الصفحة الرئيسية التاريخ يصنعه العظماء

 

شذرات من أفكار الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) من خلال كتاب الرأي العام وسُبل توجيهه

 

نقرأ في كلمة الناشر إشارات مباشرة إلى واقع حال الأفكار المتصارعة في هذه المرحلة التاريخية التي تتداخل فيها أمور كثيرة تأخذ سعة هنا واقتضاب هناك إذ جاء منها:

(إن الظروف العصيبة التي تمر بالعالم..

والمشكلات الكبيرة التي تعيشها الأمة الإسلامية..

والمعاناة السياسية والاجتماعية التي تقاسيها بمضض.. وفوق ذلك كله الأزمات الروحية والأخلاقية التي يئن من وطأتها العالم أجمع.

والحاجة الماسة إلى نشر وبيان مفاهيم الإسلام ومبادئه الإنسانية العميقة التي تلازم الإنسان في كل شؤونه وجزئيات حياته وتتدخل مباشرة في حل جميع أزماته ومشكلاته في الحرية والأمن والسلام وفي كل جوانب الحياة..

والتعطش الشديد إلى إعادة الروح الإسلامية الأصيلة إلى الحياة، وبلورة الثقافة الدينية الحية، وبعث الوعي الفكري والسياسي في أبناء الإسلام كي يتمكنوا من رسم خريطة المستقبل المشرق.

وذلك انطلاقاً من الوحي الإلهي القائل..

وتطبيقاً عملياً وسلوكياً للآية الكريمة: (فبشر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب) سورة الزمر: 18.

ونقرأ في محور الرأي العام في التاريخ ما تختزنه الذاكرة البشرية عن الكيفية التي انبثق عنها الرأي العام وتحريك مكوناته الآخذ بالاعتبار أن كل جديد يصبح قديماً لكنه مرهون بالتطور للانبثاق من جديد بصيغ أخرى بحيث تستكمل حلقة اليوم في الطرح قوتها في حلقة سابقة مناسبة حيث الكلمات:

المتفحص لتاريخ الشعوب: يجد بأن للرأي العام تأثيراً كبيراً في مدى استقلالها وحريتها، حيث أغلب شعوب العالم مرت بظروف قاسية، وامتحانات واختبارات كثيرة، فبعضها اجتاز هذه الاختبارات وتخطى الصعوبات بنجاح باهر، والبعض الآخر كانت نسبة نجاحه أقل، وبعضها فشل فشلاً ذريعاً، وإذا راجعنا الأمور وتحرينا الأسباب، فسوف نجد للرأي العام تأثيراً بالغاً في مثل هذه النتائج، بل هو الذي يحدد هذا التأثير أحياناً كثيرة.

فالشعب الذي يريد أن يعيش بحرية وأمان واستقرار، يلزمه أن يوحد آراءه، ويحدد برنامج عمله بصورة جيدة، فإذا استطاع توحيد الرأي العام، ونشر الوعي بين الأفراد، فعند ذلك يصبح الرأي العام كالسيل الجارف، الذي لا يقف أمامه شيء من أشكال القوة والظلم، بل يكتسح كثيراً من الصعوبات التي تقف أمامه بفعل التجارب.

والتاريخ يذكر لنا من هذه النماذج الشيء الكثير، فالشعب الجزائري عندما أراد الحرية حشد الرأي العام، وقام قادة الحركات بتوعية واسعة داخل المجتمع، ووضعوا خطة منظمة للعمل، وعند ذلك قاموا بالثورة فلم تستطع فرنسا بقوتها في ذلك الوقت أن تقف أمام الشعب، واختارت الانسحاب بعد تكبدها خسائر فادحة، وغاندي(1) أيضاً أستطاع أن يوحد الرأي العام في الهند، ووقف بوجه أكبر إمبراطورية في عهده، إلى أن نال الشعب الهندي استقلاله وحريته من بريطانيا العظمى، التي كانت تحكم الهند ثلاثمائة سنة.

وفي الطرف المقابل نجد أن الشعوب التي ظلت ترزح تحت الاستعمار، أو تسلط حكام ظالمين عليها، أغلب هذه الحالات حصلت غالباً نتيجة لعدم تكاتف الرأي العام وتفرقته بحيث أتاح الفرصة للاستعمار وعملائه للسيطرة على مصير هذه الشعوب، فلو تكاتفت هذه الشعوب واتحدت لما سيطر عليهم الاستعمار... ولما تسلط الحكام المستبدين على مقدرات المسلمين هنا وهناك.

فعلينا والحال هذه أن نستفيد من عبر وتجارب الشعوب على مر التاريخ، وفيما نعيشها في الوقت الحاضر، ونعمل على توجيه الرأي العام في منطقتنا الإسلامية وتوحيده، بنشر الوعي بين الجماهير، ونستعد لمقاومة الاستبداد والظلم ورموزها وطردها من بلادنا، فعند ذلك لا تستطيع أية قوة الوقوف بوجهنا، وسوف نحطم جميع القيود التي فرضها علينا الاستعمار نتيجة تفرقتنا وتشتتنا..

