الصفحة الرئيسية التاريخ يصنعه العظماء

 

المفهوم الحضاري في فكر الإمام الشيرازي (قده)

رفعت المحمد

تعرّف الحضارة بأنها أرفع تجمع ثقافي للبشر وهي أشمل مستوى للهوية الثقافية لا يفوقه من حيث تحديده للهوية الثقافية إلا الذي يميز الإنسان من غيره من الأنواع الأخرى، ويمكن تحديدها أو تعريفها بكل العناصر الموضوعية مثل اللغة والتاريخ والدين والعادات والتمايز الذاتي للبشر.

وهي: الدرجة العليا من تباين الوجود الإنساني، وهي ذلك الشيء القادر على إلغاء التناقضات القائمة ما بين المجموعات البشرية ذات الانتماء العرقي والثقافي المختلف، وكذلك بين الشعوب المتطورة وغير المتطورة وبين ماهية السلطة والحاجة إلى نظام عام وهي تتضمن في داخلها الأبعاد التاريخية للواقع وهي التي تعالج قضية الاستخلاف والتعاقب(1).

والحضارة تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذٍ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها.

إن الحضارات الإقليمية تمتاز بعمليات تكامل وعمليات تنافس ويمكن تقييم أي حضارة إقليمية انطلاقاً من:

ـ مكانة الفرد ضمن الجماعة.

ـ عملية الارتباط بالحياة.

ـ مبدأ قيام السلطة ومستوى تغلغل الدين وتأثيره في أمور الحياة العادية والاجتماعية والثقافية.

إن الحضارة الإسلامية هي حضارة رائدة وفق كل هذه المقاييس حيث اعتنى الإسلام بكل مبدأ من هذه المبادئ، ولنستعرض ذلك معاً مستنيرين بفكر الإمام الشيرازي (قدس سره):

ـ إن مفهوم الإنسان في الإسلام ينطوي على كثير من الاحترام والتقدير والإكرام ألم يخلق اللهُ الإنسانَ في أحسن تقويم؟! ثم ألم يسخر الله له الكواكب والنجوم والمياه والنبات والرياح؟!

ألم يدعو الإسلام إلى الوحدة الإنسانية وجعل أساس تكريم المرء مدى قربه من الله وعرفانه بعظمة خلقه (إن أكرمكم عتد الله أتقاكم).

لقد أفرد الإمام الشيرازي في كتابه الاجتماع جزءاً كبيراً للتحدث بالتفصيل عن الشخصية الفردية والاجتماعية وأولاها أهمية فائقة ودعا إلى الارتقاء بمستواها، من خلال الاهتمام بالبيئة المحيطة بها وتحسين وضعها المعيشي والتعليمي فالسيد الشيرازي يبين أن الوضع المعيشي يضع الإنسان دوماً في دائرة التوتر والقلق وإثارة الأعصاب وهذا ما يصعّب عليه الاحتفاظ بتوازنه الأخلاقي، ويقول: الفقر والحرمان والضغط الاجتماعي الوارد على الفقير يوجب انحرافه وسقوطه في الرذيلة، ولذا يكون أكثر السجناء ونزلاء دور البغاء والمتعاطين للشذوذ الجنسي وما أشبه، من الفقراء(2).

كما أن الإمام يُرجع أصل نزوع الإنسان إلى الانخراط في السلك الاجتماعي إلى الجانبين الجسدي والنفسي حيث إن (الإنسان يستأنس بالإنسان، ويستوحش لفقده ويؤثر في الإنسان الآخر سواء كانا فردين أو مجتمعين، أو بالاختلاف والتأثر والتأثير، قد ينتج الإيجاب الترابط وقد ينتج السلب بالتدابر)(3).

