ملفات - شهر رمضان

كَيْفَ تَعْمَلُونَ

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السَّنةُ التَّاسِعةُ (٩)

{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}.

الإِستخلافُ، عادةً، إِشارة للأَحداث التاريخيَّة التي تشهدها الأُمم، وهي التي تخلُق حالةً من الإِنقلاب الجذري في كلِّ شيءٍ، في السِّياسة والإِدارة والتَّعليم والإِقتصاد والإِجتماع وفي كُلِّ شيءٍ.

وإِنَّ كُلَّ الآيات القُرآنيَّة الكريمة التي تتحدَّث عن مفهُومِ الإِستخلافِ حدَّدت مِعياراً واحداً فقط لقياسِ حجمِ الإِنقلاب الذي يُصاحب عمليَّة الإِستخلاف، أَلا وهو [العَمل] و [العَمل] فقط، أَي الإِنجاز وما يُحقِّقهُ المُستَخلفُونَ على الأَرض، وإِنَّ أَيَّ مِعيارٍ آخر هو شِعارات وعواطِف ومشاعِر لا تُغني ولا تُسمن من جوعٍ.

فعندما يُقارن المُجتمع، أَي مُجتمع، بين الحالتَينِ، حالة ما قبلَ وما بعدَ الإِستخلاف، فإِنَّما يكونُ ذلكَ بمعيارِ العمَل والإِنجاز فقط، فإِذا كان ما بعدَ أَفضل من ما قبلَ فهذا يعني أَنَّ الإِستخلاف كانَ سليماً بفعلِ الأُمَّة وليسَ بفعلِ الله تعالى بالتَّأكيد، ففِعلُ الله وإِرادتهِ هو أَنَّهُ يُمكِّن المُجتمع ويهيِّئ لهُ أَرضيَّة الإِستخلاف ضمنَ سُننهِ تعالى في خلقهِ، أَمَّا طبيعة الإِستخلاف ونتائجهِ فتُحدِّدهُ خيارات المُجتمع بوعيهِ وعلاقاتهِ الإِجتماعيَّة وطبيعةِ تعاطيهِ مع الواقعِ الجديد وإِلى غيرِ ذلكَ من الأَسباب والمُسبِّبات.

تعالُوا نقرأ قُصَّة بني إِسرائيل في لحظةِ الإِستخلاف الفارِقة.

يقولُ تعالى {قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}.

المُعاناةُ، إِذن، واحدةٌ لا تختلِفُ في مرحلةِ الإِستخلافِ عنها في مرحلةِ ما قبلَ الإِستخلاف، إِذ ليسَ هُناكَ استخلافٌ بِلا ثمن وبِلا تضحيات، إِنَّما الفرق في طبيعةِ المُعاناة وطبيعة الثَّمن، فبينما يُضحِّي المُجتمع في فترةِ ما قبلَ الإِستخلاف مُرغماً مُستضعفاً، فهو عادةً لا يختارُ التَّضحية، لا شِكلها ولا تَوقيتها ولا نَوعها، وهي عادةً ما تكونُ تضحية [هَدم] لحسابِ سُلطة الطَّاغوت ونزواتهِ، أَمَّا مُعاناة ما بعدَ الإِستخلاف، فتختلفُ عن كُلِّ ذلكَ بشَكلٍ جذريٍّ، فهيَ تضحيةُ بِناءٍ يختارُ المُجتمع نوعَها ووقتَها وكُلَّ شيءٍ يتعلَّقُ بها.

أَمَّا المِعيار الذي تُقاسُ بهِ قيمة المُعاناة فهوَ العمَل والإِنجاز، فإِذا كان سليماً ساهمَ في تحقيقِ تغييرٍ حقيقيٍّ فذلكَ يعني أَنَّ ثمن المُعاناة كانَ حقيقيّاً تستحقُّها عمليَّة الإِستخلاف.

والعكس هوَ الصَّحيح، فإِذا لم يُحقِّق المُجتمع أَهدافهُ التي تحمَّلَ مِن أَجلِها أَشدَّ المُعاناة زمَن ما قبلَ الإِستخلاف، فهذا يعني أَنَّهُ فشلَ فشلاً ذريعاً في توظيفِ الفُرصة التي منحتها لهُ سُنن الله تعالى في عمليَّات التَّغيير الكُبرى.

آيةٌ أُخرى تتحدَّث عن هذا المفهُوم وهذا المِعيار وهيَ {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}.

