مشروعه الحضاري على الكثير من الآيات القرآنية في الذكر الحكيم وعلى الكثير أيضاً من أحاديث وسلوكيات الرسول (ص) وأئمة أهل البيت (ع) ويكفي أن نلقي نظرة سريعة على كتاب (اللاعنف في الإسلام) لسماحة الإمام الراحل حتى ندرك مدى عمق إيمان الإمام الراحل بمبدأ اللاعنف المستند في أصوله وجذوره على فكر أهل البيت (ع) المستمد من القرآن الحكيم ومن سنة النبي الكريم (ص) وقد اعتبر سماحته أن (اللاعنف سمة الأنبياء والأئمة (ع) والعقلاء الذين يقدمون الأهم على المهم في شتى حيثيات حياتهم)(6).

وعلينا أن نذكر أن طروحات الإمام الشيرازي بشكل عام هي طروحات ومبادئ تستطيع أن تواكب التغيرات والتطورات الاجتماعية العامة، فهي طروحات إسلامية جادة لا تريد للإنسان أن يعود بعجلة الحياة إلى الوراء، بل تريده أن يعمل بكل جدية ونشاط على أن يواكب مسيرة الحضارة والارتقاء، فالحياة تسير للأمام وليس للوراء، ولذلك علينا أن نعمل على فهم وتفهم تلك التغيرات والمستجدات الحادثة لا محالة في كل يوم على مسرح الحياة.

ويرى سماحة السيد الإمام الراحل (ره) أن اللاعنف يمكن أن يقسم إلى عدة أقسام:

أ) اللاعنف الملكي وهو اللاعنف الذي يمكن أن تكون آثاره ظاهرة على الجوارح، وهو بذلك يكون ظاهراً مثل العدالة والشجاعة والكرم وما شابه ذلك.

ب) اللاعنف القسري وهو اللاعنف المحكم بعمليات قسر خارجية، كأن يلجأ الإنسان الضعيف إلى أسلوب اللاعنف لعجزه عن القيام بذلك، وليس عن إيمانه بهذا المبدأ.

ج) اللاعنف القسري العقلائي، أي أن يتم ترجيح اللاعنف على العنف من باب الأهم والمهم، وفي هذه الحالة يكون الفرد قادراً على الرد بطريقة العنف على من ظلمه أو أهانه أو استلبه ولكنه لا يلجأ إلى العنف إيماناً منه بأن اللاعنف هو الطريق الأفضل والأقوم للوصول إلى النتيجة المطلوبة(7).

وعندما يلتزم الإمام الشيرازي بمبدأ اللاعنف الذي طرحه في مشروعه الحضاري، فإن التزامه به عبارة عن تأكيد واضح على جعل اللاعنف إطاراً مرجعياً شاملاً، أي أنه يجب أن يكون ذا أبعاد نفسية وروحية واجتماعية شاملة لكل نواحي ومجالات المعاملات الإنسانية.

وعلى الرغم من أن سماحة السيد الراحل (ره) ليس طبيباً نفسياً متخصصاً، إلا أن طريقة معالجته للنفس الإنسانية ولتقلباتها ولأنماطها المختلفة، كل ذلك جعل منه عالماً نفسياً بالإضافة إلى أعلميته الدينية.

فسماحة الإمام يناقش النفس الإنسانية من خلال سلوكها ومن خلال ثقافتها وبيئتها ومجتمعها المحيط بها، وهو يناقش بنفس الوقت أيضاً عمليات المد والجذر في التركيبة النفسية للإنسان، فالنفس الإنسانية تتأرجح بين القوة والضعف، بين الهمة والخمول، بين الالتزام والفوضى، بين الاستقامة والإلتواء، ولذلك على الإنسان السوي أن يعمل على إخضاع نفسه إلى حالة الاستضاءة بنور الالتزام والاستقامة حتى تقل المسافة بين حالات النفس المتناقضة، وبقدر ما تقل حالات التناقض في النفس الإنسانية، بقدر ما يصل الإنسان إلى خط النهاية الآمن، ألا وهو خط السلم والسلام، وقد عبر سماحة الإمام المجدد الشيرازي (ره) عن ذلك بقوله في كتابه القيم (السبيل إلى إنهاض المسلمين):

(إن الإنسان بطبيعته يغضب ويثور، ويذكر معايب الآخرين، ويدخل مع الناس في صراع وحقد وبغضاء وعداء ومقاطعة، وإن الإنسان مسالم حازم عاقل مفكر مدبر، فإذا لقن نفسه بهذا التلقين ليله ونهاره، وشهره وسنته فإنه يتطبع بطابع السلم)(8). وهذا يعني أن الذي يروض نفسه ويذللها أمام ما يواجهها من تناقضات، سيمتلك لاحقاً قوة المنطق، وبالتالي من يمتلك قوة المنطق سيتخلى عن منطق القوة والعنف.

