بقلم: إيمي ماكسمن

تكشف ثلاث دراسات نُشرت مؤخرًا عن أدلة جديدة ومثيرة للاهتمام تتناول كيفية نشوء جائحة «كوفيد-19»؛ إذ تُحدد اثنتان منها نقطة تفشي المرض بسوق ضخم تُباع فيه الحيوانات الحية، إلى جانب سلع أخرى، في مدينة ووهان الصينية2،1؛ أما الدراسة الثالثة3 فتشير إلى أن فيروس كورونا المعروف باسم «سارس-كوف-2» قد انتقل من الحيوانات إلى البشر مرتين على الأقل في شهر نوفمبر أو ديسمبر 2019، وأنه من المحتمل أن الحيوانات التي انتقل منها الفيروس كانت تُباع في السوق. نُشِرَت الأبحاث الثلاثة بتاريخ 25 و26 فبراير، وجميعها مسوّدات بحثية، ومن ثَمَّ لم تُنشَر بعد في دورية علمية تتبنى نظامًا لمراجعة الأقران.

تعزز هذه التحليلات الشكوك الأوّلية بشأن الجائحة، التي تقول بأن الأمر كله بدأ في سوق «هوانان» لبيع المأكولات البحرية بالجملة، وهو سوق تردد عليه كثير من الأشخاص الذين أصيبوا بالفيروس في بدايات ظهوره. وتضم المسوّدات البحثية تحليلات جينية لعينات فيروس كورونا التي جمعها العلماء من السوق، ومن الأشخاص المصابين بالعدوى في شهريّ ديسمبر 2019 ويناير 2020، فضلًا عن تحليلات الموقع الجغرافي، التي تربط الكثير من العينات بأحد أقسام السوق الذي كانت تُباع فيه الحيوانات حيةً. وإذا وضعنا هذه المعلومات بجوار بعضها، فإن ذلك يشير بأصابع الاتهام إلى السوق باعتباره منبع تفشّي المرض، وهو وضع يماثل ما شهدناه مع وباء المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة «سارس» SARS، في الفترة بين عامي 2002 و2004، حين استطاع العلماء كذلك تحديد نقطة الصفر في أسواق الحيوانات، بحسب قول كريستيان أندرسن، عالم الفيروسات في معهد سكريبس للأبحاث، ومقره لاهويا بولاية كاليفورنيا، والمؤلف المشارك في اثنتين من الدراسات. ويصف أندرسن ما بين أيدينا من أدلة بأنها: "في منتهى القوة".

مع ذلك، لا تقدم أي من الدراسات الثلاث دليلًا قاطعًا بخصوص نوع الحيوان الذي استضاف الفيروس قبل انتقاله إلى البشر. ولكن أندرسن يُخمّن أن الحيوان الذي نبحث عنه ربما يكون كلاب الراكون، أحد الثدييات الرابضة الشبيهة بالكلاب، والتي تُستخدم في الصين مصدرًا للغذاء وللحصول على فرائها. فإحدى الدراسات التي شارك فيها أندرسن2 تُشير إلى أن كلاب الراكون كانت تُباع في قسم السوق الذي تمكن العلماء من جمع العديد من العينات الإيجابية منه. وتُبَيِّن التقارير4 أن الحيوانات يُمكِنها استضافة أنواع أخرى من فيروسات كورونا.

لكن بعض علماء الفيروسات، على الناحية الأخرى، يقولون إن الأدلة التي تشير بأصابع الاتهام إلى سوق «هوانان» لا تستبعد وجود فرضية بديلة. فربما كان السوق بؤرة لتضاعف هائل للأعداد، أي أن شخصًا مُصابًا بالعدوى نشر فيه الفيروس وأصاب العديد من الأشخاص الآخرين، ولكن ذلك لا يعني أنه المكان الذي انتقل فيه الفيروس من الحيوانات إلى البشر.

ويقول فينسينت مونستر، عالم الفيروسات في مختبرات روكي ماونتن، أحد أقسام معاهد الصحة الوطنية الأمريكية في مدينة هاميلتون بولاية مونتانا: "من ناحية تحليلية بحتة، هذا عمل ممتاز بالفعل، لكنه يبقى مرتعًا للتأويل". ويضيف مونستر أن البحث عن فيروس «سارس-كوف-2» والأجسام المضادة له في عينات الدَّم التي جُمِعَت من الحيوانات التي كانت تُباع في السوق، ومن الأشخاص الذين كانوا يبيعون الحيوانات في السوق، ربما كان يستطيع أن يقدم دليلًا أكثر حسمًا حول أصول مرض «كوفيد-19». ويؤكد مونستر أن عدد العينات الإيجابية المأخوذة من السوق يشير بالفعل إلى مصدر حيواني لنشأة المرض، ولكنه لا يخفي شعوره بالإحباط بسبب عدم إجراء أبحاث أكثر شمولية، ويعبّر عن ذلك قائلًا: "نحن نتحدث عن جائحة قَلَبَت حياة كثير من الناس رأسًا على عقب".