فعلى الرَّغمِ من أَنَّ الآية الكريمة خاصَّةً بحدَثٍ تاريخيٍّ واحدٍ فقط هوَ الإِستخلاف المهدَوي الموعودةُ بهِ البشريَّة، إِلَّا أَنَّني هُنا أُريدُ أَن أَتنزَّل لِلحظةٍ وأُحاور الذين يستشهدُونَ بها كُلَّما تحدَّثُوا عن حدثٍ تاريخيٍّ شهدتهُ أَو تشهدهُ بُلدانِنا كما هوَ الحال اليَوم تحديداً في ذِكرى التَّغيير الذي شهدتهُ البِلاد في التَّاسع من نيسان عام ٢٠٠٣.

وأَقولُ؛ إِنَّ مَن يريدُ أَن يستوعبَ حقيقة هذا الإِستخلاف وحجمهِ وطبيعتهِ فيلزمهُ حصراً أَن يُعِدَّ الإِنجازات [التاريخيَّة] التي تحقَّقت منذُ التَّغيير ولحدِّ الآن، فيتساءَل؛ هل أَنَّ المُستخلَفينَ أَثبتُوا أَنَّهم [أَئِمَّة] في قيادةِ عمليَّة التَّغيير المرجو؟! في الصِّدق والنَّزاهة والبِناء والعَدالة والمُواطنة، وفي أَيِّ شيءٍ آخر يخُصُّ عمليَّة الإِستخلاف؟!.

إِذا كانَ الجوابُ بالإِيجاب، فصفِّق لهُم من دونِ تردُّدٍ أَو خجلٍ، أَمَّا إِذا كانَ الجَوابُ بالسَّلب وكانُوا مِصداقَ قولِ الله تعالى {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} فتوقَّف عنِ التَّصفيقِ لهُم فَوراً واخجل من نفسِكَ!.

لا تصغِ إِليهِم وهُم يُحدِّثُونك عن إِنتمائهِم الدِّيني والمذهَبي وعن تضحياتِ أَحزابهِم في الزَّمنِ الماضي، وعن التَّأسيس والمُؤَسِّس، وعن السِّيرة والمَسيرة، وعن نضالاتهِم وجهادهِم وبطُولاتهِم، وإِنَّما إِصغِ إِليهِم عندما يُحدِّثونكَ عن إِنجازاتهِم فقط، ثُمَّ قارِنها بالواقعِ الذي تعيشهُ، هل هيَ فعلاً مَوجُودةٌ تلمِسها يوميّاً أَنتَ وأُسرتَك وأَولادَك وأَبناء محلَّتكَ ومدينتكَ، بالتَّعليم والصحَّة والخدمات والطُّرق والجسُور والبيئة؟! أَم أَنَّها مُجرَّد مشاريع وهميَّة وهمبلات دِعائيَّة انتخابيَّة لذرِّ الرَّماد في العيُونِ لخداعِ النَّاخب، ليس لها أَثرٌ يُذكر على الأَرضِ؟!.

إِذا لمستَ شيئاً مِنها فسيتأَكَّد لكَ أَمرٌ مُهِمٌّ آخر، وهوَ؛ أَنَّهم ناضلُوا وجاهدُوا وضحُّوا ليُستَخلفُوا في الأَرضِ من أَجلِ خدمةِ عبادِ الله تعالى بإِقامةِ العدلِ، أَمَّا إِذا لم تجد لها أَثرٌ، فسيُثبت لكَ الواقِع المَرير بأَنَّهم ناضلُوا وضحُّوا ليتمكَّنُوا من رقابِ النَّاسِ فحسْب ليسرقُوا البلد، حاضِرهُ ومُستقبلهُ!.

إِذا لمستَها فذلكَ دليلٌ على أَنَّ جهادهُم كانَ لحمايةِ حقُوق النَّاس التي اغتصبَها الطَّاغوت، أَمَّا إِذا لم تلمسَها ولمستَ بدلاً عنها الفَساد والفشَل والظُّلم والسَّحق المُنظَّم لحقُوقِ المُجتمع والتَّمييز والطَّائفيَّة والعُنصريَّة، فستتأَكَّد بأَنَّ جهادهُم كانَ [مُنافسةً في سُلطان].

يقولُ أَمير المُؤمنينَ (ع) للتَّمييزِ بينَ جِهادَينِ {اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ وَلَا الْتِمَاسَ شَيْ‏ءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ وَلَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ وَنُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ}.

اضف تعليق