وكما نلاحظ هناك ربط دائم في فكر الإمام الشيرازي بين النظرية والتطبيق، بين القول والعمل، لأن الغاية من الالتزام بمبدأ اللاعنف الذي طرحه سماحته هو التطبيق العملي بين أبناء الإنسانية في كل المجتمعات لا أن نلتزم به فقط من خلال عبارات جوفاء لا تجد لها ترجمة عملية على ارض الواقع.

فما الفائدة من حفظ العديد من الآيات القرآنية التي تحدد وتنظم العلاقات الاجتماعية إذا لم نعمل على تطبيقها في معاملاتنا مع ذواتنا ومع الآخرين؟

وبالتالي: ما الفائدة من حفظ قول الله سبحانه وتعالى:

(وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم) (البقرة: 237)

أو قوله: (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) (البقرة: 219)

أو قوله أيضاً: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) (فصلت: 34)

فما هي الفائدة المرجوة من حفظ كل هذه الآيات التي تدعو للعفو ونبذ الأضغان من خلال إنفاق العفو ومن خلال الدفع بالتي هي أحسن والتي تعني الكلمة الطيبة والسلوك الأخلاقي الراقي، إذا لم نعمل على ترجمة هذه الحقائق النظرية إلى ممارسات وسلوكيات عملية تتماشى بل وتتماهى مع الآداب الإلهية الواردة في محكم تنزيله الكريم؟؟

نعم، كل المسلمين يحفظون قول الله سبحانه وتعالى:

(يا أيها الذين آمنوا دخلوا في السلم كافة) (البقرة: 208) ولكن هل مجرد حفظ هذه الآية الواضحة في تأكيدها على نبذ العنف من جهة، وضرورة اعتناق مبدأ المسالمة واللاعنف من جهة أخرى، يعد كافياً لإحلال السلم والأمان في المجتمع ما لم نعمل جاهدين على تفعيل هذه الآية وأمثالها في نفوسنا من أجل تهيئة هذه النفوس للعمل على تطبيقها عملياً على المستويين الفردي والجمعي.

وقد حاول البعض الاستدلال بعدة آيات من القرآن الكريم من أجل إثبات شرعية العنف كالآيات التي تدعو إلى القتال والجهاد، ولكن الأمر ليس كما ذهب إليه هؤلاء الدعاة إلى العنف والقتال لأن تطبيق أحكام الجهاد والقتال في سبيل الله يخضع إلى شروط وقيود كثيرة وهي معروفة جيداً في كتب الفقه الإسلامي، وقد غاب عن أذهان أولئك المبررين للممارسات القتالية أن الكثير من آيات القتال واللجوء إلى العنف المسلح لم تأتٍ إلا في ظروف دقيقة وعلى درجة عالية من الخصوصية، وبعد استنفاذ كل الطرق والسبل السلمية لدفع ورد الأذى والضرر عن النفس، فالعديد من هذه الآيات الداعية للقتال وردت في موارد خاصة في حروب الرسول (ص) مع المشركين بعد أن أذن الله تعالى بالقتال ورفع الظلم الواقع على الرسول(ص) وعلى المستضعفين من أتباعه، فقال سبحانه وتعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير) (الأنبياء: 38) ومع ذلك لا يمكن الاعتماد عليها كمستند وكدليل على جواز استخدام العنف واللجوء إليه لأنها نزلت في ظروف خاصة، ولأنها من الموارد التي يتم فيها التعرض لدماء الناس وأموالهم وأعراضهم (9) ولذلك يرى الإمام الشيرازي في كتابه (الصياغة الجديدة) أن (الإسلام يجعل للحرب قيوداً وشروطاً مع أنه أوجب الجهاد الابتدائي أحياناً والدفاعي أحياناً أخرى، وإنما جعل هذه الشروط والقيود الكثيرة حتى لا تكون الحرب إلا بقدر الضرورة الشديدة، ثم إذا انتهت الحرب يعفو السلام، ويغفر ويطلق سراح المجرمين مهما وجد إلى ذلك سبيلاً)(10).

