الملايين من المسلمين من مختلف انحاء العالم ينطلقون في كل عام في مسيرات راجلة ضخمة لم يشهد العالم مثلها، متجهين صوب مدينة كربلاء المقدسة في زيارة الاربعين حيث مرقد رمز الاحرار وابا الثوار الامام الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهما السلام) في لقاء روحي كبير ومتجدد تسمو فيه النفوس وتترفع عن ملذات الحياة، وبيعة ولائية لتجسيد المبادئ والقيم السماوية التي جاء بها الاسلام العظيم والرسول الاعظم محمد (صلى الله عليه وآله).

لقد اصبحت زيارة الاربعين مشهدا كبيرا وشمسا ساطعة تنير طريق الكرامة والحرية لكل الساعين اليها في العالم اجمع في كل زمان ومكان، فهذه الجموع الحاشدة والاصوات الهادرة الممتزجة بحب الامام الحسين (عليه السلام) تؤكد للعالم اجمع بأنها تطلق اكبر صرخة مدوية في التاريخ لتحرير الانسان من اغلال الطاغوت والعبودية للمادة.

هذه الذكرى العظيمة فعالية جماعية يذوب فيها الخاص في العام وتتوحد فيها الضمائر والاعمال ليبدو العراق من اقصاه الى اقصاه خلية واحدة كبيرة تشعّ بالحماس والحركة والايمان المتوهج في قلوب الجميع.

يؤسس لمستقبل عامر بوحدة إيمانية إنسانية لا يطولها الانفصام ولا يدنو منها التقاطع او الخصام وذلك ببركة سيد الشهداء (عليه السلام) وتمجيدا لإيثاره العظيم وهو يقدم نفسه وذويه وصحبه الطاهرين قرابين لرفعة الانسان ومجد الاسلام وأهله.

وهذا ما يتطلب منا جميعا أن نستثمر هذه المناسبة الخالدة وما تنطوي عليه من فعاليات مجسدة على ارض الواقع لكي نؤسس من حاضرها مرتكزات المستقبل القائم على معانيها الانسانية الخالصة، مستقبل باهر قائم على وحدة الهدف والايمان والضمير والرؤية التي توحد المسلمين أبدا.

ولعل الوصول الى مثل هذه الاهداف الكبيرة يتطلب تعاضدا متواصلا لكي يحقق المسلمون رفعتهم بين الامم الاخرى، ولذلك تعدّ مثل هذه المناسبات ميزة مهمة وسمة من سمات وحدة الامة الاسلامية في آن واحد، ولهذا ينبغي إستثمارها بالطرق المناسبة التي يمكن أن تحقق أهدافنا في السلام والتعايش والتطلع الى حياة متوازنة يسود فيها الحق على الباطل والمساواة على الغبن والأمل على اليأس والرفعة على الخنوع والاذلال.

ولعل التحول الأول، الذي يمكن ان نستثمره في زيارة الاربعين، هو تطوير حالة التماسك والتكاتف فالذين يسهمون في إحياء هذه الزيارة الخالدة إنما يتمتعون بروح التوحد والمشاركة والقبول ببعض وإبعاد التقاطع بين مختلف الجهات التي يمكن ان تكون على استعداد للتوحد والتكاتف في مثل هذه المناسبات، ولهذا يمكن استثمار زيارة الاربعين في تدعيم الوحدة بين الناس عموما وتقليص هامش الخلافات الى اقصى حد.

أما التحول الثاني، فهو تنمية حالة التكافل بين الجميع، فهؤلاء الزوار الكرام الذين تجمعهم محبة الامام الحسين (ع) لا شك في انهم على استعداد دائم للتضحية والايثار بكل شيء من أجل الآخرين، وهذا وحده كفيل بتقليص حالة الفقر او العوز او الضعف او الجهل الثقافي وما شابه.

إن شعور الفرد بالآخرين واحترامه لحقوقهم واستعداده لخدمتهم، يمثل جوهر العمل الطوعي، وهذا ما يقوم به عدد كبير جدا ممن يقومون على خدمة زوار أبي الاحرار عليه السلام، حيث تتعزز قيم التكافل والتعاون بين الجميع، ناهيك عن الترابط الاجتماعي الذي ينشأ نتيجة العمل الجماعي.

