الإمام العاشر أبو الحسن علي الهادي (ع) لقد قيل ان الإمام الهادي (ع) ولد في ذي الحجة سنة 212 وقيل في رجب سنة 214 وقيل غير ذلك، وكان مولده في ضاحية من ضواحي المدينة في ضيعة تدعى صربا على ثلاثة اميال من المدينة اسسها جده الإمام موسى بن جعفر.

وقد نص على امامته ابوه قبل وفاته كما كان يصنع كل امام بالنسبة الى خليفته بالاضافة الى النصوص العامة عن طريق النبي على امامة الاثني عشر بأسمائهم.

لقد انصرف الإمام أبو الحسن عن السياسة والسياسيين كآبائه الى خدمة الإسلام عن طريق الدفاع عن اصوله ونشر فروعه، فناظر المشككين والملحدين وأجاب على اسئلتهم بالاسلوب الهادئ الرصين المدعوم بالحجة والمنطق، ولم يجتمع إليه احد من اولئك المشككين الا وخرج مقتنعا مؤمنا يقول: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته، وفيما يعود الى التشريع كان الرواة والعلماء يراجعونه فيما يشتبه عليهم عن طريق الكتابة، ولعل مرد ذلك الى ان محدثي الشيعة الذين كانوا يتدارسون فقه الأئمة ومروياتهم قد انتشروا في طول البلاد وعرضها وكان لمدينة قم النصيب الأكبر من اولئك الرواة ومن مؤلفات اصحاب الصادقين (ع).

هذا بالإضافة الى ان السلطات الحاكمة كانت تضيق على الأئمة وتراقب جميع تصرفاتهم وتحركاتهم، وقد فرضت عليهم الاقامة الجبرية في عواصم الحكام للحد من التجمعات حولهم، بل ومن الاتصال بهم، لذا فان الرواة والعلماء كانوا يتصلون في الغالب بالأئمة الثلاثة الجواد والهادي والعسكري بالمراسلة ويجد المتتبع لكل واحد منهم عشرات المرويات بهذا الطريق في مختلف الابواب والمواضيع الفقهية، وقد عرضنا بعض الأمثلة من المكاتبات التي كانت ترد على أبيه خلال حديثنا عن سيرته، وسنعرض بعض الأمثلة من الرسائل التي وجهت إليه أيضا، وممن عاصروه‏ من الرواة وأخذوا عنه.

فمن ذلك ما رواه الكليني في المجلد الرابع من الكافي عن محمد بن يحيى بسنده الى أيوب بن نوح انه قال: كتبت الى أبي الحسن الثالث (ع) ان قوما سألوني عن الفطرة ويسألوني ان يحملوا قيمتها إليك، وقد بعث إليك هذا الرجل عام اول وسألني ان اسألك فنسيت ذلك، وقد بعثت إليك العام عن كل رأس من عيالي بدرهم على قيمة تسعة ارطال بدرهم، فرأيك جعلني اللّه فداك في ذلك، فكتب (ع): الفطرة قد كثر السؤال عنها وأنا أكره كل ما ادى الى الشهرة فاقطعوا ذكر ذلك، واقبض ممن دفعها وامسك عمن لم يدفع‏ (1).

وروى في المجلد الرابع عنه أيضا بسنده الى محمد بن رجاء الارجاني انه قال: كتبت الى الطيب‏ (2) اني كنت في المسجد الحرام فرأيت دينارا فأهويت إليه لآخذه فاذا انا بآخر ثم بحثت الحصا فإذا أنا بثالث فأخذتها وعرفتها فلم يعرفها احد فما ترى في ذلك، فكتب: فهمت ما ذكرت من امر الدنانير فان كنت محتاجا فتصدق بثلثها وان كنت غنيا فتصدق بالكل.

وروى عنه في المجلد المذكور بسنده الى محمد بن ارومة عمن حدثه عن الصادق ابي الحسن الثالث على حد تعبير الراوي انه كان يقول في زيارة قبر امير المؤمنين (ع): السلام عليك يا ولي اللّه أنت اول مظلوم وأول من غصب حقه وأشهد أنك لقيت اللّه وأنت شهيد عذب اللّه قاتلك بأنواع العذاب جئتك عارفا بحقك مستبصرا بشأنك، فاشفع لي الى ربك فان لك عند اللّه مقاما محمودا معلوما وجاها وشفاعة وقد قال تعالى: لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى‏.