ـ من ناحية الارتباط بالحياة فإن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان مرتبطاً بالكون والطبيعة، ومرتبطاً أيضاً بالشريعة، والشريعة هي القانون الأعلى، كما أن سنن الله تعالى هي سنن في الطبيعة، وسنن في الشريعة، والإنسان ببدنه وروحه ليس بخارج عن هذه السنن، فالبدن يعمل بإرادة الله تعالى، وشأنه في ذلك شأن الشمس والقمروالنجوم التي تجري وفق سنن لن تتبدل، ولن تتحول أبداً ولكن روح الإنسان وعقله مرتبطان بسنن الشريعة، أي القانون الذي يسير وفقه الإنسان كإنسان، وهو الذي يفرز إنسانية الإنسان(4).

كما أن على الإنسان أن يحقق توازن ما بين حياته اليومية وتفصيلاتها وبين تطلعه إلى كسب رضا الله والعمل وفق الشريعة السليمة، إن الإمام علي عليه السلام قد دعا إلى تحقيق هذا التوازن من خلال قوله:

إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، وإعمل لآخرتك كأنك تموت غداً.

لقد وضع الدين الإسلامي الحنيف أنظمة وقوانين مستوعبة لسائر شؤون الحياة الإنسانية، من كافة الجهات والجوانب، دون أن يغفل أو يغمط حق جانب منها، أو يركز على جانب ويهمل آخر، لينشئ منظومة تامة البناء، واضحة المعالم، متراحبة الآفاق، لا تبلى، ولا تتعطل، مهما تقادم بها الزمن، أو اختلفت العصور والأمكنة، لأنه بمجموع أحكامه وقواعده صادر من قبل الباري تعالى الذي يعلم السر وأخفى..

والإسلام إنما وضع قوانينه لأمور ستة:

1 ـ علاقة الإنسان بربّه.

2 ـ علاقة الإنسان بنفسه.

3 ـ علاقة الإنسان بالإنسان.

4 ـ علاقة الإنسان بالحيوان.

5 ـ علاقة الإنسان بالنبات.

6 ـ علاقة الإنسان بسائر الأمور الطبيعية المخلوقة في الكون(5).

ـ من ناحية قيام السلطة لم يختلف اثنان في أمر كاختلافهما في السلطة وشؤونها وتفاصيلها وكيفية الوصول إليها، ولم ترق الدماء في شيء كإراقتها فيها، هذا الاختلاف الذي امتد إلى أعماق التاريخ البشري، ولم يحسمه أي شيء ذلك لأنه لا يوجد شيء يؤمن المصالح ويرضي حب الاستعلاء كالسلطة مهما كانت الصور في أي زمان ومكان.

فلن ترى وعلى طول الخط الكثيرين يتهافتون عليها، ويعرضون أنفسهم للخطر الشديد، وإن وصلوا إليها يتذرعون بمختلف الحجج ويستخدمون جميع الوسائل المتاحة المشروعة وغير المشروعة للحفاظ عليها والبقاء أطول فترة ممكنة فيها، فكانت الديكتاتوريات التي تلجأ إلى التنكيل بالمخالفين وتصفيتهم أو التضييق عليهم بمختلف السبل من جهة، وفسح المجال للمتزلفين والمصفقين وجيش من المرتزقة من جهة أخرى، مما يجر الويلات على المجتمع.

ولذا لزم في السلطة أن تكون معصومة من المعصية والخطأ والزلل فكانت للأنبياء ومن بعدهم للأئمة عليهم السلام حيث أن عصمتهم تمنع من التجاوز والمخالفة بل وحتى الخطأ.

وفي غياب السلطة المعصومة فالأمر يصبح بحاجة إلى ضمانات محكمة وبناء مرصوص غير قابل للثغرات يكبح جماح نزوات النفس ويمنع من تحول السلطة إلى أداة ترضي شهوات ونزوات الديكتاتور.

ومن هنا نشأت فكرة الديمقراطية القاضية بأن تكون سلطة الشعب للشعب بواسطة انتخاب السلطة عبر مشاركة جميع فئات المجتمع ثم رقابة المجتمع على تصرفاتها وعزلها إن خالفت القوانين الموضوعة.