في بداية شهر يناير من 2020، حددت السلطات الصينية سوق «هوانان» بوصفه المصدر المُحتَمَل لتفشي الفيروس، لأن غالبية الأشخاص الذين أُصيبوا بعدوى مرض «كوفيد-19» وقتها كانوا قد زاروا السوق في الأيام التي سبقت بداية ظهور الأعراض عليهم، أو كانوا على اتصال بشخص ذهب إلى السوق. وبناء على ذلك، أَغلقت السلطات السوق في محاولة منها لمنع تفشي المرض. بعد ذلك جمع الباحثون عينات من الدواجن والثعابين وحيوانات الغرير وحيوانات السلمندر العملاقة والتماسيح وغيرها من الحيوانات التي كانت تُباع هناك. وأخذوا مسحات من المصارف والأقفاص والمراحيض وأكشاك البائعين، بحثًا عن مُسَبِب المرض. وفي شهر مارس من عام 2021، قادتْ منظمة الصحة العالمية تحقيقها، وأصدر الباحثون بعدها تقريرًا يُبَيِّن أن نتائج العينات التي جُمِعَت مباشرة من الحيوانات، والتي بلغ عددها مئتي عينة تقريبًا، كانت كلها سلبية. لكن نحو ألف عينة بيئية، أُخِذَت من أكشاك البيع، وغيرها من الأماكن في السوق، كانت إيجابية.

وفي الوقت الحالي، أجرى فريق يعمل في الصين، يضم باحثين في المركز الصيني لمكافحة الأمراض والوقاية منها، عمليةَ وضْع تسلسل للمادة الوراثية المُستَخلَصة من تلك العينات الإيجابية، ونشَر الفريق النتائج التي توصل إليها في مسوّدة بحثية بتاريخ الخامس والعشرين من فبراير1. وأكد العلماء أن العينات تحتوي بالفعل على تسلسلات من فيروس «سارس-كوف-2» تُطابِق تقريبًا تلك التسلسلات التي كانت منتشرة بين البشر وقتها. وعلاوة على ذلك، استطاع الفريق رصد وجود السلالتين الفيروسيتين الأساسيتين في السوق، وهما «A» و«B»، وهما سلالتان انتشرتا بين المصابين في بداية الجائحة.

ويصف راي يب، عالم الأوبئة والمدير السابق لفرع الصين بالمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها هذه الأبحاث بالـ"عمل الرائع". مضيفًا: "استطاعت هذه الفرق البحثية تأكيد أن سوق «هوانان» كان يمثل بالفعل موقعًا بالغ الأهمية في انتشار العدوى".

وبمجرد نشر التقرير الوارد من الصين على شبكة الإنترنت، سارع أندرسن وزملاؤه بنشر المخطوطات التي كانوا يعملون عليها منذ أسابيع.

في إحدى هذه المخطوطات، يحدد الفريق نقطة الصفر في القسم الجنوبي الغربي من سوق «هوانان»، حيث كانت تُباع الحيوانات حية عام 2019، واصفين هذه المنطقة ببؤرة محتملة لتفشي المرض. وتوصل الباحثون إلى ذلك الاستنتاج من خلال جمعهم للمعلومات عن الحالات الأولى المعروف إصابتها بمرض «كوفيد-19» في الصين، والوارد ذكرها في مصادر شتى، من بينها التحقيق الذي أجرته منظمة الصحة العالمية، والمقالات الصحفية، والتسجيلات الصوتية أو المصورة لأطباء ومرضى في مدينة ووهان الصينية. وكشف هذا التحليل الجغرافي المكاني عن وجود 156 حالة أصيبت بالمرض في شهر ديسمبر من عام 2019، ولاحظ العلماء أن هذه الحالات تجمعت على نحو وثيق حول السوق في البداية، ثم تفرقت تدريجيًا في أنحاء مدينة ووهان، خلال شهري يناير وفبراير من عام 2020.

عاين المؤلفون أيضًا مواقع العينات الإيجابية التي جُمِعَت من السوق، بحسب ما ورد في دراسة منظمة الصحة العالمية. وأحد الاكتشافات الرئيسية، بحسب ما أفاد أندرسن، وزملاؤه، كان اقتران خمس عينات إيجابية مأخوذة من السوق بموقع محدد فيه، هو كشك بعينه تُباع فيه حيوانات حية. بل وبصورة أكثر تحديدًا: قفص معدني، وعربات تُستَخدَم لنقل الحيوانات، وآلة تُستَخدَم في إزالة ريش الطيور2. وكان إيدي هولمز، عالم الفيروسات في جامعة سيدني بأستراليا، وأحد المؤلفين المشاركين في هذا التقرير، قد ذهب بنفسه إلى هذا الكشك عام 2014، والتقط صورًا فوتوغرافية، مُدرَجة في الدراسة، لكلاب راكون حيّة محبوسة في قفص معدني، ومُكَدَّسة فوق أقفاص الدواجن، ولاحظ وجود هذه الأقفاص كلها فوق مجاري صرف صحي. وجدير بالذكر أنه في الدراسة التي أجراها باحثون في المركز الصيني لمكافحة الأمراض والوقاية منها، كانت نتيجة تحليل مياه الصرف الصحي في السوق إيجابية لفيروس «سارس-كوف-2».