كما روى عنه زيارة قبر الحسين (ع) في كربلاء بصيغة لا تختلف كثيرا عن الصيغة التي وردت عنه في زيارة امير المؤمنين (ع).

وروى عنه في المجلد الخامس بسنده الى علي بن محمد القاساني انه قال: كتبت الى ابي الحسن الثالث وأنا بالمدينة سنة احدى وثلاثين ومائتين:

جعلت فداك رجل امر رجلا يشتري له متاعا او غير ذلك فاشتراه وسرق منه، او قطع عليه الطريق من مال من ذهب المتاع من مال الآمر اومن مال المأمور، فكتب (سلام اللّه عليه): من مال الآمر.

وفي المجلد السادس روى عنه بسنده الى حمدان بن اسحاق انه قال:

كان لي ابن تصيبه الحصاة فقيل لي: ليس له علاج الا ان تبطه فبططته فمات فقالت الشيعة لقد شركت في دم ابنك، فكتبت الى ابي الحسن العسكري (ع) في ذلك فوقع: يا احمد ليس عليك فيما فعلت شيء انما التمست له الدواء وكان اجله فيما فعلت.

وروى عنه في كتاب التجمل من المجلد المذكور بسنده الى أبي هاشم الجعفري انه قال: دخلت على ابي الحسن صاحب العسكر (ع) فجاء صبي من صبيانه فناوله وردة فقبلها ووضعها على عينيه ثم ناولنيها وقال: يا ابا هاشم من تناول وردة او ريحانة فقبلها ووضعها على عينيه ثم صلى على محمد وآل محمد الأئمة كتب اللّه له من الحسنات مثل رمل عالج ومحا عنه من السيئات مثل ذلك.

وروى في كتاب الايمان والنذور من المجلد المذكور عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن جماعة ان المتوكل كان قد نذر عند ما اصيب بوعكة ان يتصدق بمال كثير ولم يعين مقداره، واختلف الفقهاء في تحديد المبلغ اختلافا كبيرا، ولم ينتهوا الى نتيجة، فأشار عليه بعض ندمائه ان يسأل ابا الحسن الهادي، فقال له وهو يحس من هذا شيئا، فقال: ان اخرجك من هذا الأمر فلي عليك كذا وكذا، والا ضربتني مائة مقرعة، فأرسل إليه جعفر بن محمود ليسأله عن حد المال الكثير، ولما سأله عنه اجاب ان الكثير ثمانون، فقال جعفر بن محمود: يا سيدي انه يسألني عن العلة فيه، فقال له ابوالحسن (ع): ان اللّه عز وجل يقول في كتابه: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ فعددنا تلك المواطن فكانت ثمانين‏ (3).

الى غير ذلك مما ورد عنه في مجاميع الحديث من الاحاديث الموزعة على المواضيع الفقهية، ويدعي السيد الأمين في اعيان الشيعة ان الخيبري او الحميري له كتاب مكاتبات الرجال عن العسكريين الهادي وولده الحسن بن علي (ع).

وروى عنه بالإضافة الى من ذكرنا إسحاق بن عبد اللّه الاشعري وكان من خواص ولده ابي محمد العسكري (ع) وروى عن الهادي كتاب علل الصلاة ومسائل الرجال كما جاء في فهرست اسماء المؤلفين للطوسي، وايوب بن نوح وكان وكيلا له وله كتاب وروايات عن ابي الحسن الثالث كما نص على ذلك في الفهرست، وعلي بن بلال البغدادي وله كتاب عنه كما جاء في اتقان المقال للشيخ محمد طه نجف، وعلي بن الريان بن الصلت الاشعري القمي له عن ابي الحسن الثالث نسخة، روى عنه عمران بن موسى، وله كتاب منثور الاحاديث، روى عنه علي بن ابراهيم على حد تعبير الشيخ محمد طه في الاتقان.

وعلي بن مهزيار الاهوازي وكان من المختصين به وبأبيه ابي جعفر الجواد وتوكل لهما وروى عنهما، وكان ثقة في روايته لا يطعن عليه على حد تعبير المؤلفين في احوال الرواة والرجال.

