بقلم: جيف توليفسون

الأرجح أن البشرية لن تستطيع أن تحمي كوكب الأرض من احترارٍ مقداره 1.5 درجة فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية ولو مؤقتًا، لكن اتّخاذ إجراءاتٍ صارمة للتقليل من انبعاثات غازات الدفيئة وانتزاع الكربون من الغلاف الجوي، قد يحدّ من هذا الارتفاع ويُعيد درجات الحرارة إلى سابق مستوياتها، وفقًا لأحدث تقريرٍ صدر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنيّة بتغيّر المناخ. غير أن التقرير يُشدِّد على أن إمكانية تحقيق ذلك آخذةٌ في التضاؤل سريعًا وتتضاءل معها إمكانية الحدّ من الآثار الأكثر سوءًا الناجمة عن الاحترار العالمي. فعندما يتجاوز الاحترار العالمي 1.5 درجة مئوية، وفقًا لما نصَّت عليه اتفاقية باريس للمناخ عام 2015، تزداد فرص تطرّف الطقس وانهيار النظم البيئية.

من جانبها، قالت إنجر أندرسن، المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، خلال المؤتمر الصحفي الذي انعقد في الخامس من أبريل من أجل إصدار التقرير: "تخبرنا الهيئة الحكومية الدولية المعنيّة بتغيّر المناخ بأننا نمتلك من المعرفة والتقنية ما يُؤهِّلنا لتحقيق هذا الهدف. لكن الأمر يتطلَّب تعزيز الإجراءات بدءًا من هذا العام وليس العام المقبل، وهذا الشهر وليس الشهر المقبل؛ وبالتأكيد اليوم وليس غدًا".

يتألَّف التقرير من نحو 2900 صفحة، وهو يُركِّز على الخيارات المتاحة للحدِّ من الانبعاثات والتخفيف من الآثار الناجمة عن الاحترار العالمي، وقد اعتمدته 195 حكومة بعد جلسة مفاوضات مُطَوَّلة تجاوزت الإطار الزمني المُخصَّص لها بيومين. هذه الوثيقة التي شارك في إعدادها مئات العلماء من 65 بلدًا، تُمثِّل التقرير الثالث والأخير من سلسلة تقارير تضمّ التقييم السادس للمناخ الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ. يتناول التقريران الأول والثاني الأُسس العلمية لتغيّر المناخ وتأثيراته في البشر والنظم البيئية. تقول كارين سيتو، عالمة الجغرافيا في جامعة ييل بمدينة نيو هيفن في ولاية كونيتيكت الأمريكية، وأحد كبار الباحثين المُنسِّقين للتقرير: "لا تزال الانبعاثات تواصل ارتفاعها رغم الجهود التخفيفية التي يبذلها مزيدٌ من الحكومات على جميع الأصعدة".

أخبارٌ جيدة وأخرى سيئة

يُبيِّن التقرير بوضوحٍ أن الاتجاهات السائدة الحالية في مجالات الطاقة والاقتصاد والسياسة تضع العالم على طريقٍ يُوصِّله على الأرجح إلى احترارٍ يتجاوز 1.5 درجة مئوية بفارقٍ ملحوظ. تُشير النماذج إلى أن الانبعاثات العالمية يجب أن تبلغ ذروتها في عام 2025 على الأكثر، ثم يتعيَّن أن تنحسر بعد ذلك سريعًا كي تتهيَّأ للعالم فرصة نسبتها 50% للحدِّ من الاحترار فلا يتجاوز 1.5 درجة مئوية، وهذا سيناريو غير مُحتمل. ولطالما حذَّر العلماء من مغبَّة هذا الأمر، لكن بعضهم يقول إن الوقت قد حان للتفكير بشأن ما يعنيه ذلك في ما يتعلق باستراتيجية المناخ.

يقول أوليفر جيدن، اختصاصي العلوم الاجتماعية في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين، وأحد كبار الباحثين المشاركين في إعداد التقرير: "أعتقد أننا نقترب أكثر، على المستوى السياسي، من موقفٍ يتعين علينا فيه أن نسأل أنفسنا بجدية كيف سنتعامل مع ذلك الارتفاع الكبير". ويوضِّح جيدن أنه رغم وجود إمكانية على الصعيد التقني حتى الآن لمنع تجاوز الاحترار 1.5 درجة مئوية، فإن الإجراءات اللازم اتخاذها يجب أن تكون غير مسبوقة.

لكن التقرير يطرح أسبابًا تدعو إلى التفاؤل من خلال تسليطه الضوء على التقنيات والسياسات المناخية التي بدأت بالفعل تقليل الانبعاثات في كثيرٍ من البلدان. فمثلًا، تشهد تقنيات الطاقة المتجددة مثل توربينات الرياح والألواح الشمسية والبطاريات انخفاضًا كبيرًا في أسعارها. كما شهدت كثافة الطاقة العالمية -والتي تُعد مقياسًا لحجم الطاقة الضروري لدفع عجلة الاقتصاد- انخفاضًا بلغت نسبته 2% سنويًا في الفترة بين أعوام 2010 و2019، وهو اتجاهٌ معاكس للاتجاه الذي شهده العقد السابق له.

أما ناثانيال كيوهين، رئيس مركز حلول المناخ والطاقة -وهو مركزٌ بحثي يُعنَى بالبيئة ومقرّه أرلينجتون بولاية فيرجينيا الأمريكية- والذي عمل مستشارًا لدى البيت الأبيض في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، فيرى أن الإسراع من وتيرة تلك الجهود هو الهدف الحاليّ. ويضيف أنه على المدى الطويل، ستكون الحكومات بحاجةٍ إلى الاستثمار في أنشطة البحث والتطوير لاستكشاف جدوى تقنيات إزالة الكربون من الغلاف الجوي، والتي من شأنها أن تُسهم في خفض المنحنى خلال العقود القادمة.

سيكون هذا معاوضة لبقايا انبعاثات غازات الدفيئة التي تنتجها قطاعاتٌ يصعب خفض انبعاثاتها، مثل قطاعي الصناعة والطيران. وبحسب التقرير، تستطيع البلدان تعزيز امتصاص الكربون بزيادة مساحات الغابات وتحسين الممارسات الزراعية، يقول كيوهين: "إنه لجهدٌ جبار يفرض علينا أن نبدأ العمل من الآن".

اضف تعليق