منذ عام 1993، تحتفل منظمة الأمم المتحدة في 22 آذار من كل عام "باليوم العالمي للمياه"، للتوعية بأهمية المياه والمحافظة عليها والسعي إلى إيجاد مصادر جديدة لمياه الشرب. وفي هذا العام 2022 اختير لليوم العالمي للمياه شعار (المیاه الجوفیَّة ـ جعل غير المرئي مرئیًّا)، وتتمحور فِكرة الشِّعار هذا العام في أنَّ المیاه الجوفیة لا تظهر للعیان، ولكنّ تأثيرها يظهر في كل مكان.

وكما هو ثابت ومعروف فعالمنا العربي هو عالم المتناقضات في وضعه الحالي، إذ تعاني أغلب مناطق الوطن العربي من ندرة المياه، إذ تقدر كمية المياه العذبة الموجودة في العالم العربي بما يعادل 7 في المائة من مياه العالم، علماً بأن مساحة الوطن العربي تقدر بما يقارب 9 في المائة من مساحة اليابسة، فكمية المياه المتوافرة في العالم العربي يضعها في مصاف المناطق الجافة وشبه الجافة، وأن كثيراً من الدول العربية لديها عجز مائي يتفاقم على مدى العقود. تضرب المنطقة العربية موجة جفاف بين آونة وأخرى، كما تعاني من هدر وسوء استخدام للمياه، ما يهدد 30 في المائة من الأراضي العربية بالتصحر بنسب متباينة.

وعلى الرغم من هطول كميات كبيرة من الأمطار في بعض مناطق العالم العربي، إلا أن معظمها يذهب هدراً نتيجة التبخر والتسرب إلى الطبقات الصخرية، لكن يوجد في بعض المناطق العربية مخزون جوفي كبير، وتعتمد الزراعة العربية في 75 في المائة من المساحات المزروعة على الأمطار وتشكل الأراضي الزراعية المروية ربع الزراعة العربية، ما يعرّض الإنتاج الزراعي العربي لتقلبات الطقس وموجات الجفاف، والاستهلاك العربي من الموارد المائية مقسوم إلى 83 في المائة للزراعة، 12 في المائة للصناعة، 5 في المائة لحاجات الإسكان.

ويشكل نقص الموارد المائية حالة من الخلل في التوازن بين الموارد المائية المتجددة والمتاحة، وما بين الطلب المتزايد عليها، ويعبر عنه بالعجز في الميزان المائي، وهذا العجز في تزايد مستمر ويؤدي إلى إلحاق الضرر الاجتماعي والاقتصادي بالإنسان. فالملاحظ أن المياه العذبة ليست موزعة بالتساوي على سطح الأرض، وتذهب التقديرات إلى أنه وحتى العام 2025 يكون الإنسان قد استنفد 40 في المائة من كمية المياه المتوافرة في 48 بلداً من العالم، وانطلاقاً من ذلك لابد من طرح الكثير من التساؤلات: فالإنسان ليس الكائن الوحيد الذي يحتاج إلى مياه عذبة، فالنباتات والحيوانات تحتاج كلها لهذا العنصر المهم للحياة، وإذا كان الإنسان لم يتمكن حتى الآن من الاستفادة من المياه المستخدمة أو المعالجة، فإن هذه المياه تسهم في تلويث الأنهار والبحيرات، الأمر الذي يزيد من ندرة المياه الصالحة للشرب. وتتلخص المعضلة المائية في معظم الدول العربية ببندين رئيسين:

- ازدياد حجم الطلب على الموارد المائية.

- الاستهلاك المتزايد على الموارد المائية بالنسبة إلى العرض مما هو متوافر منها نتيجة لزيادة الطلب على المياه لتلبية الاحتياجات المنـزلية والصناعية والزراعية.

إنّ مشكلة المياه في العالم العربي ذات أبعاد كبيرة وخطرة، حيث تتفاقم ندرة المياه مع استنزاف المياه الجوفية والنمو السكاني الكبير إلى تدني النوعية، فازدياد حجم الطلب والاستهلاك على الموارد المائية بالنسبة إلى ما هو متوافر منها من المخزون الاستراتيجي أولاً، وقلة مصادر المياه، سواء للاستهلاك الإنساني أم الزراعي كالينابيع أو الأنهار الدولية كدجلة والفرات والنيل ثانياً، وهي خطرة على المدى البعيد نظراً لشح الموارد، وأخيراً النـزاعات الدولية المترتبة على توزيع المياه الدولية لدجلة والفرات والنيل، بالإضافة إلى الصراع العربي الإسرائيلي، فجذوره التاريخية تتمركز منذ نشوء الدولة العبرية على الأطماع الإسرائيلية في مياه الدول المحيطة بها لاستمرارية بقائها وما زالت إسرائيل مصرة على استخدام سياسة الأمر الواقع.