ولكن هناك الثغرات في أصل فكرة الديمقراطية أو في طريقة تطبيقها خاصة في مجتمعنا، ولهذا فقد أوجد الإسلام الطريق الأسلم والخالية من الثغرات وهي طريقة (الشورى) التي اقرها القرآن الكريم (وأمرهم شورى بينهم) والتي تستوعب جميع محاسن الديمقراطية، دون سلبياتها وهو ما يتطلب جهداً كبيراً لأن تطبيق النظام الإسلامي الحائز على رضا الله ورضا الناس ليس بالأمر الهين، بل تقف دونه عقبات داخلية وخارجية، منها عدم فهم الرؤيا الإسلامية الواقعية للحكم، مما يتطلب دراسة الإسلام من جهة آرائه في القضايا السياسية وغيرها وينبغي أن يقوم بالدراسة الفقهاء والأخصائيون حتى يتوصلوا إلى النموذج الأمثل للقانون الإسلامي الذي يجمع بين الأصالة وعدم التفريط بها، وبين التحديث الذي هو لازم لمواكبة العصر، فكما أن الفقه في العبادات والمعاملات تطور، فكذلك هو بحاجة إلى التطوير في الجهات الأخرى(6).

إن الإمام الشيرازي من خلال رؤياه الحكيمة اعتبر أنه من أوجب الضروريات على كل مسلم إعادة حكم الإسلام، وسيادة المسلمين وعزتهم، العمل على إزالة القوانين المنافية للإسلام: والمعيار في القوانين الإسلامية هو الأدلة الأربعة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل(7). والخبراء الذين يفهمون هذه المصادر الأربعة، هم الفقهاء العدول الذين قال الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام عنهم إنهم خلفاؤه، كما رواه الشيعة والسنة عنه، فقال صلوات الله عليه وآله وسلم: اللهم ارحم خلفائي، قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: يأتون من بعدي ويروون حديثي وسنتي(8).

وفيما يلي بعض الأحاديث التي تشيد بالعلماء العدول وأنهم هم المرجع في كل شيء على أن يعملوا بالشورى حسب ما قرره الإسلام، فعن الإمام الباقر عليه السلام قال: من عمل من الناس بغير علمٍ ولا هدى من الله، لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزرٌ من عملٍ بفتواه(9).

وعن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلوات عليه وآله وسلم: يعذب الله بعذاب لا يعذب به شيئاً من الجوارح، فيقول: أي رب عذبتني بعذاب لم تعذب به شيئاً!، فيقال له: خرجت عنك كلمة فبلغت مشارق الأرض ومغاربها، فسفك بها الدم الحرام، وانتهب بها المال الحرام، وانتهك بها الفرج الحرام، وعزتي لأعذبنك بعذاب لا أعذب به شيئاً من جوارحك(10).

ويدرك الإمام الشيرازي أن تبديل قوانين الشرق والغرب التي غزت بلاد الإسلام بقوانين الإسلام، أمر صعب من ناحية الاستنباط، ومن ناحية التطبيق، لأنه قد حدثت في الاجتماع الإنساني متغيرات كثيرة كلها بحاجة إلى استنباط أحكامها من الأدلة الأربعة.

كما أن وضع قانون السماء مكان قانون الأرض أمر يحتاج إلى المزيد من الدراية والخبرة، لئلا تحدث الفوضى في المجتمع، فاللازم أن يستعين مجلس الشورى الإسلامي بمئات الخبراء والفنيين، في مختلف مجالات الحياة، وبمئات العلماء الراشدين الفاقهين للدين عن اجتهاد واستنباط، فيقسم المجلس إلى لجان لجنة للشؤون الاقتصادية، ولجنة للشؤون الزراعية، وأخرى للشؤون التجارية، ولجنة للشؤون العسكرية، ولجنة للشؤون الثقافية، وهكذا(11)..