وفي تقرير ثانٍ3، خلص أندرسن وزملاؤه إلى أن السلالة «A» والسلالة «B» من فيروس «سارس-كوف-2»، تختلفان فيما بينهما اختلافًا كبيرًا، من الناحية الجينية، بحيث لا يمكن أن تكون إحداهما قد تطورت إلى الأخرى داخل أجسام البشر على نحو سريع. ولذا اقترح العلماء أن من المؤكد تطوّر فيروس كورونا في حيوانات غير بشرية، وأن السلالتين قد انتقلتا إلى البشر بصورة منفصلة. ولعدة أسباب، من بينها حقيقة أن سلالة «B» كانت أكثر انتشارًا بكثير في شهر يناير من 2020، يرى المؤلفون أن سلالة «B» قد انتقلت إلى البشر قبل سلالة «A». وتُظهِر الورقة البحثية أن حالات التفشي الأخرى لفيروسات كورونا، مثل «سارس» والمتلازمة التنفسية الشرق أوسطية «ميرس» MERS، قد نتجت هي الأخرى عن إدخالٍ متكرر للحيوانات البرّية في سياق يعيش فيه البشر.

يقول مايكل وُروبي، عالم الفيروسات بجامعة أريزونا في مدينة توسان وأحد المؤلفين المشاركين في الأوراق البحثية مع أندرسن2،3، إن طريقة تفكيره في نشأة مرض «كوفيد-19» قد تغيَّرت على مدار العام الماضي. في شهر مايو 2021، احتل اسم وُروبي مكان المؤلف الرئيسي في خطاب نُشر على دورية «ساينس» Science 5، ناشد فيه هو وآخرون المجتمع العلمي بالانفتاح على فكرة أن يكون تسرُّب فيروس من أحد المختبرات هو سبب الجائحة، وهي فرضية ثار حولها جدل طويل، تقترح أن فيروس «سارس-كوف-2» مُخلّق مختبريًا أو أن باحثين في معهد ووهان لأبحاث الفيروسات قد أطلقوه، سواء عمدًا أو عن طريق الخطأ، شارحًا وجهة النظر تلك بعبارة: "ينبغي عليكم أن تتعاملوا مع هذه الاحتمالات بجدية".

ولكن منذ ذلك الحين، ظهرتْ أدلة أخرى تدعم رواية المنشأ الحيواني، مثلما هو الحال مع فيروس نقص المناعة البشرية وفيروس زيكا وفيروس الإيبولا وفيروسات الأنفلونزا المتعددة، بحسب قوله. فـ"عندما تلقي نظرة على جميع الأدلة، سيكون من الواضح أن هذا الفيروس قد بدأ رحلته من السوق". وخيوط التحليل المنفصلة تشير إلى ذلك فعلًا، بحسب قوله، ومن المستبعد بشدة أن تكون هناك سلالتان متمايزتان من فيروس واحد، هو «سارس-كوف-2»، صُنعتا في المُختَبَر ثم انتهى بهما الأمر في السوق مصادفة.

ومع ذلك، فمونستر ليس مقتنعًا تمامًا بمسألة حدوث واقعتَي انتقالٍ للفيروس من الحيوانات إلى البشر، لأن الفيروس ربما يكون قد تطور من سلالة إلى أخرى، داخل جسم شخص يعاني من ضعف في جهازه المناعي. ويقول مونستر إن هناك حاجة إلى جمع مزيد من البيانات من البشر والحيوانات للإجابة عن هذا السؤال، وللتأكد من أن أول حالةِ انتقالٍ للفيروس من الحيوانات إلى البشر قد حدثتْ فعلًا في سوق «هوانان».

على الجانب الآخر، يخشى هولمز من أن جمْع عينات إضافية من أولى الحالات البشرية أو من الحيوانات ربما يكون أمرًا بعيد المنال. ففي يوليو الماضي على سبيل المثال، قال مسؤولون صينيون إنهم يخططون لتحليل عينات من دمِ مرضى مأخوذةٍ من عام 2019، ومحفوظة في مركز ووهان للدَّم، ولكن إذا كانت تلك الدراسة قد انتهت بالفعل، فحتى الآن لم تخرج النتائج إلى النور. ويقول هولمز: "ليس بالإمكان أفضل مما كان". مؤكدًا: "ما يجب أن تُركز عليه محاولاتُنا في الوقت الحالي هو منع تكرار هذه الأحداث مرة أخرى".

اضف تعليق