{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً}

سورة الفرقان- الآية:30

عندما استمع الى تجارب من آمن بالدين الإسلامي، من ملحدين او مسيحيين او غيرهم من اصحاب المدارس الفكرية او الطوائف الدينية من خلال القرآن الكريم، أشعر بالأسى قبل الفخر باضافة رقم جديد على أعداد المسلمين في العالم، باننا نقرأ كتاب الله المجيد بعقلية التخلّف العالقة في انفسنا، بينما الآخرون يقرأونه بروح شفافة وعقول متفتحة فيكتسبوا رؤى مدهشة من بعض دلالات الآيات الكريمة –وليس كلها- فلا يجدوا مناصاً من الانحناء أمام كلام الله –تعالى- والاذعان بأحقية الإسلام في قيادة الحياة.

يمتاز الغربيون –على الاغلب- في ثقافتهم العلمية باعتمادهم مبدأ السؤال؛ لماذا؟ للوصول الى الحقائق، او تفسير الظواهر في الحياة.

أحدهم؛ وهو عالم الرياضيات الاميركي، والاستاذ في الجامعة؛ جيفري لانغ، يتحدث بشكل ممتع عن مصادفته لنسخة من القرآن الكريم على طاولته تركها أحد افراد أسرته، ثم يتصفح بداياته في سورة البقرة، ليقرأ الحديث عن بداية خلق الانسان، ثم يتسائل فجأة عن سبب إعطاء القدرة للانسان لارتكاب الخطأ والمعصية، ولماذا سلّط عليه ابليس؟ ثم يُردف بالقول: "وأنا اتساءل، وجدت الآيات التالية تجيب عما يجول في خاطري من الاسئلة، وهي أن الانسان خُلق عاقلاً وعالماً، بل وقادر على التعلّم، وإذن؛ فهو صاحب إرادة وحرية في اختيار طريقه بالحياة".

أما نحن؛ فبدلاً من استنطاق القرآن الكريم والاستضاءة بنوره، ننكفئ على انفسنا متشرنقين بأسئلة فيما بيننا وبين انفسنا عن قدرتنا على الفهم من عدمه؟ أو كيفية ايجاد المصاديق العملية لما يفيد الواقع الحاضر؟ فيما يخوض البعض الآخر في دوامة تعريف القرآن الكريم ثقافياً، وهل هو كتاب أوامر ونواهي، وترغيب وترهيب؟ أم يحمل هوية أخرى؟

حالة الاضطراب والقلق والخوف من اعتماد القرآن الكريم قاعدة للبناء الثقافي والفكري للشريحة المثقفة تعود الى اسباب عدّة نرصد اثنين منها:

الاول: مخافة الفشل

هي حالة نفسية متأصلة إزاء أي شيء بالحياة قبل ان تكون مرتبطة بمسألة عقدية، وبالاساس لا يرتاح الانسان كثيراً من أن يعلمه أحد أو يرشده ويصوّب طريقه، لاسيما اذا كان في مرحلة عمرية مع شيء من العلم والمعرفة، يضاف اليه كمية لا بأس بها من نزعة الاعتداد بالنفس مهما فعل، ومن ثم فهو موطنٌ نفسه مسبقاً بعدم الوقوع في الخطأ او فشل في عمل ما، فهو إما ينجح، أو لا يقوم بأي عمل!

وهذا يجري في أبسط أمور الحياة، فكيف اذا تعلق الأمر بكلام مقدس مثل القرآن الكريم، وهو كلام الله –تعالى-! فيعلل البعض اعتماده الفكر البشري بالقابلية على التطور والمرونة والنقاش مع الزمن، ولا ضير من الخطأ في نظرية ما او فكرة معينة، بالنتيجة؛ هي قراءات واستنتاجات توصل اليها اصحابها في ظروفهم الزمانية والمكانية، فاذا فشلنا في فهم هذه النظرية او تلك، لن تترتب احكاماً قاسية وتبعات شديدة كما يحصل في الفهم الخاطئ لهذه الآية او تلك، لسبب بسيط أولي؛ اتهام صاحبه بتوظيف المقدس لفرض رؤاه على الآخرين، وربما يصل الامر الى اتهامات خطيرة، أو الوقوع في مطب صياغة نمط للحكم يتعكز على القرآن يقضي بالتحكم بالمصائر والدماء.