إن المهام الملقاة على هذه اللجان جسام خاصة في مواجهة العولمة التي أصبحت عنواناً بارزاً وقولاً شائعاً وجوهرياً في مختلف أصناف العلوم الاجتماعية، وباتت شعاراً يتغنى به أرباب وخبراء أكبر الإدارات السياسية والاقتصادية في العالم.

إن العولمة دعوة لتحويل العالم باختلاف نظمه الاقتصادية والسياسية والثقافية وحتى الروحية، إلى قرية صغيرة يحكمها نظام واحد بأسلوب سياسي واحد ونهج اقتصادي واحد وتحت ظل ثقافة وأيديولوجية واحدة.

ويرى سماحة الإمام الراحل (قده) في كتابه القيم (فقه العولمة) أن: العولمة الصحيحة هدف إنساني لا غنى عنه إلا بنشره وتعميقه، ولا طريق للإنسانية أمامها إلا بالدخول فيها والانتماء إليها. وهو يحذر من الخلط ما بين العولمة والأمركة إذ يقول: لا يخفى أن العولمة الغربية باللغة العصرية وبالمفهوم المعاصر أصبحت بمعنى (الأمركة)، وهي تعني سيطرة الغرب وهيمنته، والتحكم والتلاعب بالسياسة والاقتصاد، وفي مختلف البلاد والعباد، بل قد أخذت تمتد وتمتد لتطال ثقافات الشعوب بأجمعها، وتنال من الهوية الوطنية بأسرها، إنها طفقت تسعى جادة إلى تعميم أنموذج من السير والسلوك، وأنماط من الأخلاق والآداب، وأساليب من العيش والتدبير تتوافق مع الثقافة الغربية وتنسجم مع ميول المستعمرين لتغزو بها ثقافات مجتمعات أخرى(12).

وفي الوقت ذاته يطرح سماحته مفهوم العولمة الإسلامية كبديل قوي وصحيح للعولمة الغربية:

الإسلام هو أول من طرح فكرة العولمة الصحيحة، وأول من أقام صلبها بنظام اقتصادي سليم، وأول من جاء بمستلزماتها ومقوماتها، وأول من رصّ أسسها وأحكم قواعدها، وقد طبق الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله وسلم العولمة الصحيحة التي جاء بها الإسلام، وحقق نظامها الاقتصادي السليم، وسعى لتبيينها وتحديد مسارها ومعالمها(13).

وفي النهاية نجد  أنفسنا أمام رائد في الإصلاح والتجديد وعالم جليل كرّس حياته للعلم وتوظيف هذا العلم في حياتنا اليومية وإجلاء صورة الإسلام وإظهار مرونته وقدرته على التكيف مع متغيرات الحياة اليومية وشموليته كنظام يصلح لكل زمان ومكان.

  


(1) الإسلام الثابت الحضاري والمتغيرات السياسية، ألكسي مالاشينكو، ترجمة: د.ممتاز الشيخ.

(2) دراسات في فكر الإمام الشيرازي، إياد موسى، المسلم الحر ـ واشنطن، ط3/2001، ص344.

(3) الاجتماع، الإمام الشيرازي، ج1 ص39.

(4) من كلمة الشيخ المهاجر في مهرجان الإمام علي (ع)، مجلة النبأ، العدد 63،شعبان 1422هـ، ص198.

(5) بين شرع الله والقوانين الأرضية، من هدي المرجعية، مجلة النبأ، العدد 62، رجب 1422هـ، ص62.

(6) كيفية تطبيق النظام الإسلامي، جعفر الشيرازي، مجلة النبأ، العدد 62، رجب 1422هـ ص61.

(7) المرجع رقم (5) ص71.

(8) الوسائل: ج18 ص66 ح53 ب8، معاني الأخبار ص374.

(9) الوسائل ج18 ص89 ح1، الكافي: ج1 ص33 ح3.

(10) الوسائل: ج18 ص10 ح4.

(11) المرجع (5) ص 72.

(12) الإمام الشيرازي، فقه العولمة، ص313.

(13) المصدر السابق ص46.

 

 
  الصفحة الرئيسية التاريخ يصنعه العظماء