وقد لخص سماحته وجهة نظره عن هذه النقطة المهمة والمتعلقة بتحديد الخطوط العريضة مع (الآخر) في الدرجات العليا من التوتر ووقوع الظلم الأكيد والبالغ الأثر على الفرد أو حتى على المجتمع بأكمله في علاقته مع المجتمع الآخر القائم بعملية الظلم والعدوان بقوله: (الحرب ضرورة قصوى)(11) وغالباً ما كان الإمام الشيرازي يدعم رأيه بشأن القتال والحرب بقول الله سبحانه وتعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) فإن الظاهر من هذه الآية الكريمة أن القتال حالة طارئة وليس هو الحالة الطبيعية للإنسان، ولو كان الأمر كذلك لما قال الله سبحانه وهو كره لكم فالعنف المتولد عن الحروب لا يمكن أن ينتج في كثير من الأحيان إلا الكوارث النفسية والاجتماعية والبيئية والاقتصادية، وما كان الرسول (ص) الذي يمثل القدوة لنا، يقدم على حرب واحدة طيلة حياته الشريفة إلا بعد فقدان كامل الخيارات السلمية.

فالعنف الجماعي المتمثل بالحرب هو بالنسبة للإمام الشيرازي هو ظاهرة اجتماعية فاسدة تمليها الغرائز الدونية، وهي ليست أمراً طبيعياً في البشر، ولذلك، فالحرب المدمرة، ولو كانت حرباً دفاعية فهي الخيار الأخير.(12).

ولا ريب في أن الإمام الراحل (ره) قد أسهب كثيراً في ذكر الآثار السلبية التي يخلفها العنف وراءه على مستوى الفرد والجماعة، وقد استطاع سماحته أن يبرهن من خلال مؤلفاته القيمة على أن المتتبع للمردودات التي يولدها العنف على ساحة الصراع هي بمجملها مردودات محدودة الفائدة وقصيرة الأجل.

فالعنف لا يستطيع أن يحقق إلا نتائج واهية ومحدودة يتوهم فيها أصحاب العنف أنهم استطاعوا أن يحصدوا الغلال الوفيرة من بذار ممارساتهم الدمائية، ولكن ما أن يكتشفوا أن تلك الغلال التي حصدوها لم تكن إلا هشيماً تذروه الرياح، فعنذئذ ستسيطر عليهم موجات الإحباط وحالات اليأس والإنعزال والنظر إلى (الآخر) على أنه هو السبب في إحباطهم وفي زيارة فشلهم وفي تهديد هويتهم الفكرية، وهذا يعني أن سيف الإرهاب لا يستطيع الصمود طويلاً أمام الكلمة الطيبة، وهذا ام عبر عنه سماحة الإمام بقوله: (السيف يهرب من الفضيلة)(13).

والذي يدقق بإمعان في كتابات الإمام الشيرازي حول العنف والحرب والصراع السلبي بين الأفراد والمجتمعات، يستطيع أن يلاحظ بوضوح أن الإمام الشيرازي لا ينظر إلى العنف والى تلك الظواهر السلبية المرافقة له على أساس أنها أعمال عرضية وغريبة عن المبادئ الإسلامية فحسب، بل يرى سماحته أن الخطورة الحقيقية تكمن في جعل الإرهاب والعنف أنماطاً اجتماعية تنمو معها الأجيال جيلاً بعد جيل.

فعندما تكثر الأعمال الإرهابية والممارسات الدمائية في ظل مجتمع من المجتمعات، فإن أي حادث إرهابي أو أي مظهر من مظاهر العنف سيصبح لاحقاً ظاهرة طبيعية ومألوفة في ذلك المجتمع الذي اعتاد على العيش في تلك الأجواء المشمونة برائحة الدم وبسياسة العنف وغياب المسالمة على كافة المستويات السياسية والاجتماعية وحتى العقائدية أيضاً.

