في مواجهة خطر تكبد الديموقراطيين خسائر فادحة في انتخابات نصف الولاية في تشرين الثاني، يسعى بايدن إلى خفض أسعار الوقود المحلية المرتفعة، وهو ما قاده إلى السعودية.

لذلك دعوة كوبا إلى قمة إقليمية غير ممكنة، لكن زيارة السعودية وربما حتى لقاء ولي العهد ممكن.. يواجه جو بايدن الذي أعلن نفسه بطل الدفاع عن الديموقراطيات اتهامات بالكيل بمكيالين وحتى بالنفاق بسبب مواقفه الدبلوماسية في الأشهر ألأخيرة.

استبعد بايدن زعماء اليسار المتطرف في كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا من "قمة الاميركيتين" في لوس أنجليس هذا الأسبوع، في قرار وصف بأنه دفاع من جانب الولايات المتحدة عن الديموقراطية.

وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارين جان-بيار "نعتقد أنه يجب عدم دعوة طغاة (...) لذلك لسنا آسفين على ذلك. سيبقى الرئيس ملتزما مبدأه".

وجاء تصميم بايدن على عدم دعوة الرؤساء الاشتراكيين الثلاثة إلى القمة، على حساب خلاف مع الرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيز أوبرادور الشريك الرئيسي الذي لم يحضر اجتماع لوس أنجليس احتجاجا.

لكن يصبح هناك مقدار أكبر من المرونة عندما يتعلق الأمر بالجانب الآخر من العالم، إذ يستعد بايدن لزيارة السعودية ولقاء ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

يترأس الأمير محمد بن سلمان دولة لا انتخابات فيها ولا حقوق تذكر للنساء، كما تغيب حقوق أخرى تعتبر من المسلّمات في الغرب. وبحسب الاستخبارات الأميركية، دبّر محمد بن سلمان في العام 2018، عملية القتل الشنيعة للصحافي المعارض جمال خاشقجي الذي كان مقيما في الولايات المتحدة وكاتبا في صحيفة "واشنطن بوست".

قال بايدن وقتها عندما كان مرشحا رئاسيا إن عملية الاغتيال السافر جعلت السعودية "منبوذة".

لكنّه الآن مستعد للقاء الرجل الذي يشتبه بأنه العقل المدبر لعملية قتل خاشقجي.

لماذا؟ لأن ذلك سيكون مفيدا للولايات المتحدة، كما قالت جان-بيار. وأضافت "إذا قرر (بايدن) أن من مصلحة الولايات المتحدة التعاون مع زعيم أجنبي ومن شأن هذا التعاون أن يحقق نتائج، فعندئذ سيقوم بذلك".

وأشارت إلى أن السعودية "شريك استراتيجي للولايات المتحدة منذ قرابة ثمانين عاما".

ديكتاتوري المفضل

تثير الرسائل المتناقضة جدلا، خصوصا حول حجة بايدن المتكررة والعاطفية بأن رئاسته تمثل "منعطفا" في صراع كبير بين ديموقراطيات العالم ومجموعة متنامية من الأنظمة الاستبدادية التي لا تعرف الرحمة.

لكن في الحقيقة، لا يوجد شيء جديد.

في 1939، نقل الرئيس فرانكلين روزفلت قول لم يؤكد إن دكتاتور نيكاراغوا أناستازيو سوموزا "قد يكون ابن سافلة لكنه من معسكرنا".

وهناك روايات أخرى تنسب العبارة إلى رؤساء أميركيين مختلفين وطغاة مختلفين. ورغم ذلك، فإن النقطة واضحة: كان البيت الأبيض دائما قادرا على كبت الآراء السلبية من أجل التعامل مع شركاء سيّئين. وكان دعم الولايات المتحدة لقادة اليمين عبر أميركا اللاتينية خلال الحرب الباردة ضد النفوذ السوفياتي معروفا.

في آسيا، حاربت الولايات المتحدة الأنظمة الشيوعية لفترة طويلة، لكن المرونة كانت حاضرة عندما كان ذلك مناسبا. في قمة رابطة أمم جنوب شرق آسيا الشهر الماضي، تجاهل بايدن بورما فيما دعا قادة دول بعيدة عن الديموقراطية مثل كمبوديا وفيتنام.

ثم كان هناك دونالد ترامب، سلف بايدن.