هذه المخاوف تسقط وتفقد مبرراتها من جهتين؛ الاول: من القرآن الكريم نفسه اذا فتحنا صفحاته وقرأنا لفظة "المبين" غير مرة في سور عديدة تؤكد أن القرآن "كتابٌ مبين" وأنه {تبيان لكل شيء}، يكفي التدبّر في الآيات كما أمرنا الله –تعالى- بقلوب سليمة وغير مُقفلة {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}، والنظر في أبسط الأدوات المتاحة وهي الامثال الجميلة والرائعة والتي "تقوم بدور ايضاح الحقيقة وتقريبها للفهم، ومن ثم عدم نسيانها، ومن خلال فهم الامثلة القرآنية وفهم الحقائق المتصلة بها يستطيع الانسان ان يكون حكيماً". فثمة امكانية لاستفادة كبيرة جداً من الكتاب المجيد تفوق حدود التنظير الى مستوى الكلام الحكيم الأقرب الى واقع الحياة والانسان، ومن ثمّ يكون الأقرب الى تحقيق الفائدة للناس.

هذا ما يتعلق بالقرآن نفسه، والجهة الاخرى النافية لمبرر المخاوف؛ العودة الى الراسخون في العلم ممن حدد مواصفاتهم القرآن الكريم نفسه، وحدد هويتهم، وفي المقدمة؛ أمير المؤمنين، والأئمة من بعده، فهؤلاء هم القرآن الناطق، وقد نبأ رسول الله، أمير المؤمنين، بأنك "ستقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل"، وهذه العلاقة العضوية هي التي جعلت الأئمة المعصومين مناراً للفكر والعلم والمعرفة على مر التاريخ يشهد لهم أهل العالم وما يزالون.

الافكار المسبقة

عندما تريد أن تتدبر في القرآن الكريم يُحسن بك الجلوس أمامه مفتوحاً كما لو أنك تجلس متواضعاً أمام معلم كبير".

بهذا الوصف الجميل عبّر أحد أعزّ الاساتذة في درس التدبّر بالقرآن الكريم عن الخطوة الاولى لاستنطاق هذا الكتاب السماوي والتبصّر به، بالتجرّد عن الافكار والمؤثرات خلال قراءة الآيات، للوصول الى الدلالات والحقائق بشكل أكثر دقّة، سواءً؛ ما يتعلق بالأحكام، او بالعقيدة، أو بالأخلاق أو النظام الاجتماعي، ولصعوبة تخلّي الكثير عن خلفياتهم الفكرية والثقافية فان محاذير الاقتراب من معاني ودلالات الآيات القرآنية يكون أكثر شدة، ولدى البعض يمثل أمراً مطلوباً يفوق أهمية الاهتداء بالقرآن في الحياة! متعكزين على الحديث النبوي المشدد على أن "من فسر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب"، بيد أن العلماء المتأخرين، وبفضل اجتهادهم وتعمقهم؛ وضعوا الحدّ الآمن بين التفسير بالرأي وبين التدبّر الموصى به في القرآن. فالتفسير بالرأي ناشئ من فرض تصور ذهني يلبي حاجة خاصة لفرد او جماعة، وهو ما يبعد صاحبه عن المقاصد الحقيقية لكلام السماء وما يريده الله –تعالى- تحديداً. بينما التدبر هو الاحتكام الى العقل والقلب السليمين في عملية اكتشاف الحقائق والحصول على الاجابات، والفرق واضح جداً؛ فالعقل يدعو للثوابت، بينما النفس تنزع للتغيير باستمرار.

وبما أن العقل نورٌ موهوب من الله –تعالى- لنا، الى جانب نور الوحي (القرآن الكريم)، لن تكون لنا حاجة بعد هذا بأي مسبقات فكرية او انتماءات من شأنها تعطيل دور العقل، ثم تهميش دور الوحي (القرآن الكريم)، مع إتاحة الفرصة لنا للاستفادة القصوى مع أقل قدر ممكن من الاخطاء والزلات، "فكلما استضاء العقل بالقرآن، كلما أفصح عن نفسه، وكلما تدبّر القارئ في آيات الله، كلما أعطى الفرصة لعقله بالظهور، فلا يفهم القرآن دون العقل، ولا يمكن للعقل أن يتبلور دون القرآن، وإن الجسر الرابط بين العقل والقرآن هو عملية التدبر والتفكّر والتأمل".

إتقان اللغة العربية والخلفية الدينية والثقافية وغيرها من المؤهلات تجعلنا أمام استحقاق كبير لصياغة الحلول والبدائل لمئات القضايا العالقة من خلال التدبّر بالقرآن الكريم والتأمل في آياته، وهي مؤهلات يفقدها المفكرون والباحثون غير العرب، وغير المسلمين، فهي نعمة عظيمة تمكننا من تجاوز الافكار الجاهزة والقادمة من الخارج وصياغة أفكار من صميم الواقع الذي نعيشه، تحاكي المعاناة والحاجات والتطلعات.

اضف تعليق