وأحمد بن محمد بن عيسى الاشعري، وكان قد ادرك الرضا والجواد والهادي وروى عنهم في مختلف المواضيع الى غير ذلك ممن عاصره وروى عنه من ثقاة المحدثين وفضلائهم والمدافعين عن آثار اهل البيت (ع).

من حكمه ومواعظه‏

من اطاع الخالق لم يبال بسخط المخلوقين، ومن أمن مكر اللّه اخذه تكبر حتى يحل به قضاؤه ونافذ امره، ومن كان على بينة من ربه هانت عليه مصائب الدنيا ولو قرض ونشر.

الشاكر اسعد بالشكر منه بالنعمة التي اوجبت الشكر، لأن النعم متاع، والشكر نعم وعقبى. ان الظالم الحالم يكاد ان يعفي على ظلمه بحلمه، وان المحق السفيه يكاد ان يطفئ نور حقه بسفهه.

من جمع لك ودّه ورأيه فاجمع له طاعتك، ومن هانت عليه نفسه فلا تأمن شره ومن رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه، والناس في الدنيا بالأموال وفي الآخرة بالأعمال.

وقال لشخص وقد أفرط في الثناء عليه: اقبل على شأنك فان كثرة الملق يهجم على الظنة، واذا حللت من اخيك في محل الثقة فاعدل عن الملق الى حسن النية، وقال: المصيبة للصابر واحدة وللجازع اثنتان، والحسد ماحي الحسنات جالب للمقت والعجب صارف عن طلب العلم، والجهل والبخل أذم الأخلاق، والطمع سجية سيئة، والهزء فكاهة السفهاء وصناعة الجهال.

وقال: الغضب على من تملك لؤم، والحكمة لا تنجع في الطباع‏ الفاسدة، ومضى يقول: خير من الخير فاعله، وشر من الشر جالبه، وأهول من الهول راكبه، واياكم والحسد فانه يبين فيكم ولا يعمل في عدوكم، واذا كنتم في زمان العدل فيه اغلب من الجور فحرام ان يظن احد بأحد سوءا حتى يعلم ذلك منه، واذا كنتم في زمان الجور فيه اغلب من العدل فليس لأحد ان يظن بأحد خيرا ما لم يعلم ذلك منه.

وقال للمتوكل في حوار جرى بينهما: لا تطلب الصفاء ممن كدرت عليه عيشه، ولا الوفاء ممن غدرت به ولا النصح ممن صرفت سوء ظنك إليه فانما قلب غيرك لك كقلبك له.

وقال (ع): ابقوا النعم بحسن مجاورتها والتمسوا الزيادة فيها بالشكر عليها، وقال لمن ذم إليه ولدا له: العقوق ثكل من لم يثكل، والعتاب خير من الحقد.

وجاء في المجلد الثاني من المروج عن محمد بن الفرج عن ابي دعامة انه قال: اتيت علي بن محمد بن علي بن موسى (ع) عائدا في علته التي كانت وفاته منها، فلما هممت بالانصراف قال لي: يا ابا دعامة قد وجب حقك علي أ فلا احدثك بحديث تسر به، فقلت له: ما احوجني الى ذلك يا ابن رسول اللّه، قال: حدثني ابي محمد بن علي عن ابيه علي عن ابيه موسى بن جعفر عن ابيه جعفر بن محمد عن ابيه محمد بن علي عن ابيه علي بن الحسين، عن ابيه الحسين بن علي عن علي (ع) ان النبي (ص) قال له: اكتب يا علي قلت وما اكتب، قال لي اكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم الايمان ما وقرته القلوب وصدقته الاعمال، والاسلام ما جرى به اللسان وحلت به المناكحة.

فقلت: يا ابن الرسول ما ادري واللّه ايهما احسن الحديث أم الاسناد، فقال انها لصحيفة بخط علي بن ابي طالب واملاء رسول اللّه (ص) نتوارثها صاغرا عن كابر.

* المصدر: كتاب سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) لمؤلفه: هاشم معروف الحسني‏

..........................................
(1) تشير هذه الرواية الى أن الإمام (ع) كان يحاذر من كثرة السؤال خوفا من السلطة التي كانت تراقبه في جميع الحالات.
(2) وقد عناه الارجاني لأنه كان من أصحابه.
(3) يختلف الكثير بحسب الزمان والمكان والمناسبات، لذا فإن في النفس شيئا من هذه الرواية بواسطة اشتمالها على هذا التحديد.

اضف تعليق