هاجم هذا الرئيس الجمهوري الصين، لكنه أصبح صديقا لفلاديمير بوتين. تودد ترامب أيضا إلى مجموعة حكام غير منتخبين في الشرق الأوسط، من بينهم ملك السعودية التي اختارها في أول رحلة خارجية له كرئيس.

وخلال قمة في العام 2019، قال ترامب أثناء انتظاره ظهور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي "أين ديكتاتوري المفضل؟".

قال روبرت غاتمان أستاذ السياسة في جامعة جونز هوبكنز إن التناقض الثابت يعود إلى نوع من المصلحة الذاتية "الأنانية".

وفي مواجهة خطر تكبد الديموقراطيين خسائر فادحة في انتخابات نصف الولاية في تشرين الثاني/نوفمبر، يسعى بايدن إلى خفض أسعار الوقود المحلية المرتفعة، وهو ما قاده إلى السعودية.

ومع وجود مجتمعات أميركية لاتينية مستقرة في الولايات المتحدة تعارض الشيوعية بشدة، فإن بايدن ليس لديه مجال للمناورة عندما يتعلق الأمر بدول مثل كوبا.

وأوضح غاتمان "كل ما عليكم التفكير فيه هو فلوريدا في 2024 وهم يحتاجون إلى أصواتهم".

قال غاتمان إن الولايات المتحدة تحاول تاريخيا دعم الديموقراطية، وهي معركة أبرزتها حرب أوكرانيا مع روسيا بشكل كبير. لكن مع استثناءات.

وتابع "نتحدث عن المثل العليا لكننا أكثر براغماتية عندما يتعلق الأمر بالواقع".

وختم "النتيجة هي أننا نحتاج إلى النفط وندعم الذين يملكون النفط. بالنسبة إلى الموارد الطبيعية التي نحتاج إليها، فإننا نطوع مُثلنا العليا، وفي حملة انتخابية يكون الرئيس خارجا عن كل القواعد".

التشجيع على مزيد من القمع

لكن 13 منظمة حقوقية دولية وإقليمية حذّرت في رسالة مشتركة إلى الرئيس الإميركي جو بايدن من أن زيارته المرتقبة إلى السعودية تنطوي على خطر تشجيع "مزيد من الانتهاكات وتوسيع نطاق الإفلات من العقاب" في المملكة الخليجية.

وأشار بايدن إلى إمكان قيامه بزيارة للسعودية، الأمر الذي يشكل تغييرا كبيرا في موقفه بعدما وعد بمعاملة المملكة كدولة "منبوذة" على خلفية سجلها الحقوقي، قبل أن تفيد وسائل إعلام أميركية السبت بأنه أرجأ جولته المحتملة التي تشمل إسرائيل والسعودية.

وقالت مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش لما فقيه في بيان إنّ على الرئيس الأميركي أن يدرك أن "أي لقاء مع مسؤول أجنبي يمنحه مصداقية فورية على الصعيد العالمي سواء كان ذلك مقصودا أم لا".

وتابعت أن لقاءه مع ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي لبلاده الأمير "محمد بن سلمان بدون التزامات حقوقية من شأنه تبرئة القادة السعوديين الذين يعتقدون أنه لا توجد عواقب لانتهاكات حقوقية جسيمة".

وذكرت المنظمات الحقوقية في رسالتها أنّ على إدارة بايدن "تجنب تشجيع القمع السعودي" من خلال ضمان أن تلتزم سلطات المملكة الخليجية "بالتزامات ملموسة بشأن حقوق الإنسان قبل استقبالها زيارة رئاسية أميركية".

ومن ضمن المنظمات الموقعة على الخطاب هيومن رايتس ووتش وفريدوم هاوس والديموقراطية الآن للعالم العربي والقسط لحقوق الإنسان ومؤسسة حقوق الإنسان ومركز الخليج لحقوق الإنسان.

وأشارت إلى أنّ هذه الالتزامات تتضمن "الإفراج الفوري عن جميع المعارضين والنشطاء السلميين المذكورين في تقرير السعودية 2021 الخاص بممارسات حقوق الإنسان ورفع حظر السفر التعسفي عن المدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم بما في ذلك الحظر المفروض على المواطنين الأميركيين وإنهاء المراقبة غير القانونية واحتجاز الرهائن من قبل الدولة والإفراج عن جميع المعتقلين بموجب تلك الممارسات".