كما نقرأ في محور الرأي العام وأقسامه فعل الرأي العام المتوقع بحالتيه الإيجابية أو السلبية ومدى تعلق ذلك بضرورة الانتباه لاسترداد أي حق إلى أهله بصور سلمية بعيداً عن اقتراف أي ذنوب لا يرضاها الله عز وجل. إذ تتجلى بذلك الكلمات التالية:

للرأي العام معاني عديدة أقربها:

هو موقف جماعة من الناس تجاه قضية معينة، سلباً أو إيجاباً، كانتخاب رئيس دولة، أو مجلس استشاري، أو تجاه مشكلة ما، كالفقر أو الاستبداد، أو حادثة ما كالكوارث الطبيعية، أو البشرية كالحروب وغيرها.

والرأي العام على قسمين:

1- رأي عام هادف وسليم (إيجابي)

2- رأي عام فوضوي (سلبي) وكلا القسمين نتاج جملة من الأسباب والمسببات، نشير إلى بعضها باختصار.

الرأي العام الهادف

هذا الرأي هو نتاج عاملين مهمين: (الوعي والتنظيم) متى ما وجدا في المجتمع كان الرأي العام في هذا المجتمع هادفاً وسليماً، فالمجتمعات الواعية المنظمة إذا أريد رأيها في مسألة ما كانتخاب مجلس شورى، أو حتى مدير مؤسسة مثلاً، فإن هذا الرأي يكون غالباً موفقاً ومطابقاً لما ينبغي.

ولكن السؤال الذي يطرح هنا هو:

كيف يمكن أن نحصل على رأي هادف وسليم؟

لإيجاد رأي عام هادف وسليم لا بد من توفر جملة من العوامل منها: إرشاد وتوجيه الناس إلى كافة الأمور التي يعيشونها، أو التي تحيط بهم، سواء كانت دينية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، وذلك عبر العلماء والمثقفين، الذين لهم إطلاع في هذه الأمور.. ولا يتم ذلك إلا بعمل جملة من الأمور من باب المقدمة لهذا العمل، منها:

أولاً: دراسة المجتمع دراسة موضوعية، ودراسة الأفكار التي يعتنقها المجتمع، ودراسة الحالة العامة للمجتمع اقتصادية، سياسية، اجتماعية، ودراسة التيارات الفكرية المعاصرة وما إلى ذلك.

ثانياً: تشجيع وتحفيز كل العوامل الإيجابية في المجتمع، وتقويم وتصحيح السلبيات فيه.

ثالثاً: إعداد خطة متكاملة لهذه المهمة، متكونة من الكوادر الكفوءة، والوسائل المتطورة، وتكون الكلمة الحجر الأساسي في نجاح هذه المهمة، فالكلمة الهادفة سواء كانت نابعة من قلم كاتب، أو فم خطيب، أو من جهاز مرئي أو مسموع، أو عن أي طريق كان، تعد مصدراً هاماً لإزالة العديد من عوامل التخلف في المجتمع، وغرس عوامل التطور والازدهار محلها..

كذلك نقرأ من محور الإعلام والرأي العام عما تؤدي إليه حالة تسميم الأفكار والطروحات من نتائج لا تحمل عقباها على مستقبل المجتمع وما سيؤول إليه مصيره، ومن ذاك هذه الخلاصات المجربة:

(الإعلام في اللغة(2): هو الإخبار، أما اصطلاحاً فله عدة تعاريف منها:

أنه أسلوب منظم، يستخدم للتأثير على جهة ما، في سبيل زرع أو دعم أو إزالة فكرة أو عمل ما..

وعرفّه البعض: أنه الأسلوب الذي يحرك التفكير، ومكامن الإحساس.. ويهز الشعور.. بقوة تتناسب مع قوة التأثير، وعظمة الدعوة. ومما لا شك فيه أن للإعلام دوراً فعالاً في صناعة الرأي العام، خصوصاً في عالمنا اليوم، حيث يحتل أهمية بالغة، ويعد أحد المرتكزات الأساسية في صناعة القرار والتحكم في آراء الناس وكسب عواطفهم لذا نجد أغلب الدول المتطورة، وكذلك المؤسسات والمكاتب الكبيرة قد أولته أهمية كبيرة وخصصت له ميزانية ضخمة..

 


(1) مهانداس كرامشاند (1869 1948م) فيلسوف ومجاهد هندي، اشتهر بلقب (المهاتما) أي النفس الزكية، دعا إلى تحرير الهند من الإنكليز بالطرق السلمية والمقاومة السلبية بعيداً عن العنف، وكان سلاحه الأقوى الإضراب عن الطعام، أدت جهوده الى استقلال الهند (1947م) اغتاله براهماتي متعصب، كان غاندي من أبرز دعاة السلام المشهورين في العالم. المنجد في الأعلام، حرف (غ).

(2) أنظر لسان العرب: ج12 ص416 مادة (علم).

 
  الصفحة الرئيسية التاريخ يصنعه العظماء