والتحول الثالث، هو شحذ الهمم والنفس بالمعنويات، لان الانسان بحاجة الى الغذاء الروحي لمواجهة المشاكل والتحديات والصعاب، وهذه المناسبات وخاصة عاشوراء واربعين الامام الحسين (ع) تعتبر محطة كبرى مفتوحة للتزود بالقيم والمثل والنبل، بما يخدم مسيرة التقدم والتطور والرقي، فالحسين (عليه السلام) كان ولا يزال مدرسة لتعليم الانسانية القيم السامية والمثل العليا في محاربة القهر والاستبداد والظلم والظالمين

اما التحول الرابع، فهو حفظ الهوية، فقد كانت مهمة الامام الحسين (عليه السلام) وثورته تهدف الحفاظ على الهوية الاسلامية التي حاول طمسها الامويين والحكام المستبدين بالتزييف والترهيب، من هنا كان احياء منهجها خطرا على استبداد كل ظالم وفاسد على مر العصور. فالنهضة الحسينية تمثل هوية هذه الامة واحياء لوجودها وحفاظا عليها وتكريسا وترسيخا لواقعها ومستقبلها.

والتحول الخامس، هو البعد الحضاري الذي ينبثق من زيارة الأربعين، فالمناسبات الحسينية حركة اجتماعية لتحقيق التراكم الثقافي والاحتكاك المعرفي بين مختلف الشعوب وتلاقي الحضارات، واثراء التراث الفكري والاسلامي واحياء جوانبه العلمية والمعرفية المنيرة.

هذه المناسبات تعد بوتقة لصهر الحضارات الاسلامية المختلفة، ومؤتمرات موسعة يشارك فيها الملايين من مختلف الشرائح والتوجهات ومناسبة للتداول في شؤون الامة والتحديات التي تواجهها والسبل الناجحة لمواجهتها من خلال اللقاءات والاجتماعات والتزاور والتشاور طيلة ايام المناسبة، يوحدهم مشترك واحد هو الامام الحسين (عليه السلام) وقيمه العظيمة.

اما التحول السادس، فهو جوهرية استدامة التغيير في الامة خصوصا التغيير الاجتماعي الذي يتحقق بالتحولات الأخلاقية المستمرة. وفي زيارة الاربعين يقول الامام الصادق (ع): (وبذل مهجته فيك، ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة).

فالإمام الحسين (عليه السلام) نهض من اجل ان ينقذ الامة من الرذيلة الى الفضيلة ومن الخضوع الى الحرية ومن السكينة الى الكرامة، وينتشلهم من الركود الى التقدم، ومن الشر الى الخير، وهذا هو الهدف من المنهج الحسيني لذلك حين نزور الامام الحسين (عليه السلام) وجب علينا ان نكون عارفين ومؤمنين بمنهجه ونقرأ سيرته ونتعمق في كلماته ونتبعه بمعرفة تامة، والزيارة هي فرصة من اجل التغيير الاجتماعي نحو السلوكيات الحسنة.

هناك دروس كبيرة وكثيرة تعكسها هذه الزيارة بما تحققه من تحولات بنيوية كبيرة فينا وفي المجتمع والامة، ولكن ما ينبغي التنبّه إليه والتمسك به، هو الاستفادة القصوى من هذه الدروس، واعتمادها كمنهج حياة دائم، حتى لا تكون موسمية أو وقتية، لأن المبادئ الحسينية، ترمي الى البقاء ماثلة بين الناس، حتى يبقى تأثيرها قائما بين الجميع، فليس هناك اجمل من التكافل الانساني، وليس هناك من لا يرغب بشخصية تقارع التعب والصعوبات والمشكلات من خلال الصبر والاستقامة، وليس هناك اروع من شخصية لا تأبه بمخاطر الموت في سبيل المبادئ التي تخدم الانسان وحقوقه الطبيعية.. فالدروس المستوحاة من زيارة الاربعين خدمة لحاضرنا ولمستقبل أجيالنا القادمة، لكي يعيشوا في محبة وتوائم وسلام.

اضف تعليق