كما طالبت المنظمات بايدن بـ"دعوة المدافعين السعوديين عن حقوق الإنسان إلى البيت الأبيض قبل زيارته لبلدهم والتعرف مباشرة على الانتهاكات التي ارتكبها محمد بن سلمان والسلطات السعودية الأخرى".

وبايدن الذي يقدم نفسه على أنه نصير للديموقراطية ومعارض للأنظمة الاستبدادية كان قد قرر إعادة تقييم علاقات بلاده مع الرياض، مع التركيز بشكل أكبر على حقوق الإنسان في دبلوماسيته.

لكن ارتفاع أسعار الغاز بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا أغضب الأميركيين وأدى إلى انخفاض في شعبية بايدن.

وجاء التغيير في موقفه أيضا بعيد معالجة السعودية اثنتين من أولويات بايدن من خلال الموافقة على زيادة إنتاج النفط والمساعدة في تمديد الهدنة في اليمن.

واعتبر مسؤولون أميركيون أن الزيارة المتوقعة سوف تخدم مصالح الولايات المتحدة القومية، بغض النظر عن اتهام اجهزة الاستخبارات الأميركية لولي العهد السعودي بإصدار أمر قتل الصحافي المعارض جمال خاشقجي عام 2018.

وأشارت صحيفة "واشنطن بوست" نقلا عن مسؤولين لم تسمهم إلى أن اللقاء "على انفراد" مع ولي العهد السعودي سيأتي بعد مهمات عدة قام بها "بتكتم" في الدولة الخليجية الغنية مستشار بايدن للشرق الأوسط بريت ماكغورك ومبعوثه لشؤون الطاقة أموس هوكستين اللذان يدعوان باستمرار إلى زيادة إنتاج النفط الخام من أجل خفض التضخم.

قال مسؤول أميركي كبير لوكالة فرانس برس إنه إذا كان الرئيس بايدن "يرى أنه من مصلحة الولايات المتحدة التحاور مع زعيم أجنبي وأن ذلك يمكن أن يأتي بنتائج، فسيفعل ذلك".

دولة منبوذة

قبل انتخابه رئيسا، رأى جو بايدن أن السعودية يجب أن تُعامل كدولة "منبوذة" بسبب اغتيال الصحافي جمال خاشقجي. وعندما تولى السلطة نشر الرئيس الديموقراطي في شباط/فبراير 2021 تقرير الاستخبارات الأميركية الذي يتهم ولي العهد السعودي بالتورط في قتله.

وتحدثت واشنطن عن "إعادة تقويم" للعلاقة مع هذا الشريك الخليجي الاستراتيجي لطي صفحة قربه من رئاسة دونالد ترامب دون الذهاب إلى حد القطيعة. وذكرت مصادر في محيط بايدن أن الرئيس لأن يتحدث إلا مع الملك سلمان وليس مع ولي العهد الحاكم الفعلي للبلاد والمحاور المميز لسلفه الجمهوري.

كما أظهرت الولايات المتحدة عزمها على إعادة حقوق الإنسان إلى قلب حوارها مع القادة السعوديين وضاعفت جهودها لإنهاء الحرب في اليمن حيث تدعم الرياض الحكومة عسكريا ضد المتمردين الحوثيين.

ويأتي قرار زيارة السعودية إذا تأكد في وقت انتزع فيه المجتمع الدولي تجديد هدنة هشة في اليمن لشهرين. وأشاد جو بايدن بـ "القيادة الشجاعة" للقادة السعوديين في هذا الصدد.

ويأتي ذلك أيضا بينما قرر تحالف "اوبك+" كارتل الدول المصدرة للنفط بقيادة الرياض، زيادة إنتاجه بعد أشهر من الانتظار والترقب على الرغم من ارتفاع الأسعار. وقد لبى بذلك نداءات من الغربيين.

مصافحة دموية

قلل المسؤول الأميركي الذي طلب عدم كشف هويته من أهمية مسألة حقوق الإنسان، مؤكدا أن إدارة بايدن قلقة من مسألة حقوق الإنسان في السعودية "كما في بلدان عديدة أخرى نتشارك معها في مصالح".

وأضاف "هناك أيضا أولويات استراتيجية يجب تلبيتها واتصالاتنا وعملنا الدبلوماسي تكثفا مؤخرا".