فالحروب الخارجية والحروب والفتن الداخلية التي تعشش في مجتمع ما لفترة لا بأس بها من الزمن ستولد بلا شك جيلاً مشوهاً فكرياً ونفسياً من الأطفال والشباب، وسيتحول العنف عندهم من ظاهرة خارجية غير مألوفة إلى حالة نفسية داخلية مألوفة، وسيتحول العنف أيضاً إلى أحد الأنماط الطبيعية في السلوك العام لأبناء ذلك المجتمع(14).

ولا نخفي عن القارئ سراً إذا قلنا أنه من الصعب علينا أن نحيط بكل أبعاد نظرية الإمام الشيرازي (ره) عن اللاعنف والمسالمة فهذه الصفحات القليلة لا يمكنها أن تغطي كامل جوانب نظريته المتكاملة، فقد كتب سماحته عن المبدأ والآليات والمفهوم والأقسام والآثار، بالإضافة إلى طرق وأساليب التطبيقات العملية لمبادئه النظرية.

وهكذا نرى أن الإمام الشيرازي قد أستطاع أن يكون علماً من أعلام الفكر والنهضة العالميين، ولا نبالغ إذا قلنا أنه لا يقل أهمية عن (المهاتما غاندي) بل ربما يكون أكثر أهمية منه لأنه قد صاغ نظرية متكاملة الجوانب وعميقة الأبعاد وملامسة بلطف لكل النفوس الإنسانية، لأنها تتماشى وتتفق معها في ضرورة السير على النهج القويم الذي يحرّم الدماء ويحظر العنف بكل أشكاله وامتداده، ويدلها بالحجة والبرهان إلى ضرورة العودة إلى تعاليم السماء، وبشكل خاص إلى (الإسلام) الذي نشتق منه (السلام) والى تعاليم رسول السماء (ص) وتعاليم أهل بيته (ع) المنزهين عن كل رجس وعيوب ونقائص.

ولا يسعنا إلا أن نقول: رحم الله الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي الذي نادى طوال حياته بنبذ العنف واعتناق السلام إلى أن جذر هذه الأفكار في نفوسنا وضمائرنا، نعم، لقد ظل سماحته ينادي بالمحبة والسلام إلى أن فاضت روحه الطاهرة وصعدت إلى جوار ربها لترقد بسلام.

 


(1) الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (إلى حكم إسلامي) مؤسسة الوفاء بيروت 1984 ص50.

(2) الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (الفقه المسائل المتجددة) ص215.

(3) الشيخ محمد تقي باقر (لا عنف عنوان المؤمن) منشورات المسلم الحر واشنطن ط1/2001م ص31.

(4) نفس المصدر السابق ص25

(5) الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (إذا قام الإسلام في العراق) مؤسسة المجتبى بيروت ط7/2002م ص21.

(6) الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (اللاعنف في الإسلام) مؤسسة المجتبى بيروت ط1/2002 ص9.

(7) الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (الفقه: كتاب الدولة الإسلامية) دار العلوم بيروت ط1/1410هـ مبح 102 ص67 68

(8) الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (السبيل إلى إنهاض المسلمين) مؤسسة الفكر الإسلامي بيروت 1992 ص172

(9) مرتضى معاش العنف وحركة التغيير النبأ العددان 21 22 بيروت /1419هـ ص20

(10) الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي الصياغة الجديدة مؤسسة الفكر الإسلامي بيروت ط3/1992 ص367

(11) نفس المصدر السابق ص367

(12) نفس المصدر السابق ص350

(13) لا عنف عنوان المؤمن مصدر سابق ص29

(14) لمزيد من التفاصيل عن فلسفة الإمام الشيرازي عن مبدأ اللاعنف، وعن الآثار السلبية التي تنتج عن استخدام بعض المجتمعات للأسلوب الحربي ولسياسات العنف، فليراجع القارئ الكريم الفصل الرابع (السلام) من كتاب (الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام) لسماحة الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (ره) ففي ذلك الكتاب ما يدل على موسوعية الإمام الشيرازي العلمية، وعلى نفاذ وعمق بصيرته في فهم حقائق الأمور ودقائقها.

 
  الصفحة الرئيسية التاريخ يصنعه العظماء