في عام 1955 أعلن بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل صراحة أن معركتنا مع العرب من أجل المياه، ونحن غافلون، وحزمت إسرائيل حقائبها وذهبت إلى أفريقيا كي تلحق الضرر بمصر، وأقامت علاقات مع 32 دولة أفريقية، واحتلت إثيوبيا أهمية خاصة في النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي، كما عظمت من تواجدها العسكري، وأغدقت المشاريع التنموية على دول المنبع خاصة إثيوبيا، وساهمت في بناء عدة سدود على أعالي النيل، ودفعتها للتمرد على حصتها وحصة مصر التي تبلغ 55 مليار متر مكعب، رغم اعتماد إثيوبيا (نافورة مياه أفريقيا) على الأمطار في معظم زراعتها.

إذا كان تاريخ العالم يكتب بالحروب فلربما شكلت الحاجة المتزايدة للمياه العذبة عنواناً لحروب عالمية في المستقبل، ويقول الخبراء إن العالم سيشهد في المستقبل صراعاً حاداً على المياه يشبه إلى حد كبير الصراع على النفط، وما يحصل بالنسبة للمنطقة العربية، فإن الحديث يزداد عن مشاكل المياه والأخطار التي تحملها، ويستطيع القارئ البسيط بنقرة سريعة على جوجل مثلا بحثا عن واقع القضية أن يجد ما يؤكد ذلك.

منذ 6 سنوات صدر تقرير للأمم المتحدة يحذر من أن العالم مقبل على كارثة في المياه العذبة بحلول عام 2030 حيث سيعيش نصف سكان العالم في مناطق شحيحة المياه منهم ما يصل إلى 250 مليون نسمة في أفريقيا. وبحلول عام 2025 ستعانى 30 دولة من ندرة المياه منها 18 دولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وبحلول العام 2050، تُشير التقديرات إلى إمكانية نزوح ما بين 150 إلى 200 مليون شخص بسبب العوامل المُتعلّقة بالمناخ مثل التصحّر وارتفاع مستوى سطح البحر وزيادة الظواهر الجوية المتطرفة. ومن المتوقع أن يمرّ مساران رئيسان للهجرة عبر منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وفقاً لتقرير جديد صادر عن "معهد الإقتصاد والسلام".

الواقع أن مشكلةَ مياه عالمية تلوح في الأفق والشرق الأوسط ليس بمنأى عنها، إذ أن غالبية الدول العربية تعتمد على خزانات المياه السطحية والجوفية التي تمتد عبر حدودها، والمعنى أن خطر ندرة المياه قائم ومتزايد عاما بعد الآخر مما يعني بالتالي عرقلة النمو الاقتصادي وحدوث عدم استقرار سياسي.

إننا مقبلون على حروب طاحنة عنوانها الماء، حيث من المعلوم أن ثمة 261 نهراً في العالم تتقاسم مياهها العديد من الدول، وفي غالب الأحيان تضع هذه الدول الاتفاقيات فيما بينها لتقاسم المياه، لذلك فإن التنافس على موارد المياه المتناقصة هو مصدر من مصادر التوتر والخطر الأمر الذي يجعل بعض الخبراء يحذرون من حروب مستقبلية على المياه العذبة، وباعتبار المنطقة العربية موطناً لـ6 بالمائة من سكان العالم، ولا تحتوي سوى 1 بالمائة فقط من موارد المياه العذبة في العالم، لذلك فإنها بحاجة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لتضييق الفجوة بين إمدادات المياه والطلب عليها، فالعالم العربي أصبح حبيساً داخل حلقة مفرغة، إذ تؤدي الضغوط البيئية والديموغرافية والاقتصادية إلى تفاقم ندرة المياه، وعلاقة ذلك بعدم الاستقرار الغذائي والصناعي والمعيشي والهجرة، وأيضاً الصراعات والنزاعات.

لذلك فإن إدارة المياه بطريقة أكثر كفاءة يمكنها أن تحد من الهجرة، وستبقى السدود التي تبنى على منابع نهري دجلة والفرات (في تركيا) وعلى منابع نهر النيل (في إثيوبيا) خطراً وعدواناً حقيقياً إضافياً يهدد الأمن المائي العربي، لذا فإن التحرّك نحو نهجٍ إقليمي لمكافحة ندرة المياه وتعزيز إدارة المياه أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، وكما هو الحال مع أي مشكلة مُشتَرَكة، فإن مواجهة التحدّي تتطلب حلولاً مُشتَركة، وأصبح من الضروري وضع استراتيجية عربية موحدة في التعامل مع قضية الأمن المائي بصورة تكفل للبلدان العربية تحقيق أمنها المائي، وبالتالي أمنها الغذائي.

* كاتب صحفي من المغرب

اضف تعليق