لكن اللقاء مع الأمير محمد بن سلمان يمكن أن يثير استياء الكونغرس الأميركي حتى في صفوف الديموقراطيين الذين ينتقدون بحدة شخصية ولي العهد المثيرة للجدل.

وانتقد معارضون للنظام السعودي أيضا اللقاء. وقال عبد الله العودة نجل الداعية المسجون سلمان العودة إن "يدي محمد بن سلمان ملطخة بالدماء".

وأضاف "إذا أعطاه بايدن الاجتماع الذي يحتاج إليه بشدة، فستشكل هذه المصافحة الدموية رسالة واضحة إلى الطغاة في جميع أنحاء العالم" مفادها "يمكنكم الاعتماد على أميركا لخيانة قيمها إلى الأبد".

وفي مقابلة نادرة مع وسائل إعلام أجنبية نشرتها مجلة "ذي اتلانتيك" في آذار/مارس، ألمح محمد بن سلمان إلى أن تدهور العلاقات مع السعودية قد يضر بجو بايدن. وقال إن "عليه التفكير في مصالح أميركا".

وردا على سؤال عما إذا كان الرئيس الأميركي البالغ من العمر 79 عاما قد أساء فهم شخصيته، قال ولي العهد "لا يهمني ذلك".

حتى لا يكون لدينا طغاة

وقال نائب ديمقراطي أمريكي بارز ردا على سؤال عما إذا كان يجب على بايدن زيارة السعودية ولقاء الأمير محمد، الحاكم الفعلي للسعودية، قال النائب آدم شيف "في رأيي، لا".

وأضاف شيف رئيس لجنة المخابرات بمجلس النواب لمحطة (سي.بي.إس) "ما كنت سأذهب. وما كنت سأصافحه. هذا هو الشخص الذي قتل مواطنا أمريكيا ومزقه إربا وبأبشع طريقة وبشكل متعمد".

وكان خاشقجي مواطنا أمريكيا يكتب أعمدة رأي في صحيفة واشنطن بوست تنتقد سياسات الأمير محمد. وقام أشخاص مرتبطون بالأمير محمد بقتل خاشقجي وتمزيق أوصاله في القنصلية السعودية باسطنبول في عام 2018.

وقال شيف عن الأمير محمد "إلى أن تقوم السعودية بتغيير جذري فيما يتعلق بحقوق الإنسان لا أريد أي علاقة معه".

ورفض شيف الحجج القائلة بأن بايدن يجب أن يزور السعودية في محاولة لحملها على زيادة إنتاج النفط وخفض أسعار البنزين في الولايات المتحدة وهي مشكلة لبايدن وزملائه الديمقراطيين قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر تشرين الثاني.

وعلى الرغم من قوله إنه يتفهم التأثير السعودي على أسعار النفط قال شيف إنه يعتبر أن "الحجة المقنعة" هي أن تكف الولايات المتحدة عن الاعتماد على النفط "حتى لا يكون لدينا طغاة وقتلة في مواقع المسؤولية".

من جهته اتخذ البيت الأبيض خطوة نادرة بالاعتراف بالدور الذي قام به ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في تمديد هدنة في اليمن، قبل زيارة من المتوقع أن يقوم بها الرئيس جو بايدن إلى الرياض.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارين جان-بيير للصحفيين إن العاهل السعودي الملك سلمان وولي العهد يستحقان الثناء على دورهما في تمديد الهدنة الذي تم الإعلان عنه في وقت سابق يوم الخميس.

وأضافت أن "الهدنة لم تكن ممكنة دون انتهاج الدبلوماسية التعاونية من (أطراف) بالمنطقة. نقر بشكل خاص بقيادة الملك سلمان وولي عهد المملكة العربية السعودية في المساعدة على تعزيز الهدنة".

ويساهم قرار تكتل أوبك+ زيادة إنتاج النفط 200 ألف برميل يوميا في يوليو تموز وأغسطس آب في دعم احتمالات قيام بايدن بجولته. ورحب البيت الأبيض بقرار أوبك+.

ويشهد موقف الولايات المتحدة تغييرا لسبب آخر وهو أنها تخشى من اتجاه دول الخليج لتعميق علاقاتها مع الصين وروسيا.

وقال أحد المسؤولين "بغض النظر عما إذا كانت زيارة بايدن ستتم أم لا، يعمل الجانبان على إعادة العلاقات إلى طبيعتها على المستوى المؤسسي وفي مختلف القطاعات".

اضف تعليق